story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

أفول صحيفة وشموخ وطن.. غلاف أجوف لماضٍ اندثر

ص ص

لم تعد لوموند الصحيفة التي عُرفت يوماً بالرصانة والصرامة المهنية. فما تنشره اليوم لا يعكس إلا صورة مؤسسةٍ تائهة، فقدت بوصلة الصحافة، واستبدلت السعي وراء الحقيقة بالإثارة والهوى. صحيفة كانت تُدرّس أصول المهنة، فإذا بها تتحول إلى غلاف أجوف لماضٍ اندثر، وسجل مثقل بالخطايا والفضائح.

ولعل أبرز ما يفضح هذا الانهيار هو سجلها القضائي. ففي إسبانيا، لم تتردد عام 2006 في اتهام ناديي ريال مدريد وبرشلونة بتعاطي المنشطات عبر الطبيب إوفيميانو فوينتيس، دون أن تقدم دليلاً واحداً. النتيجة كانت إدانة صريحة أمام القضاء: ففي الخامس عشر من نوفمبر 2011 حكمت المحكمة العليا الإسبانية لصالح برشلونة، وألزمت الصحيفة بتعويض قدره 15 ألف يورو، ثم جاء الحكم الأشد في الرابع والعشرين من فبراير 2014 لصالح ريال مدريد، بتعويض بلغ 300 ألف يورو إضافة إلى 30 ألف يورو للطبيب ألفونسو ديل كورّال.

وفي فرنسا، لم يكن الوضع أقل خطورة. فقد شوّهت الصحيفة سمعة رجل الأعمال بيير فالكوني في مقالاتها عن قضية “أنغولا غيت”، فصدر ضدها حكم محكمة باريس في 23 مايو 2012 لانتهاكها قرينة البراءة. وزجت باسم الممثل العالمي جون مالكوفيتش في ملف SwissLeaks مدعية امتلاكه حساباً سرياً في سويسرا، ليحكم القضاء في 7 أكتوبر 2016 بإدانتها بتهمة التشهير، وهو الحكم الذي أُيد استئنافياً في 24 مايو 2017، مع إلزامها بالتعويض ونشر بيان قضائي. أما النائب الاشتراكي جوليان دراي، فقد استُهدف باتهامات واهية استندت إلى تسريب من جهاز TRACFIN، قبل أن تدين الغرفة 17 بمحكمة باريس في نوفمبر 2009 الصحيفة بسبب نشرها تلك المزاعم دون تحرٍّ كافٍ أو تمكين المعني من الرد.

هذه القضايا لم تكن حوادث معزولة، بل جزءاً من مسار الانحدار. ففي 31 أكتوبر 2019، فوجئ القراء بنشر لوموند نعيًا لرجل الأعمال برنار تابي قبل وفاته، واعتذرت لاحقاً عن «خطأ تقني». وفي 19 يونيو 2023، جاءت الإدانة المدوية من المحكمة التجارية في باريس، التي حكمت عليها بدفع 25 ألف يورو لصالح موقع FranceSoir بعد ثبوت تهمة المنافسة غير الشريفة على خلفية إدراجه ضمن منصّة «الديكودكس» بغرض التشهير.

غير أن الفضيحة الأكبر لم تأتِ من الخارج، بل من الداخل نفسه. ففي 24 فبراير 2003، أصدر الصحفيان الفرنسيان بيير بيآن وفيليب كوهين كتابهما الشهير الوجه الخفي للوموند: من سلطة مضادة إلى تجاوزات سلطة، عن دار Mille et Une Nuits التابعة لفايار. الكتاب، الذي تجاوزت مبيعاته 200 ألف نسخة، قدّم شهادة دامغة على كيف تحولت الجريدة إلى رهينة اللوبيات والصفقات، وكيف تلاشت استقلاليتها أمام منطق المال والنفوذ. لم يعد الأمر اتهاماً سياسياً أو خصومة عابرة، بل اعترافاً صريحاً من داخل البيت بأن الصحيفة باعت روحها المهنية.

بهذا السجل المظلم، لم يعد اسم لوموند مقترناً بالتحقيقات الرصينة، بل بالاعتذارات والفضائح. وما تحاول اليوم أن تنشره عن المغرب لا يخرج عن هذا المسار: أراجيف وضيعة بلا مصدر، وخرافات صحفية لا تصمد أمام أي تحقق. لكنها إذ تفعل ذلك، لا تمس المغرب في شيء، بل تزيد من تعرية هشاشتها وانكشاف عجزها.

فالمغرب ليس صورة تُرسم في أراجيف صحيفة آفلة. إنه وطن شامخ، يمضي بثقة في مساره، يبني ويشيد ويتحول، مستنداً إلى ركيزته الأعمق: الثقة الأبدية بين الملك وشعبه. تلك الثقة التي لا تُشترى ولا تُستعار، بل تُعاش في تفاصيل الحياة اليومية، وتزداد رسوخاً كلما اشتدت الملمات، وتُثبت أنها صخرة تتحطم عليها كل محاولات التشكيك.

السؤال لم يعد: ماذا تقول لوموند عن المغرب؟ بل: ماذا تكشف أراجيفها عن نفسها؟ والجواب واضح: صحيفة أفَل نجمها، وانحدرت إلى درك الدعاية الرخيصة، بعدما باعت تاريخها في سوق الإثارة. أما المغرب، فشمسه لا تعرف أفولاً؛ يكتب تاريخه بثقة، ويصونه بتلاحم العرش والشعب، حيث الحقيقة أقوى من كل افتراء، والوفاء أرسخ من كل قلم مأجور.