كيف باعت الشركات الأمريكية الحرب لأوروبا؟

في البداية كانت الدول تخوض الحروب لأن الانتصار فيها يحقق مكاسب ومنافع اقتصادية أولاً وأساساً، وسياسية بعد ذلك، لكن اليوم صارت الرأسمالية المتوحشة تخوض الحروب لأنها صارت في حد ذاتها وبغض النظر عن نتائجها، مدرة للأرباح أكثر من أية تجارة أخرى، حتى في حال الهزيمة.
وكلامنا عن الرأسمالية المتوحشة هنا مفاده أن الدول صارت مجرد وسائل وأدوات للحرب بأيدي الشركات العالمية الكبرى توجهها كيفما تشاء. ومهما كانت نتائج الحرب فإن الشركات تكون في جميع الحالات قد حققت أرباحا طائلة منها، ثم تجمع بعض أغراضها ببساطة وتنتقل لتنتشر في البلاد التي انتصرت، وتشحذ قدراتها لإعمار تلك التي انهزمت ودُمرت، وفي كلا الضفتين تخرج رابحة.
لقد صارت الحروب مثلها مثل مباريات كرة قدم، وحدها الفيفا تصبح أغنى، مهما كانت النتيجة ومهما كان الفائز.. لا فرق لديها ولا يهمها من مات ومن بقي، بقدر ما يهمها كم صنعت وكم باعت، الباقي مجرد تفاصيل بدون فائدة أو أهمية. الشركات تخوض الحروب في ما بينها بواسطة الدول وعلى أنقاضها.
هذا هو المنطق الذي راحت ضحيته أوروبا بغباء منقطع النظير، حين انطلت عليها حيلة الولايات المتحدة الأمريكية في الحرب الروسية الأوكرانية. الشركات الأمريكية الجبارة، والمركب الصناعي العسكري الأميركي، وشركات النفط الأمريكية، ومؤسسات الإعلام والدعاية الضخمة، نظّرت وخططت للحرب وجرّت وراءها الدولة الأمريكية الرسمية بكل مؤسساتها السياسية، من الرئاسة إلى الكونغرس وباقي المؤسسات، كما جرجرت الدول الأوروبية جميعها وعبر مؤسسات الاتحاد.
وقد حققت تلك الشركات وما تزال تحقق ما خططت له وما توقعته من أرباح وزيادة، وخابت الدول وخاب الأوروبيون. وستتوقف الحرب في أوكرانيا حين تنضج حرب أخرى في مكان آخر فيتم نسيان كييف، وتنطلق الوصفة من جديد حيث الحرب أكثر مردودية.
خلال اجتماع رؤساء دول الاتحاد الأوروبي وبريطانيا مع الرئيس الأميركي دونالد ترامب، على خلفية لقاء هذا الأخير بنظيره الروسي في ألاسكا، كان الهم الأساسي للأوروبيين هو كيفية التعامل مع حقيقة الميدان المرة، وحقيقة الميدان تقول أن الحرب في شكلها وحجمها الحاليين قد انتهت عمليا، وانتهت بانتصار روسي بيّن.
وبالتالي صار من الضروري للأوروبيين الإجابة على السؤال التالي: هل يتشبثون بأوهام الانتصار على روسيا ويتوجهون نحو شوط ثان من الحرب لن يكون سوى حربا عالمية ثالثة، أي مشروعا مقنعا بما يكفي للشركات الأمريكية للاستثمار؟ أم يتوقفون عند هذا الحد ويقرون بالتفوق الروسي ويوقعون على معاهدة استسلام في شكل خريطة أمنية جديدة في الفضاء الأوروبي والدولي، ويكتفون بالنظر إلى الشركات الأميركية وهي تعدد مكاسبها؟
ليس من السهل الإجابة عن هذا السؤال، فالمشكلة هنا هي أن أوروبا بَنَت كل أمانيها وخططها على قاعدةٍ وفرضيةٍ حسبتها حتمية ومضمونة وتتعلق بهزيمة روسيا، على الأقل استراتيجيا إن لم يكن ميدانيا، وكانت تحسب ما ستجنيه من منافع لشركاتها، وقامت على أساس تلك الخطط والأماني بمبادرات، واتخذت قرارات خطيرة جدا على استقرارها ومستقبلها السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وكأني بالمثل المغربي القائل “اللي تيحسب وحدو دائما تيشيط له الربح”.
من تلك المبادرات تتصدر المشهد مسألة التعامل مع الأصول الروسية في دول الاتحاد الأوروبي، والتي تعدّ بمئات المليارات، من بينها مائتا مليار يورو في أوروبا وحدها، وأكثر من ثلاثمائة مليار في المجموع .
قامت الدول الغربية بداية بالاتفاق على تجميد هذه الأصول، ثم فتحت نقاشا حول احتمالات وكيفية السطو عليها واستعمالها تحت غطاء تمويل الحرب الأوكرانية.
وفي غياب اتفاق شامل بينها قامت في النهاية كل دولة بالتعامل مع الأمر بطريقتها .
الأصول الروسية في فرنسا على سبيل المثال كانت تبلغ 71 مليار يورو في بداية الحرب. والآن لم يتبقى منها سوى 25 مليار يورو، بينما لم يتجاوز مجموع المساعدات المالية والعسكرية والإنسانية الفرنسية لأوكرانيا 5 مليارات يورو منذ بداية الحرب في فبراير 2025. مما يعني أن فرنسا مدت يدها وقامت بسرقة واستعمال الأصول الروسية لتحريك وإنعاش خزينتها واقتصادها وصناعتها العسكرية على الخصوص، ولتمويل الحرب في أوكرانيا بعد ذلك.
و بما أن روسيا ستنهزم (حسب ظن باريس) في هذه المواجهة، فإن فرنسا أعدت جوابها على ذلك: سيتم، في إطار التسوية، فرض شروط على موسكو، من بينها القبول بفقدان مئات المليارات من الدولارات التي تشكل قيمة الأصول الروسية في فرنسا والغرب، تحت ذريعة تعويض أوكرانيا عن خسائرها وإعادة إعمارها، وينتهي الأمر عند هذا الحد.
المشكلة التي تواجهها فرنسا اليوم هي أنها صارت تعرف بأنها ستضطر لإرجاع أكثر من الخمسين مليار يورو لروسيا (بين الأصول والفوائد) التي سطت عليها دون موجب حق، ولكن فرنسا التي بلغت مديونيتها حتى بداية هذه السنة ما يناهز 115% من الناتج الداخلي الإجمالي أو الخام، أي أكثر من 3400 مليار دولار، تجد نفسها عاجزة كليا عن تسديد هذا المبلغ. وهذا يعني أن أي تسوية قد تحمل في طياتها تنازلا من طرف باريس عن جزء من سيادتها، المالية على الأقل، في مقابل ما امتدّت إليه أيديها.
لذلك لا يتوقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن التشديد على ضرورة استمرار العقوبات المفروضة على روسيا، ولم لا حتى إرسال قوات عسكرية أوروبية إلى أوكرانيا، وهو ما ردت عليه إيطاليا في شخص وزيريها سالڤيني ورئيسة وزرائها ميلوني بعنف .
الأمر ينطبق أيضا على كل من ألمانيا وبريطانيا. بل يمكن القول أن وضع ألمانيا أسوء بكثير، لأن برلين تخشى أن تصبح أية مفاوضات مقبلة مع روسيا حول الأصول الروسية المنهوبة على خلفية هزيمة أوروبا، فرصة بالنسبة لموسكو للمطالبة بالتعويض كذلك عن الخسائر التي تكبدتها روسيا خلال الحرب العالمية الثانية، وهي كبيرة جدا.
ورغم أن مديونية ألمانيا تشكل من جهتها ما يناهز 62% فقط من الناتج الداخلي الخام، أي من بين الأقل ارتفاعاً أوروبيا، إلا أن هذه المفاوضات ستشكل فرصة لإعادة فتح ملف مكلف بشكل لا يصدق للألمان بعدما ظل مجمدا ومؤجلا منذ نهاية الحرب العالمية المذكورة.
وإذا ما فتح ملف التعويضات عن خسائر الحرب العالمية الثانية فيمكن أن نقول أن ألمانيا ستصاب رسميا بالإفلاس، لأن بولونيا ودول أخرى أيضا تترصد هذا الملف منذ زمن طويل. بل صدرت العديد من التصريحات بهذا الخصوص مؤخرا عن المسؤولين البولنديين قياسا على التعويضات التي حصل عليها اليهود ولا زالوا بعد نهاية الحرب.
بريطانيا من جهتها تعرف مديونية مرتفعة أيضا، تناهز 97% من الناتج الداخلي الخام، وتمني النفس بإمكانية استعمال الأصول الروسية لإنعاش اقتصادها الذي يشهد انحدارا كبيرا خلال السنوات الماضية.
أمام هذا الوضع صار من المتوقع جداً أن تستمر أوروبا في التصعيد العسكري، ولا أدل على ذلك من تصريحات ماكرون الذي يدعو لإرسال قوات عسكرية أوروبية إلى أوكرانيا، وألمانيا وبريطانيا اللتان تدفعان في اتجاه الاستمرار في تزويد كييف بالمزيد من الأسلحة المتطورة كماً ونوعا.
قلت في مقال سابق أن احتمالات اندلاع حرب عالمية ثالثة لا يزال قائما بشكل كبير، وأن روسيا تدرك ذلك تماما ، وأن… القادم أسوأ.