6 مغاربة خارج الخريطة
نعيش هذه الأيام على إيقاعات إفريقية بامتياز، من خلال كأس الأمم الإفريقية في المغرب. وفي الوقت نفسه، يعلو في النقاش العمومي كلامٌ كبير عن القانون الدولي، بعد ما جرى في فنزويلا، وتحضر مفاهيم السيادة، والحصانة، وحدود القوة، ومن يملك حق الاعتقال خارج الحدود…
وفي قلب هذا الضجيج، توجد قضية تجمع البعدين معا وتهمّنا مباشرة كمغاربة: ستة مغاربة محتجزون في الصومال دون أي موجب قانوني أو قضائي، بل حوكموا ونالوا البراءة وتقرر ترحيلهم، ولم يعودوا.
خصصنا تحقيق العدد الجديد من مجلة “لسان المغرب” لهذا الملف، وحاولنا على مدي أسابيع وشهور تقصّي خبايا وخلفيات الموضوع، فكانت النتيجة واحدة:
مغاربة أبرياء يقبعون في سجن هناك في جبال القرن الإفريقي، لأن المغرب لا يرتبط بعلاقات دبلوماسية أو قنصلية مع من يحتجزهم، ثم لأن هناك من الخصوم و”الأصدقاء” من يحاول استدراج المغرب نحو تواصل مباشر يورّطه في شبهة الاعتراف بكيان انفصالي، ويوقعه في مشكلة كبيرة مع الصومال.
ستة رجال، لهم عائلات تنتظر، ووقت متوقف، وحياة معلّقة. وهي ليست قصة خارجية. بل قصتنا نحن. واختبارٌ لمعنى أن يكون للمغربي وطنٌ يتذكره حين يغيب عن الأضواء.
ستة مغاربة صدرت في حقهم براءة قضائية بعد إلغاء حكم الإعدام، ثم تُركوا في المكان نفسه، خلف القفل نفسه، كأن العدالة قالت كلمتها ثم انسحبت من المشهد تاركة الإنسان وحده أمام فراغ لا اسم له.
هؤلاء ليسوا أرقاما في خبر عابر. هم وجوه وأسماء ومسارات حياة تشبه آلاف المغاربة. بعضهم خرج يبحث عن فرصة عمل، وبعضهم هرب من ضيق معاشه، وبعضهم صدّق وعدا بحرفة أو تدريب أو مشروع صغير.
هذه ليست تبرئة للتهور ولا تزكية للسذاجة، بل تذكير بأن الإنسان حين يُحاصر بالفقر وبالانسداد، يصبح أكثر عرضة لتصديق الوهم. وحين تقع الكارثة، لا يعود مهمّا كيف بدأت الحكاية بقدر ما يصبح المهم كيف تُنقذ الدولة مواطنيها من نهايتها.
الدولة هنا ليست شعارا ولا نشيدا قبل مباراة. بل هي ألا تترك مواطنا يتعفن في منطقة رمادية لأن الطريق إليه معقد.
وها هي القصة تُختصر في سطر واحد لا يترك مساحة للهروب: حكم قضائي يعلن البراءة ويشير إلى مسار التسليم، ثم واقع يرفض التنفيذ كأن الحكم رأيٌ استشاري لا قرار نافذ.
في أي منطق هذا؟
إذا كانت المشكلة في وثائق الهوية وتجديد الجوازات، فذلك يعني أن الإنسان سُجن مرتين: مرة داخل القضبان، ومرة داخل ورقة ناقصة.
وإذا كانت المشكلة في الجغرافيا والسيادة وتنازع السلطات في الصومال، فهذا يعني أن الإنسان يُعاقَب لأنه وُضع في المكان الخطأ من الخريطة.
وإذا كانت المشكلة في حسابات الاعتراف والخصومات الإقليمية والمزايدات الدبلوماسية، فهنا تبلغ الفضيحة ذروتها: يصبح المواطن رهينة الخوف من التأويل، ورهينة أن يلتقط خصمٌ ما صورة أو تواصلا ليحوّله إلى ذخيرة سياسية.
دعونا نقولها بلا مواربة: حين تصل الأمور إلى هذا الحد، لا يبقى مقبولا أن يستمر خطاب التبرير. لأن ما يتعرض له هؤلاء ليس مجرد تأخير، بل انهيار تدريجي للمعنى.
السجن، في حدوده الدنيا، عقوبة أو إجراء احترازي. أما أن يبقى إنسان في السجن بعد براءته، فهذا ليس سجنا فقط؛ هذا تعليق للزمن، وإعدام بطيء للأعصاب، وإطالة لعذاب لا يحتاج إلى سكين كي يكون قاتلا.
الأقسى في هذا الملف أنه يصنع، كل يوم، شعورا جارحا بالوحدة. والوحدة هنا ليست شعورا شخصيا فقط، بل معنى سياسي: مواطنون يشعرون أن هناك من يمكن أن يضيع خارج الحدود، وأن يعود اسمه إلى الداخل كمجرد خبر لا يوقظ آلات الدولة كما ينبغي.
هذا أخطر من السجن نفسه، لأن السجن يوجع ستة، أما الإحساس بأن المواطن قابل للترك حين تتعقد الملفات، فهو يوجع مغربا كاملا.
لن أجادل في تعقيدات المنطقة ولا في حساسية الملف ولا في احتمال أن خصوما يتربصون لاقتناص أي خطأ. أعرف كل ذلك. لكن ما أعرفه أيضا أن الدول تُقاس في هذه اللحظات تحديدا. حين يصعب الطريق، هل تُخترع الطرق أم تُرفع الأكتاف؟ وحين تتداخل الخرائط، هل تُصنع الصيغ الذكية التي تحفظ المبدأ وتُنقذ الإنسان، أم يُترك ليصبح “تفصيلا” في صراع أكبر منه؟
هناك شيء واحد لا يحتمل التأجيل: أن تُسمّى الأشياء بأسمائها. ما معنى “براءة” لا تعيد أصحابها إلى بيوتهم؟ وما معنى “قضاء” لا يصل صوته إلى بوابة السجن؟ وما معنى “مواطنة” إذا كانت لا تضمن الحد الأدنى من الحماية حين ينهار كل شيء؟
هذه صرخة احتجاج، نعم. لكنها أيضا همسة تذكير بأن هؤلاء ليسوا أبناء أسرهم فقط، بل أبناء هذا البلد. وأن كل يوم يمرّ وهم محتجزون بعد براءتهم هو خسارة إضافية للثقة، وإهانة لمعنى العدالة، ودرس قاس يلقنه العالم لنا عن قيمة الإنسان حين لا يجد دولة تتقدم لتقول بوضوح: هؤلاء مواطنونا، ولن يبقوا في الفراغ.
لا أطلب معجزة. أطلب ما يشبه الإنجازات الصغيرة التي تصنعها الدول حين تريد: قناة تواصل لا تُفهم اعترافا بمشروع انفصال ولا تُقرأ اصطفافا، ومسارا إنسانيا محميا لا يترك أثرا سياسيا، وحلا يراعي التعقيد دون أن يجعله ذريعة لتأبيد الألم.
أطلب وضوحا مع الأسر، وخطة زمنية لا تُبنى على الوعود، وإحساسا بأن هناك من يتحمل مسؤولية هذا الملف بدل أن يذوب بين المؤسسات والعبارات العامة.
في النهاية، حين يعود هؤلاء الستة ـ لأنهم يجب أن يعودوا ـ لن يكون ذلك “إنجازا” يستحق التهاني. بل سيكون تصحيحا متأخرا لخطأ لا ينبغي أن يقع أصلا: أن تُعلّق حياة بشر بعد أن قالت المحكمة كلمتها. البراءة ليست مكافأة، بل حق. والحق حين يتأخر، يتحول الوضع إلى ظلم مكتمل الأركان، مهما كانت الأعذار لامعة ومقنعة على الورق.
نحن عمليا أمام ستة مغاربة خارج الخريطة. وأنا لا أقصد الخريطة بمعناها الجغرافي فقط. بل خريطة الدولة حين تُخطئ الطريق إلى أبنائها. وخريطة القانون حين يصير الحكم عنوانا بلا أثر. وخريطة الدبلوماسية حين تتحول حياة بشر إلى هامش في ملفّات أكبر منهم. وخريطة الإعلام حين يعلو الضجيج ويخفت النداء. وخريطة الذاكرة حين نعتاد الغياب كأنه أمر طبيعي.
هؤلاء ليسوا مجرهد رقم و”قضية”. بل هم أسماء ووجوه وأمهات ينتظرن، وأطفال يكبرون على وعد مؤجل، وأيام تُسحب من العمر بصمت.
لا يحتاج الأمر خطبا طويلة ولا بطولات لفظية. يحتاج قرارا واحدا: أن نرفض هذا الفراغ، وأن نُعيدهم إلى مكانهم الطبيعي في المعنى قبل المكان… إلى خريطة الوطن.