story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
أحزاب |

يسار المغرب يبحث عن تحالف.. هل تنهي انتخابات 2026 خلافات الماضي؟

ص ص

تفاعلت في الآونة الأخيرة نقاشات حثيثة داخل أحزاب اليسار الممثلة في قبة البرلمان، وهي فيدرالية اليسار الديمقراطي، والحزب الاشتراكي الموحد، وحزب التقدم والاشتراكية، حول إمكانية بناء جبهة موحدة لمواجهة الاستحقاقات السياسية المقبلة.

وأفاد مصدر مطلع بصحيفة “صوت المغرب” بأن التوجه الحالي داخل هذه الحساسيات يميل نحو إقرار “مرونة محلية” لتجاوز عائق التحالف الوطني؛ حيث بدأت الحوارات والمفاوضات بالفعل في مجموعة من الدوائر تتجاوز أصابع اليدين.

وأشار المصدر إلى أن هذه المشاورات تهدف إلى صياغة “أرضية مشتركة” تتجاوز الاستعصاءات السابقة، إلا أنها لا تزال تصطدم بفيتو تنظيمي، لا سيما من جانب فيدرالية اليسار الديمقراطي، التي “تبدي تحفظاً لافتاً تجاه الانخراط في تحالف مؤسساتي مع حزب التقدم والاشتراكية”، ما يجعل مشروع التقارب الثلاثي حالياً في طور “فرضية للنقاش” أكثر منه “واقعاً سياسياً” ناضجاً.

وأكد المصدر أن الحزب الاشتراكي الموحد لا يعترض على هذا التحفظ، لكنه شدد على “عدم عرقلة المبادرات بالاعتراضات”، وفق قاعدة “الاشتغال على المتفق عليه وحل الاختلافات عند الوصول إليها”.

ترسبات الماضي تعيق التقارب

وفي هذا الصدد، قال عبد السلام العزيز، الأمين العام لفيدرالية اليسار الديمقراطي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب” إن النقاش الذي دار بين مكونات اليسار، سواء على مستوى الأحزاب أو بين الأمناء العامين، أفضى إلى قناعة مفادها أن مسار التقارب مع حزب التقدم والاشتراكية “ليس سالكاً في الظرفية الحالية”، وذلك لاعتبارات سياسية وتاريخية متعددة، ما أدى إلى توقف هذا المسار عند حدود معينة.

وأوضح العزيز أن مسألة التحالفات الانتخابية لها تأثير مباشر على تماسك التنظيمات الحزبية، ما يفرض نوعاً من التوازن بين الحفاظ على وحدة الصف الداخلي والانخراط في دينامية العمل المشترك.

وأضاف أن “النقاش استمر مع رفاق الحزب الاشتراكي الموحد، بحيث تم تشكيل لجنة مشتركة لا تزال تشتغل إلى حد الساعة، في ظل وجود عدد من القضايا التي ما تزال مطروحة للنقاش”، معبراً عن أمله في أن تفضي هذه المشاورات إلى نتائج إيجابية تشكل منطلقاً لعمل يساري مشترك بمناسبة الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

وبخصوص التحفظ تجاه حزب التقدم والاشتراكية، أوضح العزيز أن الأمر يتجاوز مجرد موقف ظرفي، بل يرتبط بمسار طويل من الاختلافات التي تعود إلى سنوات، حيث شهدت علاقات مكونات اليسار محطات توتر، وبرزت تصنيفات من قبيل “اليسار الحكومي” و”اليسار المخزني” و”اليسار العدمي”، وهي تراكمات لا يمكن تجاوزها بشكل فوري، بحسب تعبيره.

وأشار إلى أنه رغم التقارب النسبي في المواقف والخطابات خلال السنوات الخمس الأخيرة، خاصة بعد تموقع حزب التقدم والاشتراكية في المعارضة، إلا أن ذلك لا يُعد كافياً لبناء تحالف سياسي متين، في ظل استمرار تباينات مرتبطة بمحطات سابقة، من بينها تدبير المرحلة الحكومية ومواقف من قضايا اجتماعية حساسة مثل “حراك الريف”.

وأكد أن أي عمل مشترك يستدعي توفر مقدمات نضالية على أرض الواقع، وبناء حد أدنى من الثقة السياسية، واللقاء حول مشروع مجتمعي قبل الانتقال إلى تحالفات سياسية، مشدداً على أن الهدف ليس ممارسة “سياسة ظرفية” أو البحث عن المقاعد، بل بناء تقارب قائم على برامج وتصورات واضحة.

دعوة لطي الخلاف

من جانبه، اعتبر عضو المكتب السياسي لحزب التقدم والاشتراكية، كريم تاج، أن بناء العمل المشترك ينبغي أن ينطلق من استشراف المستقبل، لا من إعادة اجترار الخلافات الماضية.

وأوضح تاج، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن النقاش السياسي يظل مفتوحاً أمام جميع الأطراف لتقييم التجارب السابقة، دون أن يتحول ذلك إلى عائق أمام بناء أفق مشترك.

وأضاف أن من حق مختلف مكونات اليسار مساءلة مواقف حزب التقدم والاشتراكية، كما من حق الأخير مناقشة مواقف الآخرين، مبرزاً أن جزءاً من اليسار الذي كان يقاطع العمل المؤسساتي والانتخابات أصبح اليوم منخرطاً في المسار الذي دافع عنه الحزب لسنوات.

وأشار إلى أن مواقف الحزب منذ مرحلة الحزب الشيوعي المغربي كانت “مؤسسة ومبنية على اجتهاد سياسي”، نافياً أن تكون انتهازية أو ظرفية، ومشددا في نفس الوقت على الانفتاح على النقد والحوار، “لأن التركيز على الماضي لن يساهم في بناء الأفق السياسي الذي يتطلع إليه المغاربة”.

ترميم العلاقة بين حليفين

وبخصوص التقارب بين فيدرالية اليسار الديمقراطي والحزب الاشتراكي الموحد، أفاد عبد السلام العزيز، الأمين العام لحزب الفيدرالية، بأن المبادرة بدأت قبيل شهر رمضان الماضي، عبر مشاورات أولية لبحث سبل العمل المشترك.

وأوضح أن هذا المسار تطلب وقتاً لتدبير النقاش داخلياً، سواء على مستوى القيادات أو القواعد الحزبية، خاصة في ظل وجود تحفظات مرتبطة بتجربة انتخابات 2021، التي عرفت فك الارتباط بين مكونات الفيدرالية التي كان الحزب الاشتراكي الموحد واحداُ منها.

وأشار إلى أن هذه التحفظات تعكس حيوية النقاش الداخلي، وأن المجلس الوطني هو الجهة المخولة للحسم في مآل هذه المشاورات، عبر بلورة مقرر تنظيمي نهائي، قد يتطلب دورات إضافية لاستكماله.

وعلى المستوى التقني، أفاد العزيز بأن النقاش لا يزال مفتوحاً بشأن الصيغة الأنسب لخوض الانتخابات، سواء عبر اعتماد رمز انتخابي موحد جديد، أو الاشتغال برمز الفيدرالية، وهي مسألة لم تُحسم بعد في ظل تعدد وجهات النظر.

كما توقف عند مرحلة “القطيعة” التي طبعت العلاقة بين الحزبين خلال السنوات الماضية، والتي تميزت بتبادل تصريحات حادة، مؤكداً أن المرحلة الحالية تشهد تجاوزاً تدريجياً لهذا الوضع، من خلال اللقاءات المتكررة والتنسيق الميداني.

وأوضح أن عدم التوصل إلى تحالف وطني شامل لا يعني نهاية مسار التنسيق، إذ تظل هناك بدائل عملية مثل التنازل المتبادل أو اعتماد صيغ تنسيق محلية وجهوية، مؤكداً أن قيادة التفاوض عهد بها إلى لجنة تقنية تعمل على إعداد تصور متكامل لعرضه على المكتب السياسي قبل إحالته على المجلس الوطني للحسم فيه.

كما أقر بأن التسريبات حول التنسيق مع أحزاب اليسار أثرت على أجواء المجلس الوطني الأخير، لكنها لا تعيق الجهود المستمرة لتجاوز الإشكالات، مع الإشارة إلى وجود نقاط خلافية لم تحسم بعد، من بينها طبيعة تصور العمل المشترك، والرمز الانتخابي، وتعقيدات بعض الدوائر.

وأشار المسؤول الحزبي إلى بعض الحالات الميدانية مثل دائرة “أنفا” بالدار البيضاء، حيث تم ترشيح البرلمانية فاطمة التامني، مؤكداً أن مثل هذه الحالات قابلة للتدبير وقد تتكرر في دوائر أخرى.

وأقر بأن مسار التنسيق لا يخلو من عوائق، لكنه شدد على أن استمرار تشتت قوى اليسار رغم تقاطع المرجعيات والتصورات “لا معنى له”، معتبراً أن التقارب يبقى خياراً استراتيجياً لخدمة النضال الديمقراطي، رغم كونه رهيناً بتطورات المرحلة.

وأوضح في هذا الصدد أن لجنة مشتركة عقدت اجتماعين إلى حدود الآن، “غير أن الاجتماع الثاني لم يرقَ إلى مستوى التطلعات، في انتظار عقد اجتماع ثالث مرتقب الأسبوع المقبل، بحضور الأمناء العامين”.

وأشار العزيز إلى أن هناك “عوائق كثيرة قد تعرقل هذه التنسيق”، لكن استمرار تشتت قوى اليسار، رغم تقاطعها في المرجعيات والتصورات السياسية واستهدافها لنفس القاعدة الانتخابية، “لا معنى له” بحسبه، معتبراً أن التقارب بينها يظل خياراً استراتيجياً يخدم النضال الديمقراطي، وإن كان تجسيده على أرض الواقع رهيناً بتطورات المرحلة.

“الهوية السياسية”

وفي مقابل ذلك، أوضح كريم تاج أن وحدة اليسار تظل هدفاً مركزياً في تصور حزب التقدم والاشتراكية، وأن المبادرات التي أطلقها الحزب تجاه باقي مكونات اليسار، خاصة الحزب الاشتراكي الموحد وفيدرالية اليسار الديمقراطي، “تنطلق من قناعة بأن العمل المشترك لا ينبغي أن يُختزل في الانتخابات فقط، بل يجب أن يشمل قضايا مجتمعية كبرى”.

وأضاف أن “الأرضيات المشتركة بين مكونات اليسار أكثر بكثير من نقاط الاختلاف”، معتبراً أن ذلك يشكل قاعدة صلبة يمكن البناء عليها لإطلاق دينامية وحدوية جديدة.

وبخصوص الانتخابات، شدد على أن الحزب اقترح صيغاً عملية للتنسيق، تشمل خوض ترشيحات مشتركة محدودة أو رمزية في بعض الدوائر، معتبراً أن الانتخابات بطبيعتها تتطلب مقاربة براغماتية رغم الصعوبات التقنية المحتملة.

وأكد أن السعي لتوحيد القوى الديمقراطية والوطنية واليسارية جزء من “الهوية السياسية” للحزب، وأن توسيع دائرة التحالفات يعزز موازين القوى ويدفع بمعركة التغيير إلى الأمام.

وفي تقييمه لوضعية اليسار، أقر كريم تاج بأن تأثيره الحالي في موازين القوى يظل محدوداً، معتبراً أن جزءاً مهماً ممن وصفه بـ”شعب اليسار” يوجد اليوم خارج أحزاب اليسار، ويتسم بحالة من العزوف أو فقدان الثقة في العمل السياسي.

واعتبر أن أي خطوة، ولو كانت رمزية، في اتجاه توحيد مكونات اليسار، من شأنها أن تبعث رسائل إيجابية لهذا “الخزان البشري”، وتساهم في إعادة تعبئته حول قضايا الديمقراطية والإصلاح والحريات.

وختم بالتأكيد على أن الرهان الحقيقي يتمثل في استعادة ثقة هذا المد المجتمعي، من خلال بناء أفق سياسي مشترك يعكس إرادة حقيقية في التغيير.

“العمل المشترك أولاُ”

من جهته، دعا محمد العوني، القيادي في الحزب الاشتراكي الموحد، إلى اعتماد مقاربة واقعية في التعاطي مع مسألة توحيد اليسار، تقوم على تغليب منطق “العمل المشترك” بدل رفع شعار “الوحدة” في هذه المرحلة.

وأوضح العوني، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن الخطاب السياسي اليساري مطالب بتجاوز بعض النواقص التي وسمته في السابق، من بينها طرح أهداف لا تنسجم مع السياق المرحلي، مشدداً على أن الحديث عن وحدة اليسار ينبغي أن يُبنى على أرضية موضوعية للتلاقي، عبر ديناميات متنوعة وممتدة مجتمعياً.

واعتبر أن الانتقال مباشرة إلى الحديث عن ترشيحات انتخابية موحدة، دون بناء تجربة فعلية للعمل المشترك، يظل طرحاً متسرعاً، مؤكداً ضرورة الاشتغال أولاً على مبادرات ميدانية مشتركة، من قبيل بلورة خطاب موحد حول الانتقال الديمقراطي، وتعزيز التعاون مع مكونات المجتمع المدني لدعم استقلاليته وفعاليته، إلى جانب الانخراط في قضايا المساواة والعمل النقابي.

وفي السياق ذاته، شدد العوني على أن بناء العمل المشترك يمر عبر محطات تدريجية، تبدأ من المستوى المحلي، خاصة من خلال التنسيق داخل المجالس الجماعية، قبل الانتقال إلى الاستحقاقات التشريعية.

وأضاف أن هذا المسار من شأنه أن يؤسس لعمل نضالي مشترك في القضايا الاجتماعية ودعم الحراكات، بما يتيح خلق أرضية سياسية صلبة تجمع مختلف مكونات اليسار.

وأشار إلى أن هذه “نقط التلاقي الموضوعية” كفيلة بتجاوز الحساسيات الفردية، مبرزاً أن العمل السياسي، وإن كان تقوده قيادات وأفراد، فإنه يظل رهيناً بالقدرة على التوفيق بين الطموحات الفردية والأهداف الجماعية.

وانتقد العوني الاكتفاء بالشعارات، داعياً إلى الاشتغال الميداني لبناء تقاطعات حقيقية، من شأنها أن تفرض نفسها لاحقاً على مستوى القرار الوطني، وتحد من النزعات الفردية أو “النرجسية السياسية”، على حد تعبيره.

وأكد أن الحديث عن الوحدة لا يمكن أن يكون ذا معنى دون تحديد أهداف مشتركة واضحة، متسائلاً عن طبيعة الأدوار المنتظرة من العمل البرلماني، والحد الأدنى من القواسم المشتركة، مقابل المساحات التي يمكن أن تظل مفتوحة لاجتهاد كل حزب.

وفي ما يتعلق بالخلافات المرتبطة بالدوائر الانتخابية، اعتبر المتحدث أنها لن تكون عائقاً كبيراً، مشيراً إلى إمكانية حلها عبر قرارات مركزية تؤطر التحالف الانتخابي، مع ترك هامش لمعالجة بعض الحالات الاستثنائية محلياً.

وأوضح أنه، في حال تعذر تحقيق توافق وطني شامل، يمكن اللجوء إلى صيغ مرنة للتنسيق المحلي، تشمل الاتفاق على مرشح مشترك، أو التنازل عن الترشح لفائدة حزب حليف، أو تقديم الدعم دون ترشيح، معتبراً أن كل هذه الخيارات تبقى واردة ومقبولة.

وأشار إلى أن من بين الآليات المقترحة: التنازل المتبادل بين الأحزاب بحسب قوة حضورها في الدوائر، أو دعم مرشح حزب معين مقابل دعمه في دائرة أخرى، بهدف تجاوز ما وصفه بـ”الترشيح النضالي” الذي يفتقر لحظوظ الفوز.

وبخصوص ما يُثار حول بعض الإشكالات في دوائر معينة، مثل دائرة “أنفا” بالدار البيضاء، حيث ترغب كل من البرلمانية نبيلة منيب، وعبد الله باعقيل في الترشح، أكد العوني أن هذه الحالات تظل استثناءات قابلة للتدبير، ولا يمكن أن تعرقل المسار العام للمشروع.

وأوضح أن المعايير المعتمدة في تدبير الترشيحات تشهد تطوراً، وأن التقييم الموضوعي للمعطيات الانتخابية كفيل بإيجاد حلول توافقية.

وخلص إلى التأكيد على أن السياق السياسي والقانوني يفرض على مكونات اليسار العمل المشترك، ليس فقط كخيار انتخابي، بل كمدخل لبناء برنامج نضالي ديمقراطي وطني للتغيير، خاصة في ظل رهانات كبرى تواجه البلاد.