مع مطلع 2026.. خريطة عالمية مشتعلة ومخاض إقليمي ينذر بحروب قادمة
مع الأيام الأخيرة من عام 2025، تصدّرت توترات جنوب اليمن مشهد الشرق الأوسط، كواحدة من حلقات اضطراب إقليمي لم تهدأ تداعياته بعد، في واحدة من أكثر مناطق العالم اشتعالاً. ومع مطلع عام 2026، انتقل ثقل المشهد إلى غرب الكرة الأرضية، حيث جاء الهجوم الأمريكي على فنزويلا ليفتح فصلًا جديدًا من التوتر في ساحة جغرافية بعيدة.
بين الحدثين، تتكشف صورة عالم يعيش على إيقاع تصعيد متزامن في أكثر من بقعة، حيث تتحول بؤر التوتر من ملفات محلية إلى عناصر في مشهد دولي أوسع، يتسم بتآكل تدريجي لقواعد الردع التقليدية وتصاعد منسوب المخاطر. من اليمن إلى أمريكا اللاتينية، ومن شرق المتوسط إلى شرق آسيا، تبدو الخريطة العالمية وكأنها تعيد رسم خطوطها الساخنة.
فقد شكّل اعتقال واشنطن للرئيس الفنزويلي تصعيداً سياسياً غير مسبوق في أمريكا اللاتينية، فيما تعكس تطورات اليمن استمرار تباين الحسابات بين حلفاء الأمس. وفي شرق المتوسط، تتقاطع التصريحات المتبادلة بين تركيا وإسرائيل مع تحركات عسكرية وسياسية توحي بأن التوتر القائم يتجاوز الخلافات الدبلوماسية، وينذر باحتمال اندلاع مواجهة، بالتوازي مع استمرار التهديدات الإسرائيلية بشن هجوم جديد على إيران، وتواصل الأزمة السودانية للسنة الثالثة.
وعلى الضفة الأخرى من العالم، تواصل الصين الضغط في ملف تايوان في مسعى لفرض واقع جديد، فيما تصرّ روسيا على تكريس نفوذها في شرق أوروبا، رافضة أي تسوية لا تراعي مصالحها الاستراتيجية. هذه التحركات المتزامنة، رغم اختلاف ساحاتها وأدواتها، تعكس مناخاً دولياً يتسم بتراجع منسوب الضبط وازدياد الميل لاختبار الخطوط الحمراء، في عالم يبدو أكثر قابلية للاشتعال من أي وقت مضى.
صراع النفوذ الدولي
في هذا الصدد، يقول إسماعيل حمودي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، إن العالم يعيش مرحلة تحولات عميقة في بنية النظام الدولي، ينتقل فيها من نظام كانت تهيمن عليه الولايات المتحدة إلى نظام يتجه نحو التعددية القطبية، بفعل صعود قوى كبرى، في مقدمتها الصين وروسيا.
ويضيف أن هذا التحول يفرض إعادة توزيع النفوذ بين القوى الكبرى، مشيراً إلى أن ما قامت به الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية -التي وصفها بـ”حديقتها الخلفية”- لا يختلف كثيراً عمّا فعلته روسيا في أوكرانيا، ولا عمّا يمكن أن تفعله الصين في ملف تايوان، في إطار سعي كل قوة عظمى إلى تثبيت سيطرتها داخل مجالها الحيوي.
ويتابع حمودي أن هذه القوى، بصفتها شريكة في تأسيس النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية وذات عضوية دائمة في مجلس الأمن وقوى نووية، تضطلع بدور مركزي في إعادة تشكيل النظام القائم.
وتعبر هذه المرحلة عن عودة كل قوة عظمى إلى محاولة فرض هيمنتها على “مجالها الحيوي”. فروسيا لا تنظر إلى أوكرانيا كحالة منفصلة، بل كجزء من أمنها الاستراتيجي، بينما “لا يمكن للصين أن تصبح قوة عظمى كاملة المعنى دون بسط سيطرتها على تايوان”، بحسب المتحدث. في المقابل، تتبع واشنطن المنطق نفسه في البحر الكاريبي وأمريكا اللاتينية، مما يعني أن التعددية القطبية القادمة لا تعني توازناً مثالياً، بقدر ما تعني “توزيع الهيمنة”.
وبالتالي فإن جوهر المرحلة الحالية يتمثل في سعي كل قوة عظمى إلى تثبيت نفوذها داخل مجالها الحيوي، مع انتظار اعتراف باقي القوى بهذا الواقع لواحدة منها. ويرى حمودي أن هذه المقاربة تميّز سياسة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والتي تقوم على عدم الاعتراض على سيطرة كل قوة عظمى على مجالها الحيوي، ويصف ذلك بأنه نوع من “التعددية داخل وحدة القيادة”.
مخاض إقليمي
يشير حمودي إلى أن هذا التحول الدولي ينعكس مباشرة على الأنظمة الإقليمية، ومنها الشرق الأوسط. فصعود روسيا والصين دفع دول المنطقة إلى تنويع شراكاتها؛ حيث بدأت دول مثل المغرب، ومصر، والسعودية، والإمارات، إسرائيل، وتركيا، تطوّر مفهوم “الحليف” الذي لا يتعارض مع “الشريك”. فهي تحافظ على تحالفها مع واشنطن، لكنها تنفتح على بكين وموسكو، مما يمنحها هامش مناورة أوسع لإعادة ترتيب النفوذ الإقليمي، وهو ما يفسر تصاعد التنافس في مناطق مثل شرق المتوسط وباب المندب، حيث تبرز صراعات تديرها قوى إقليمية مباشرة، في ظل حضور دولي غير مباشر.
ويضيف حمودي أن هذا الوضع يضع القوى العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، أمام تحديات معقدة في إدارة شبكة تحالفاتها، ما يدفعها إلى التراجع خطوة إلى الخلف، وترك المجال أمام القوى الإقليمية لإعادة ترتيب أوراقها بنفسها، سواء عبر تفاهمات طويلة الأمد أو عبر صدامات.
ويضرب مثالاً بما يجري في اليمن والسودان، حيث تشكلت تحالفات متقابلة ومتغيرة؛ تضم الأولى (الإمارات، إسرائيل، وإثيوبيا)، وتقابلها الثانية (تركيا، السعودية، ومصر). ويرى أن هذه الاصطفافات تعكس تقاطع مصالح مؤقتة أكثر من كونها تحالفات ثابتة، مما يجعلها قابلة للتبدل بحسب الملفات.
ويرى أن ما يجري في سوريا، وفي غيرها من ساحات الصراع، يعكس محاولات حثيثة من القوى الإقليمية لإعادة تقسيم النفوذ فيما بينها، في سياق تحولات أعمق يشهدها النظام الدولي، حيث لم تعد الهيمنة مطلقة، بل باتت موزعة بين قوى كبرى متفاوتة في القوة، تقابلها قوى إقليمية صاعدة تسعى لفرض حضورها داخل نطاقاتها الجغرافية.
مسارات الصدام المحتملة
يستبعد إسماعيل حمودي نشوب حرب شاملة بين إسرائيل وإيران، معتبراً أن التوازنات اتجهت نحو عزل إيران وإخراجها من المعادلة الحالية، ويرى أن إصرار إسرائيل على استهداف إيران قد يكون دليلاً على عجزها عن مواجهة “المحور الإقليمي الجديد”.
ويوضح أن أي مواجهة محتملة بين إسرائيل وإيران ستكون إما بهدف خلط الأوراق الإقليمية أو نتيجة لعجزها على مواجهة المحور التركي السعودي المصري.
في المقابل، يتوقع حمودي أن المواجهة بين إسرائيل وتركيا قادمة، مرجحاً أن تكون ساحتها الرئيسية خارج الأراضي التركية (في سوريا، لبنان، والعراق)، مع دور معقد للملف الكردي في هذا الصراع.
حروب بالوكالة
أما بخصوص اليمن، فيرى حمودي أن المشهد لا يزال غامضاً، حيث يتداخل فيه صراع نفوذ إقليمي (سعودي-إماراتي) تحت غطاء الخلافات المحلية.
ومن شأن أي انسحاب حقيقي لأبو ظبي أن يفتح الباب لتسوية بين الرياض والحوثيين، بينما قد يؤدي استمرار التوتر بين الحليفين الإمارات والسعودية إلى إعادة تنشيط الحرب الأهلية بشكل أكثر حدة.
ويشير حمودي إلى أن المرحلة المقبلة لن تشهد حروباً تقليدية شاملة، بل إعادة تنشيط لـ”حروب الوكالة” والصراعات غير المباشرة في مناطق الأزمات، ويتعلق الأمر بكل من اليمن، وليبيا، وسوريا، والسودان.
أما بخصوص “محور المقاومة” الذي تقوده إيران، فإنه يعيش اليوم “حالة خمود”. ويرى حمودي أن هذا الخمود مؤقت، إذ انقل المحور بفصائله إلى مرحلة انتظار وترقب وتربص، إذ تحاول الحفاظ على مواقعها إلى حين توفر فرصة جديد، وذلك في ظل توجه المنطقة نحو انفجار الصراع في المحاور التقليدية بين المحور السعودي المصري التركي، في مقابل المحور الإماراتي الإسرائيلي.
شبح الحرب العالمية
يرى حمودي في ختام تحليله أن ملف تايوان وكييف يظلان الاختبار الأكبر للنظام الدولي الذي يعيش مرحلة سيولة استراتيجية تجعل أي سيناريو محتملاً، دون أن يكون حتمياً. فإما أن تقبل واشنطن بعودة الجزيرة للنفوذ الصيني، أو تذهب نحو مواجهة كبرى.
وينطبق الأمر ذاته على أوكرانيا، حيث لن تنتهي الحرب دون تسوية تعترف بمصالح روسيا الاستراتيجية (مثل حياد أوكرانيا والاعتراف بالواقع الجيوسياسي في القرم والشرق).
ومن شأن غياب التوافق بين القوى الكبرى على إعادة توزيع النفوذ أثناء إعادة تشكيل النظام الدولي، أن يؤدي حتماً بحسب المتحدث إلى مزيد من الحروب والصراعات المتزامنة في أكثر من منطقة حول العالم، لتشمل إفريقيا وأمريكا الاتينية وأوروبا نفسها.
ويخلص حمودي إلى أن الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة، إذا أراد تجنّب حرب عالمية ثالثة، سيكون مضطراً للاعتراف بمناطق النفوذ الإقليمي لكل من الصين وروسيا. فروسيا، كقوة نووية، لن تقبل بتراجع استراتيجي يمسّ جوهر أمنها، لأن ذلك قد يعني تفكك نفوذها الدولي. وينطبق الأمر نفسه على الصين، التي لا يمكن أن تُعامل كقوة عظمى حقيقية من دون حسم ملف تايوان.