5 آلاف دولار للأونصة.. كيف أثر ارتفاع الذهب على المهنيين والمستهلكين بالمغرب؟ – فيديو
في سابقة لم تشهدها الأسواق العالمية من قبل، بلغ سعر الذهب، يوم الخميس 29 يناير 2026، مستويات قياسية غير مسبوقة، متجاوزا عتبة خمسة آلاف دولار للأونصة، ما أعاد المعدن الأصفر إلى صدارة المشهد الاقتصادي العالمي، وأثار موجة من التساؤلات حول أسباب هذا الارتفاع الحاد وتداعياته المباشرة على المهنيين والمستهلكين، خصوصا في بلدان تعتمد على الذهب كزينة وادخار في آن واحد، مثل المغرب.
الأونصة، التي تعادل حوالي 31 غراما من الذهب، سجّلت في المعاملات الفورية قرابة 5600 دولار، في سياق عالمي يتسم بحالة من عدم اليقين الاقتصادي والسياسي، بعد سنوات من الارتفاع المتواصل الذي غذّته الأزمات المتلاحقة، من جائحة “كوفيد-19” إلى الحروب، وتقلبات الأسواق، وارتباك السياسات النقدية.
ولم يقتصر صدى هذا الارتفاع على البورصات العالمية فقط، وإنما امتد إلى أسواق الذهب بالمغرب، حيث يعيش الحرفيون والتجار على وقع ركود غير مسبوق، في ظل تراجع الإقبال على اقتناء الحلي بسبب الارتفاع الصاروخي للأسعار، ما جعل “الذهب حلما مؤجلا” لدى فئات واسعة من المواطنين.
و في جولة ميدانية قامت بها عدسة صحيفة “صوت المغرب” بعدد من محلات بيع الذهب بالرباط، بدا الإقبال ضعيفا على غير العادة، حيث خلت الواجهات من الزبائن، واقتصر الحضور على متفرجين يسألون عن الأسعار قبل أن يغادروا دون إتمام أية عملية شراء.
وبحسب ما عاينته “صوت المغرب”، فإن عددا من المواطنين كانوا يدخلون المحلات بدافع الفضول، قبل أن يفاجؤوا بمستويات الأسعار القياسية، ما يدفعهم إلى المغادرة بسرعة، في مشهد يلخص حجم الهوة بين الأسعار والقدرة الشرائية.
ركود في الأسواق
في هذا السياق، يقول بائع الذهب محمد الشافعي، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، إن “الإقبال على الذهب تراجع بشكل كبير، بنسبة تصل إلى 80 في المائة”، مشيرا إلى أن “القدرة الشرائية للمواطن المغربي لم تعد تسمح باقتناء الذهب كما في السابق”.
ويضيف الشافعي، الذي راكم 28 سنة من الخبرة في مهنة بيع الذهب، أن هذا الأخير كان يرتفع تدريجيا وبشكل معقول، “لكن اليوم أصبح الارتفاع يوميا وبوتيرة غير مسبوقة، ليس بعشرة أو عشرين درهما، بل بسبعين أو ثمانين درهما في بعض الأحيان”، وهو ما أربك السوق وأربك المهنيين أنفسهم.
ولا يقتصر الأمر، بحسب المتحدث، على تراجع الإقبال، و إنما يشمل أيضا نقصا في المنتوج، موضحا أن “العرض أصبح ضعيفا، سواء بسبب تراجع الطلب أو بسبب تردد المهنيين في المجازفة بالشراء في ظل تقلبات الأسعار”.
من الزينة إلى العبء
ويرى متتبعون أن هذا الارتفاع الحاد في أسعار الذهب جعل اقتناء الحلي عبئا ثقيلا على المستهلكين، خاصة خلال المناسبات الاجتماعية كالأعراس والخطوبة، التي كانت تشكل محركا أساسيا لحركية السوق.
وفي هذا الصدد، يقول رشيد، أحد المواطنين، إن “ثمن الذهب كان سنة 2019 في حدود 400 درهم للغرام، بينما يبلغ اليوم حوالي 1400 درهم”، مضيفا أن “من يتوفر على الذهب القديم أصبح يفكر في إعادة بيعه لتحقيق ربح، بدل شراء الجديد”.
و يعكس هذا التحول في السلوك الاستهلاكي ، بحسب مهنيين، انتقال الذهب من كونه وسيلة للزينة إلى أداة ادخار أو استثمار، خاصة في ظل تراجع الثقة في الأصول المالية الأخرى، واستمرار الأزمات الاقتصادية العالمية.
الذهب… ملاذ آمن أم مغامرة
ويؤكد خبراء اقتصاديون أن العالم يعيش منذ نهاية سنة 2019 حالة من عدم اليقين العالمي، بفعل توالي الأزمات والحروب، وتقلب السياسات الجمركية والنقدية، ما دفع المستثمرين إلى اللجوء بكثافة إلى الذهب باعتباره ملاذا آمنا.
و قد ساهم هذا الإقبال المتزايد في ارتفاع سعر المعدن الأصفر بأكثر من 100 في المائة خلال أقل من سنة، غير أن هذا الارتفاع لم يكن في صالح الجميع، إذ عمّق معاناة المهنيين، وقلّص هامش المستهلكين، وخلق حالة من الترقب والحذر داخل الأسواق.
وفي ظل غياب مؤشرات واضحة حول الاستقرار الاقتصادي والسياسي، يبقى الذهب بين كونه استثمارا آمنا ومغامرة محفوفة بالمخاطر بالنسبة للمواطن العادي، في عالم تتسارع فيه التحولات، ولا يمكن لأحد أن يتنبأ بسقف القفزات القادمة للمعدن الأصفر.