story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
دولي |

يوم الأرض الفلسطيني.. نصف قرن من الصمود والمقاومة في وجه الاحتلال

ص ص

بينما يُواصل الاحتلال الإسرائيلي، المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية، جرائمه بالأراضي المحتلة منذ عقود، من خلال تدمير ممتلكات الفلسطينيين ونهج سياسة التهجير القسري في محاولة لتفريغ الأرض من سكّانها، يُخلد الفلسطينيون، ومعهم أحرار العالم، الذكرى الـ 50 ليوم الأرض، في رسالة مفادها: يمكن الاستلاء على الأراضي واحتلالها بقوة الحديد والنار، لكن تبقى الذاكرة عصية على الاحتلال.

ويأتي تخليد هذه الذكرى، في سياق إقليمي بالغ التعقيد؛ يتسم باستمرار الحرب بين الولايات المتحدة الأمريكية والاحتلال الإسرائيلي من جهة وإيران من جهة ثانية، وتصاعد التوترات في المشرق، وباسمرار الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين وفرض إجراءات غير مسبوقة أبرزها استمرار إغلاق المسجد الأقصى وحرمان المصلين من حقهم في العبادة.

وعليه، فإن ذكرى يوم الأرض الفلسطينية، التي تُصادف 30 مارس من كل سنة، تُخلد هذا العام، يوم الإثنين 30 مارس 2026، في ظروف استثنائية، سياسيا ودينيا.

الأقصى حزين في 2026..

وعرفت سنة 2026 تسجيل سابقة تاريخية منذ سنة 1967، تمثّلت في إغلاق للمسجد الأقصى ومنع إقامة الصلوات، بما في ذلك صلاة الجمعة وصلاة التراويح وسنّة الاعتكاف خلال شهر رمضان، وهو ما اعتبره مراقبون اعتداء “صارخاً على أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين“.

ووصلت إجراءات سلطات الاحتلال الإسرائيلي إلى حدّ منع إقامة صلاة عيد الفطر في المسجد الأقصى بالقدس الشرقية، يوم الجمعة 20 مارس 2026؛ إذ نشرت الشرطة قواتها بكثافة في البلدة القديمة، وأقامت حواجز حديدية على مداخلها، كما أطلقت قنابل الغاز المسيل للدموع باتجاه مصلين حاولوا أداء صلاة العيد في منطقة باب الساهرة، أحد أبواب البلدة القديمة.

ويرى متابعون أن هذا الإغلاق، الذي طال أمده لأكثر من شهر، ليس مجرد إجراء أمني احترازي بل هو محاولة لفرض واقع جديد يهدف إلى عزل المقدسيين عن قبلتهم الأولى، وتحويل المسجد من مركز نابض بالحياة إلى مكان مهجور تحت وطأة السلاح، مما يزيد من اشتعال الغضب الشعبي تزامنا مع ذكرى يوم الأرض.

ونبهت “القوى الوطنية والإسلامية” الفلسطينية، في بيان بمناسبة ذكرى الأرض، إلى خطورة استهداف المقدسات الإسلامية والمسيحية، داعية إلى “تحرك عربي وإسلامي ودولي عاجل لتوفير الحماية للمقدسات ووقف هذه الانتهاكات”.

يوم الأرض

بالعودة إلى الجذور التاريخية لذكرى يوم الأرض بفلسطين، نجد أن يوم 30 مارس لم يكن مجرد حدث عابر، بل نقطة تحوّل جوهرية في علاقة الفلسطينيين داخل الأراضي المحتلة سنة 1948 مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي.

ففي مطلع سنة 1976، أعلنت سلطات الاحتلال عما أسمته بخطة “تطوير الجليل”، والتي كانت في حقيقتها مشروعا استيطانيا يهدف إلى تشكيل خريطة جديدة ديمغرافية وجغرافية عبر مصادرة هكتارات من الأراضي الزراعية التي تشكل العمود الفقري لاقتصاد الفلسطينيين ولهويتهم الاجتماعية.

واستهدف المخطط منطقة الجليل، خاصة قرى مثل “سخنين”، و”عرابة”، و”دير حنا”، و”عرب السواعد”.

ورداً على هذا الاعتداءات، أعلنت القيادات الفلسطينية، من خلال لجنة الدفاع عن الأراضي، إضرابا عاما يوم 30 مارس 1976. وكان هذا الإضراب أول تحرك جماعي واسع ومنظم للفلسطينيين في الداخل منذ سنة 1948، مشكلا نقطة تحوّل في تعزيز المقاومة المدنية.

وواجهت قوات الاحتلال الإسرائيلي، آنذاك، هذا التحرك المدني الفلسطيني بقوة الحديد والنار؛ إذ نشرت العسكر والشرطة في القرى والمدن وفرضت حظر التجوال، وهو ما أسفر عن استشهاد ستة فلسطينيين، هم: خير ياسين في عرابة، ورجا أبو ريا وخضر خلايلة وخديجة قاسم في سخنين، ومحمد يوسف طه في كفر كنا، ورأفت الزهيري في نور شمس/الطيبة، إضافة إلى إصابة واعتقال المئات.

ومنذ ذلك الحين، تحوّل يوم 30 مارس إلى مناسبة سنوية يُخلدها الفلسطينيون في الداخل والخارج، تأكيداً على التمسك بالأرض ورفض سياسات المصادرة والتهجير، وإبرازا أن “الأرض” هي جوهر الصراع وبوصلة الهوية.

أشكال تخليد يوم الأرض..

ويخلد الفلسطينيون يوم الأرض كل سنة عبر مجموعة من الأشكال الرمزية، التي يهدفون من خلالها إلى ترسيخ الرواية التاريخية في أذهان الأجيال الشابة.

وتتثمل هذه الأشكال الرمزية في “المسيرات ووضع الزهور على قبور الشهداء وفاء لهم”، وفي “زراعة أشجار الزيتون كفعل رمزي للتشبث بالأرض”، و”الإضرابات والوقفات للتنديد بسياسة الاستيطان والاعتداءات الإسرائيلية”، إضافة إلى أنشطة ثقاقية وفكرية للتعريف بالقضية الفلسطينية.

وإلى جانب ذلك، يُخلد فلسطينيو الخارج هذه الذكرى في عدد من الدول، مثل الأردن، ولبنان، وسوريا، والسويد، وألمانيا، وكندا، والولايات المتحدة الأمريكية، وغيرها… بمختلف الأنشطة والأشكال السياسية والثقافية للتذكير بحقوقهم التاريخية في الأرض والممتلكات، وللتأكيد على رفض سياسات الاحتلال والمصادرة التي تستهدف أراضيهم.

ويُشارك في هذه الأنشطة، في مختلف بقاع العالم، ناشطون وحقوقيون من شعوب حرة، إلى جانب الجاليات الفلسطينية.

وعلى سبيل المثال، وجهت لجنة مناهضة التطبيع التربوي، التابعة للجبهة المغربية لدعم فلسطين ومناهضة التطبيع، نداء إلى نساء ورجال التعليم وكافة المكونات التربوية في المغرب، للمشاركة الواسعة في تخليد الذكرى الخمسين ليوم الأرض الفلسطيني.

وأكدت السكرتارية الوطنية في ندائها أن هذه الذكرى تمثل محطة متجددة لتعزيز الوعي بالقضية الفلسطينية، مشددة على أن المؤسسات التعليمية تعد من أهم الحصون في مواجهة محاولات طمس الهوية وتشويه الحقائق التاريخية، والتصدي لكافة أشكال “التطبيع التربوي” الذي يسعى لاختراق المنظومة الثقافية والقيمية للمجتمع.

تخليد الذكرى وسيطرة المستوطنين..

وبالتزامن مع تخليد ذكرى يوم الأرض هذه السنة، أعلنت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان الفلسطينية، في بيان يوم الأحد 29 مارس 2026، أن المستوطنين الإسرائيليين يسيطرون على ما يزيد على 42 بالمئة من مساحة الضفة الغربية.

ومن جهته، أبرز الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أن “الاحتلال الإسرائيلي استولى خلال 2025 على أكثر من 5571 دونما، وأصدر 94 أمرا لوضع اليد على نحو 2609 دونمات، إضافة إلى 3 أوامر استملاك لنحو 1731 دونما، و3 أوامر إعلان ‘أراضي دولة’ لنحو 1231 دونما”.

وخلال أول شهرين من سنة 2026، سُجل 3837 اعتداء، بينها 2810 اعتداءات على الأفراد، و791 على الممتلكات، و236 على الأراضي، إضافة إلى حرمان الفلسطينيين من الوصول إلى عشرات آلاف الدونمات الزراعية ومئات آلاف الدونمات الرعوية، ما أثر سلبا على الأمن الغذائي.

“الدونم” هو وحدة قياس مساحة شائعة في الشرق الأوسط، وكل “دونم واحد” يساوي ألف متر مربع؛ وبالتالي فكل عشرة دونمات تساوي هكتارا واحدا تقريبا.

ومنذ 8 أكتوبر 2023، تتواصل الاعتداءات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية وعموم الأراضي الفلسطينية، وتشمل القتل والهدم والتهجير والتوسع الاستيطاني، ما أسفر حتى الآن، عن استشهاد 72 ألف و280 فلسطينيا وإصابة 172 ألفا و14 آخرين بقطاع غزة، واستشهاد 1137 فلسطينيا، وإصابة نحو 11 ألفا و700، واعتقال حوالي 22 ألفًا، بالضفة الغربية، وسط تحذيرات دولية من إمكانية إعلان الاحتلال الإسرائيلي ضم الضفة الغربية.

إعدام 9300 فلسطيني

بالتزامن مع تخليد ذكرى عيد الأرض، يستعد الكنيست الإسرائيلي (البرلمان) لإقرار قانون إعدام أسرى فلسطينيين خلال الساعات المقبلة، رغم انتقادات حقوقية محلية وفلسطينية ودولية.

وتقدم حزب “القوة اليهودية” اليميني المتطرف برئاسة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير بمشروع القانون الذي تم التصويت عليه بقراءة أولى في نونبر الماضي وسيجري التصويت عليه بالقراءتين الثانية والثالثة اليوم.

وحال إقرار مشروع القانون بالقراءتين الثانية والثالثة فإنه يصبح قانونا ساري المفعول، غير أن المنظمات غير الحقوقية يمكنها الالتماس إلى المحكمة العليا الإسرائيلية للمطالبة بوقف تنفيذه.

وعلاقة بذلك، قالت القناة 12 العبرية، اليوم الاثنين، إنه “من المتوقع إقرار مشروع قانون الإعدام خلال الساعات القادمة”.

واعتبر النائب في الكنيست من “الجبهة الديمقراطية للسلام والمساوة” عوفر كسيف أن “قانون عقوبة الإعدام هو قانون تشريع للإبادة الجماعية”، معربا في جلسة للكنيست، عن موقفه المناهض والرافض مبدئيًا لقانون عقوبة الإعدام “بغض النظر عن هوية المنفّذ أو ضحاياه”.

وقال إن “عقوبة الإعدام، فضلًا عن كونها جريمة قتل من قبل الدولة، تفسد المجتمع وتكرّس العنف والتطرف وعدم الاكتراث بقيمة الحياة”.

وينص مشروع القانون على انطباقه على المواطنين العرب فقط الذين يدانون بتنفيذ عمليات قتل.

وأضاف: “وفقًا لمقدمي مشروع القانون وداعميه، لا يوجد ما يُسمى بالإرهاب اليهودي، بينما يُصنَّف جميع الفلسطينيين، بمن فيهم الأطفال، على أنهم إرهابيون”.

وتابع: “والخلاصة هي أن عقوبة الإعدام لن تُطبَّق على اليهود إطلاقًا، بل على الفلسطينيين فقط، بل ستُطبَّق عليهم مسبقًا بوصفهم جميعًا كذلك. قولوا من الآن فصاعدًا: في إسرائيل سُنّ اليوم قانون إبادة جماعية”.

أما النائب عن “الجبهة العربية للتغيير” سمير بن سعيد، فقال في جلسة للكنيست، اليوم الاثنين: “أنا أعارض هذا القانون ليس بسبب صياغته، بل لأنه يكرّس مبدأ خطيرًا يمنح السلطات صلاحية سلب الحياة”.

وأضاف أن “عقوبة الإعدام هي عقوبة لا رجعة فيها، تنطوي على مخاطر كبيرة، خاصة في ظل إمكانية وقوع أخطاء قضائية لا يمكن تصحيحها”.

وتابع أن هذا القانون “يثير مخاوف جدية من حيث طابعه التمييزي، ولا يقدّم حلًا حقيقيًا، بل قد يساهم في تعقيد الواقع القائم”.

وأعلن أن “الأعضاء العرب وأعضاء المعارضة الذين يعارضون هذا القانون سيتوجهون إلى المحكمة العليا للطعن فيه، في خطوة تهدف إلى الحفاظ على القيم الأساسية وصون حقوق الإنسان”.

من جانبها، قالت القناة 14 العبرية إنه “بعد إعلان حزب شاس دعمه، من المتوقع تمرير القانون التاريخي بسهولة في الجلسة العامة” وفق تعبيراتها.

وأضافت: “وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن يدعم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحزب (إسرائيل بيتنا) المعارض برئاسة افيغدور ليبرمان، مشروع القانون ما يمنح أغلبية قوية لمشروع القانون في الجلسة العامة”.

والأسبوع الماضي، أقرت لجنة الأمن القومي في الكنيست، مشروع قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين بعد إدخال تعديلات عليه، وأحالته للتصويت بالقراءتين الثانية والثالثة اللازمتين لإقراره، وفق هيئة البث الإسرائيلية، دون الكشف عن طبيعة التعديلات.

ويقبع في السجون الإسرائيلية أكثر من 9300 فلسطيني، بينهم 350 طفلًا و66 سيدة، ويعانون، وفق منظمات حقوقية فلسطينية وإسرائيلية، من التعذيب والتجويع والإهمال الطبي، ما أدى إلى وفاة عشرات منهم.

*المحفوظ طالبي