story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

165 شجرة طيّبة!

ص ص

تحت غبار التقارير الإخبارية ذات التعابير المفخّمة والكلمات المقتبسة من قواميس السياسة الدولية وال”جيو سياسة” والتوازنات الدولية والإقليمية؛ تختفي قصة نحو 165 طفلة إيرانية قصفت مدرستهم صبيحة اليوم الأول من الحرب الأمريكية الإسرائيلية التي قيل مجددا إنها تنثر ورود الحرية.

المأساة هنا ليست في أن مدرسة قُصفت فقط، بل في أن العالم تعلّم مرة أخرى كيف ينظر إلى دم الأطفال بميزانين. مدرسة ابتدائية للبنات، اسمها “شجرة طيبة”، في مدينة “ميناب” جنوب إيران، تتحول في صباح دراسة عادي إلى ركام، وتُنتزع منها طفولتها كاملة ودفعة واحدة، ثم يُعامل الخبر في كثير من المنابر الدولية الكبرى كما لو أنه تفصيل عابر في هامش “التصعيد” و”الردع” و”تقييم الأضرار”.

“شجرة طيبة”، اسم يصلح لكتاب قراءة في الصفوف الأولى، أو لرسمة طفلة تلوّن جذعا أخضر وعصافير وسماء صافية. لكن الشجرة هنا لم تُمنح فرصة أن تظل شجرة، بل تحولت إلى حفرة في الذاكرة، وإلى عنوان جديد في سجل طويل من المدارس التي تُقصف ثم تُناقش لاحقا ببرود قانوني، وتُستخرج لها تفسيرات تقنية، وتُلقى فوق جثث أطفالها جملة جاهزة: “لم يكن الاستهداف متعمّدا”.

العبارة نفسها، التي تتكرر كل مرة، صارت عند كثيرين جزءا من آلة القتل، لأنها لا تعيد طفلا واحدا إلى أمه، ولا تمسح الدم عن الكتب، ولا تشرح لماذا تنهار مدرسة للبنات في أول يوم من الحرب بينما يتجادل الكبار حول النية.

الأرقام في مثل هذه الحالات، مهما بلغت، تظل خائنة للحقيقة الإنسانية. لأن الرقم 160 أو 165 أو أكثر لا يقول لك شيئا عن حقيبة مدرسية لطفلة صغيرة بقيت تحت الركام، ولا عن حذاء طفلة واحدة فُقدت صاحبته، ولا عن أم وقفت بين الجثامين تبحث عن ملامح ابنتها بين الأشلاء وفي وجوه لم تعد تشبه صورتها الصباحية المعتادة.

الصور التي خرجت من المكان، وتحدثت عنها تقارير دولية، أظهرت ما لا تستطيع لغة البيانات احتواءه. أظهرت دما على الدفاتر، وحقائب مدرسية، وأشلاء يوم دراسي كامل انقطع فجأة. حتى مراسم الحزن نفسها صارت جزءا من المشهد الذي يصعب احتماله. مواكب جنازات طويلة، ونعوش تحمل صور الضحايا، وآلاف من الناس في ميناب، وبكاء جماعي يشبه انهيار مدينة كاملة لا مجرد مدرسة.

من قسوة هذه المأساة أن كثيرا من التفاصيل الصغيرة، التي تُعيد الضحايا إلى إنسانيتهم، لا تصلنا أصلا، أو تصل مبتورة ومتأخرة. نعرف اسم المدرسة، ونعرف المدينة، ونعرف أن أغلبية القتلى كنّ طفلات، وأن هناك معلمات وموظفات بين الضحايا، لكننا لا نعرف بما يكفي أسماء البنات، من منهنّ كانت تحب الرسم، ومن كانت تستعد لامتحان، ومن كانت أمها تنتظرها على الغداء، ومن خرجت ذلك الصباح متذمرة لأنها لم “تشبع” نوما، ومن طلبت من أبيها الليلة السابقة قلما جديدا.

هذه التفاصيل هي جوهر الحقيقة التي يقتلها الخطاب العسكري حين يحوّل البشر إلى مجرّد “أضرار جانبية”. وحين يغيب الاسم، يبقى الرقم؛ وحين يبقى الرقم وحده، يصبح القتل أسهل على الضمير الدولي.

لذلك فإن ما يوجع في قصة “شجرة طيبة” ليس فقط ما جرى داخل المدرسة، بل ما جرى بعدها في المجال العام العالمي. لو كانت المدرسة في مدينة أوروبية، أو كان معظم القتلى أطفالا إسرائيليين أو غربيين، لكانت نشرات العالم قد توقفت أطول، ولتغيّرت نبرة الحديث، ولتحوّل الدم إلى سيرة وأسماء وصور ورسائل شخصية، وأحذية، ودفاتر، وألعاب، وذكريات.

كان العالم سيعرف على الأقل بعض الأسماء، وسيحفظ وجوها، وستُستدعى مفردات إنسانية كبرى بلا تردد. أما في حالة “شجرة طيبة”، فإن كثيرا من التغطيات ما زالت عالقة في لغة التحفّظ البارد. إيران “تقول”، وواشنطن “تنفي” نية القتل، و”تحقيق” جار في إسرائيل، و”حصيلة” غير مؤكدة.

الفضيحة الحقيقية للمنظومة الدولية الراهنة في عجزها الأخلاقي عن الحزن المتساوي. أطفال “شجرة طيبة” ليسوا أقل طفولة لأنهم إيرانيون، وأمهاتهم لا يبكين أقل لأنهن لسن أوروبيات، والحقائب الملطخة بالدم لا تصبح أقل فداحة لأن المدرسة تقع في ميناب لا في مدينة من مدن المركز الغربي.

اللجان الأممية والهيئات الحقوقية التي عبّرت عن صدمتها وقلقها الشديد من القصف وما خلفه من قتل للأطفال قامت بما يجب أن يُقال، على الأقل في الحد الأدنى: المدارس ليست أهدافا، والأطفال ليسوا مادة اختبار لخطط الردع، ومن حق الضحايا أن تُعرف الحقيقة كاملة.

لكن حتى هذه اللغة، على ضرورتها، تظل أقل من حجم الخراب حين تقف أمام مدرسة تحوّلت إلى شاهد جديد على زمن صار فيه الاعتذار المؤجل جزءا من المشهد، والتحقيق جزءا من إدارة الصدمة، والنفي جزءا من بروتوكول ما بعد القتل.

الذي قُصف في ميناب ليس مجرّد مبنى مدرسي، بل الثقة البدائية التي تمنحها العائلات لأبواب المدرسة كل صباح. حين تُرسل أم ابنتها إلى مدرسة ابتدائية، فهي لا ترسلها إلى “جبهة” أو خط تماس، بل إلى مكان يفترض أن يكون محميا من جنون العالم. وحين يعود الطفل جثة، أو لا يعود أصلا، فإن العالم كله يتغيّر، لا داخل الدولة المعنية فقط.

ولأن هذه السطور صرخة ضد بلادة العالم، فإن الواجب الأول فيها أن ترفض اللغة التي تخفي الجريمة بدل أن تكشفها. لا، لسنا أمام “حادث مؤسف” فقط، ولا أمام “تفصيل” صغير. نحن أمام مأساة إنسانية ضخمة، وقتل جماعي لفتيات صغيرات في مدرسة ابتدائية في اليوم الأول من حرب لا يد لهن فيها، وأمام عالم يواصل اختبار حدود نفاقه كلما سقط الضحايا خارج الدائرة المريحة لتعاطفه.

سيواصل اسم “شجرة طيبة” ملاحقة هذه الحرب، لأنه يختصر ما تريد الآلة العسكرية دائما طمسه، أي أن خلف كل خريطة هدف، فصلا دراسيا؛ وخلف كل “ضربة” يدّعي منفذوها أنها محسوبة، أما تُكسر إلى الأبد؛ وخلف كل رقم تتناقله الوكالات، طفلة كان لها اسم وصوت وكرّاس وربما ضحكة في الطريق إلى المدرسة… وهذا، بالضبط، ما ينبغي ألا نسمح للعالم أن ينساه.