story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
إعلام |

نائل العيناوي.. لاعب الإرتكاز الذهبي

ص ص

السائد في كرة القدم عند فوز فريق ما، أن تُسلط الأضواء على من سجل الهدف، ومن مرر، وفي  أحيان أخرى يبرز فضل حارس المرمى عندما ينقد شباكه من محاولات محققة للتسجيل شنها مهاجمو الخصم، لكن هناك مركز مهم وحساس جدا في التشكيلة لا يظهر اللاعب الذي يشغله إلا للعارفين الجيدين بخطط وتكتيكات اللعبة.

الحديث هنا عن لاعب الإرتكاز الذي يتقدم متوسط الدفاع، ويكون بمثابة المحرار الذي يقيس ارتفاع إيقاع المباراة وانخفاظه، تحركاته محسوبة بدقة في وسط الميدان، وذكاؤه التكتيكي يجعله “ماسحة زجاج” مستمرة طوال المباراة لقطع الكرات وإعادة تحويلها إلى هجمات مدروسة تتوج الأداء الجماعي للفريق.

في كأس إفريقيا للأمم 2025 بالمغرب، حيث يُعد الاحتكاك البدني، والإيقاع المرتفع، والصلابة الذهنية عوامل حاسمة، في الفوز، يبرز في هذا المركز لاعب المنتخب الوطني المغربي نائل العيناوي بشكل مبهر ومستقر منذ بداية البطولة، بفضل مجموعة من المهارات اللافتة التي تميزه، من بينها قدرته على الحفاظ على نسق عالٍ طوال تسعين دقيقة، وقراءته التكتيكية الدقيقة لغلق المساحات، إلى جانب صلابته في الالتحامات وقدرته على افتكاك الكرات الخطيرة. كل ذلك يعزّز صورة لاعب بسيط في أدائه، لكنه شديد الفعالية في تأثيره.

جينياً ليس هناك ما يقول إن على الابن أن يسير على خطى والده أو أن يتبنى  هواياته وطموحاته. فلكل فرد ميولاته واهتماماته الخاصة التي تُسهم في تشكيل هويته، هذا المبدأ ينطبق تماما على حالة نائل العيناوي، نجل لاعب التنس المغربي الشهير يونس العيناوي.

فمنذ نعمومة أظافره، اتضح أن الولد ليست له نية مستقبلية في مواصلة الإرث الرياضي لوالده في ملاعب التنس، بل اختار أن يشق طريقا مختلفا، متبعا طموحاته الخاصة المرتبطة بكرة القدم، وذلك رغم الإنجازات الكبيرة التي حققها اللاعب المغربي الأشهر في رياضة الكرة الصفراء، والذي بلغ المركز الرابع عشر ذات زمان، في التصنيف العالمي لرابطة محترفي التنس (ATP).

ازدياد نائل في فرنسا يوم 2 يوليوز 2001 بمدينة نانسي، وأصوله الفرنسية من جهة الأم، غطى على مرحلتين قصيرتين من حياته عاشهما في الرباط وفي برشلونة، الأولى حقنته بعشق دفين لوطن والده، والثانية منحته فرصة مشاهدة الجيل الذهبي للبارصا عن قرب، واستلهام الكثير من خصائص اللاعب الأسطوري أندريس إنييستا.

منذ ولادته في فرنسا، تنقل نائل العيناوي مع عائلته إلى بلدة “غافا” الصغيرة قرب برشلونة بإسبانيا، حيث لمس الكرة لأول مرة وهو في الرابعة من عمره ضمن إحدى الفرق المحلية.

عادت العائلة سنة 2009 إلى مدينة نانسي بفرنسا، وهناك ستبدأ الرحلة الرياضية للطفل نائل، حينما التحق بمركز تكوين نادي نانسي، حيث أظهر، على غرار والده، شخصية قوية وقيادية منذ سن مبكرة، حتى أنه حمل شارة قيادة الفريق الرديف في بعض المباريات وهو لم يتجاوز التاسعة عشرة، قبل أن يوقع على أول ظهور له مع الفريق الأول صيف 2021 أمام نادي تولوز.

ومع مرور الوقت، أثبت نائل نفسه في صفوف نانسي، ثم عاش تجربة صعود وهبوط مع النادي بعد نزوله للدرجة الثالثة، ليصبح بمثابة صمام أمان في خط الوسط، لاعب يقرأ اللعب ويضبط إيقاع المباريات بثقة تفوق عمره، ليلفت نضجه المبكر أنظار كشافة الدوري الفرنسي، وتأتي محطة مفصلية في مساره، بالانتقال إلى نادي لانس صيف 2023.

وعكس المتوقع لم تكن البداية سهلة مع “الآرتيسيين” حيث غاب عن النادي لخمس مباريات بسبب قرار إداري لكنه ما إن دخل التشكيلة حتى أثبت أحقيته، أهدافه الثمانية في موسم 2024/2025 لم تكن سوى تأكيدا على أنه وسط ميدان قادر على صناعة الفارق هجوميًا ودفاعيًا، فضلا عن مشاركته في دوري أبطال أوروبا مع نادي لانس التي كشفت عن لاعب لا يخشى المسارح الكبرى.

وبفضل تألقه، شهد صيف 2025 انتقاله إلى الدوري الإيطالي من بوابة نادي روما، في صفقة بلغت قيمتها 23.5 مليون يورو، قبل أن يحسم قراره النهائي بحمل قميص المنتخب الوطني المغربي.

نائل العيناوي عندما كان يفد على نادي روما الإيطالي قادمًا من نادي لانس الفرنسي. وخلال أول تصريح إعلامي له عند تقديمه رسميا مع “الجيالوروسي”، تحدث عن شغفه بنادي برشلونة، معترفا بإعجابه الكبير بأسطورة خط الوسط أندريس إنييستا، وهو سبب اختياره القميص رقم 8 في نادي العاصمة الإيطالية.

وقال: “نشأت بالقرب من برشلونة، ولذلك كان من الطبيعي أن أشجع البارصا، ولطالما كنت من أشد المعجبين بأندريس إنييستا، وكنت أحلم دائما بارتداء هذا الرقم”.

كما تحدث عن بداياته الرياضية الأولى في وسطه الأسري “والدي لم يُجبرني أبدا على اختيار رياضة بالتحديد.. كنت ألعب التنس، لكنه لاحظ أنني أبدي اهتماما أكبر بكرة القدم، كنت أحمل الكرة بين قدمي طوال اليوم، فترك لي حرية اتخاذ قراراتي بنفسي، كما فعل مع إخوتي. ومع ذلك، ما زلنا نلعب التنس معا أحيانا”.

الأب يونس لاحقته الصحافة الرياضية الإيطالية أيضا للحديث عن إبنه الملتحق بنادي روما، حيث تحدث لصحيفة “لاستامبا” الإيطالية، عن الكيفية التي اختار بها ابنه كرة القدم بدلا من التنس، قائلا: “منذ صغره، وقع نائل في حب كرة القدم. كنا نعيش في برشلونة حيث المدينة تتنفس الكرة، كان يشاهد مقاطع المباريات بينما كان أصدقاؤه يشاهدون الأفلام، وكان دائم الاطلاع على كل ما يخص اللعبة. هو يجيد لعب التنس أيضًا بشكل جيد، لكن كرة القدم هي شغفه الحقيقي، حتى داخل المنزل، كان لا يتوقف عن مداعبتها”.

وأضاف الأب يونس: “قلت له إن هدفه يجب أن يكون الفوز بالكرة الذهبية. وإن لم ينجح في ذلك، فلا مشكلة. الأهم هو أن تكون راضيا عن نفسك، وهذا لا يتحقق إلا بمحاولة تقديم أفضل ما لديك دائمًا”.

نائل العيناوي يجسد نموذجا واضحا للاعب المنتمي إلى مدرسة كرة القدم الواقعية والفعالة، حيث دفعت صفاته التكتيكية مؤطريه الأوائل في نادي گاڤا بإسبانيا، ثم بأكاديمية نانسي إلى منحه الدور المحوري في وسط الميدان، وهو المركز الذي سيطور فيه نائل كل ملكاته التقنية ليتحول إلى عنصر هام في اختيارات جميع مدربي أندية لانس الفرنسي وروما الإيطالي.

بداياته المتألقة  في دوري الكالشيو، نقلها معه إلى المنتخب المغربي، بعد مدة طويلة من انتظار التحاقه، والذي كان يؤجله لأسباب عائلية قاهرة لم يرد نائل إخراجها للعموم، بعدما كان قد خاض تجربة حمل القميص الوطني مع المنتخب الأولمبي في فترة المدرب عصام الشرعي.

خلال الأشهر الماضية، كان مستقبل نائل الدولي محل جدل بين تمثيل المنتخب الفرنسي والمغربي، لكنه اختار الانضمام لأسود الأطلس بعد تواصل مباشر مع الناخب الوطني وليد الركراكي، الذي أشاد بإمكاناته ووصفها بأنها إضافة نوعية للمنتخب الوطني، خصوصًا على مستوى خط الوسط.

ومن جهته، عبر نائل العيناوي عن فخره الكبير بقرار حمل قميص المنتخب الوطني، قائلاً إنه “يشعر بسعادة كبيرة لتمثيل المغرب، وأنه مستعد للعمل بجدية لتقديم الأفضل أمام الجماهير المغربية”.

وقد كان أول ظهور له رفقة المنتخب الوطني الأول، يوم 5 شتنبر 2025، في مباراة أسود الأطلس أمام منتخب النيجر، على أرضية ملعب الأمير مولاي عبد الله بالرباط بعد تجديده.

ومنذ هذه المباراة، بدأ نائل في ترسيخ مكانته تدريجيا كخيار تكتيكي جديد وضروري داخل منظومة لعب أسود الأطلس، وأظهر خلال المباريات الأولى التي لعبها بقميص المنتخب الأول أنه ربح كبير كان ينقص تشكيلة الفريق الوطني، فمردوده منذ انطلاق كأس أمم إفريقيا، يعكس بجلاء حجم الإضافة المتزايدة التي يقدمها لاعب وسط نادي روما الإيطالي لتشكيلة وليد الرگراگي، الذي أصبح يعتمد عليه أكثر في منظومة اللعب الهجومية كعنصر متعدد الأدوار، وما يقدمه نائل العيناوي لحد الآن يضعه متوجا قبل الأوان كأفضل لاعب ارتكاز في المسابقة الإفريقية الجارية، وبدون منازع.