يامال نموذجا.. الهجرة تصنع النجوم و”اليمين المتطرف” يصنع الكراهية
على خلفية موجة الهجرة الجماعية التي شهدها شمال المغرب، من مدينة الفنيدق نحو مدينة سبتة المحتلة خلال الأيام الماضية، تصاعد خطاب «اليمين المتطرف الأوروبي» الذي يهول مما يعتبره خطرا يهدد مستقبل أوروبا وهويتها الحضارية، رافضا النظر للموضوع من زاوية إنسانية أو حتى من منظور المصالح الاقتصادية والاجتماعية، باعتبار أن غالبية المهاجرين شباب في مقتبل العمر يحملون طموحا وأحلاما وقدرات يمكن أن تسهم في بناء المجتمعات التي تستقبله.
ومن الأمثلة البارزة على الخطاب الذي يحاول «شيطنة الهجرة»، نجد زعيم حزب «فوكس الإسباني» سانتياغو أباسكال، الذي يربط بين المهاجرين وارتكاب الجرائم، معتبرا أن الهجرة تشكل تهديدا أمنيا لإسبانيا، ومحملا المسؤولية لرئيس الوزراء بيدرو سانشيز.
وفي السياق ذاته، دعا زعماء يمينيون متطرفون آخرون في أوروبا، منهم رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، وزعيم حزب الحرية الهولندي خيرت فيلدرز، وزعيمة حزب البديل من أجل ألمانيا أليس فايدل، إلى إحكام إغلاق الحدود في وجه المهاجرين، فيما وصف بعضهم المشاهد المسجلة بين مدينتي الفنيدق وسبتة المحتلة بأنها تمثل “غزوا إسلاميا”.
وتأتي هذه التصريحات اليمينية الغارقة في التمييز وبث الخوف ونشر الكراهية بين البشر، مناقضة لمبادئ الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي ينص في مادته الأولى على أن «جميع الناس يولدون أحرارا ومتساوين في الكرامة والحقوق»، وأنهم «قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضا بروح الإخاء».
نجم عالمي من رحيم الهجرة..
وأمام تنامي الخطاب الشعبوي لليمين المتطرف، الذي يدغدغ مشاعر الناخبين الأوروبيين من أجل الاستقطاب السياسي، تضيع حقيقة أساسية، مفادها أن الهجرة، عبر التاريخ، لم تكن فقط حركة انتقال للأفراد، بل كانت أيضا مصدرا للتنوع والإبداع والتنمية.
وفي هذا الصدد، يمكن استحضار قصة نجاح أشهر من نار على علم، أصبحت جزءا من الذاكرة الأوروبية الحديثة، وتتمثل في قصة النجم الإسباني الشاب لامين يامال، الذي يعد من أبرز المواهب الكروية في العالم، وساهم قبل أيام، يوم الأحد 19 يوليوز 2026، في تتويج منتخب “لاروخا” بلقب كأس العالم للمرة الثانية في تاريخه، على أرضية ملعب «نيويورك نيوجيرسي» في الولايات المتحدة الأمريكية.
ولامين يامال الذي يبلغ من العمر 19 سنة، هو لاعب وُلد في إسبانيا، وينحدر من أسرة مهاجرة؛ من أب مغربي وأم من غينيا الاستوائية، وتختصر قصته مسار آلاف الأسر التي غادرت بلدانها بحثا عن فرص أفضل، ثم أصبحت جزءا من المجتمعات الجديدة التي احتضنتها.
ولا يقتصر الأمر على هذا اللاعب، ذي الأصول المغربية، بل يُمكن استحضار المنتخب الفرنسي، بطل العالم 2018، ووصيف بطل نسخة 2022، ورابع العالم في نسخة 2026، والذي يتكون من لاعبين غالبيتهم من أصول إفريقيا.
الهجرة تصنع نخبا سياسية أوروبية..
إن ذكر قصة اللاعب الدولي الإسباني، لامين يامال، جاء في إطار الشعبية التي تحظى بها لعبة كرة القدم في العالم فقط؛ إذ أن الهجرة لم تمنح أوروبا نجوما في الملاعب فحسب، بل وفرت لها أيضا الكثير من اليد العاملة لسد حاجات سوق العمل، كما أعطتها العلماء والأطباء والمهندسين والفنانين ورجال الأعمال وحتى النخب السياسية.
وفي هذا السياق، يمكن استحضار عدد من المنحدرين من أصول مهاجرة تمكنوا من الوصول إلى مواقع قيادية داخل مؤسسات الدولة؛ ففي فرنسا، برزت أسماء سياسية من أصول مغربية، من بينها رشيدة داتي التي شغلت منصب وزيرة العدل، ثم تولت حقيبة وزارة الثقافة، وفي هولندا يمثل أحمد أبو طالب، المنحدر من أسرة مغربية مهاجرة، نموذجا بارزا، بعدما تولى منصب عمدة مدينة روتردام، أحد أهم المراكز الحضرية في البلاد، فيما أصبحت خديجة عريب، المنحدرة من أصول مغربية، رئيسة لمجلس النواب الهولندي.
وعليه، فإن تاريخ أوروبا المعاصر لا يمكن فهمه دون استحضار أثر الهجرة في اقتصادها ومؤسساتها ومجالاتها الإبداعية، ورغم ذلك، يواصل الخطاب الشعبوي بث الكراهية ضد المهاجرين، مع صعود تيارات اليمين المتطرف التي تجعل من الهجرة محورا رئيسيا في خطابها السياسي.
وعلى الرغم من التحديات التي قد تثيرها الهجرة، إلا أنها صنعت الهجرة نجوما في الملاعب، وساهمت في إنعاش في الاقتصاد، وحملت أفكارا جديدة في الثقافة والسياسة؛ ولذلك فإن محاربة خطاب الكراهية تعني رفض تحويل الإنسان إلى عدو بسبب مكان ولادته أو أصوله تماشيا مع مقتضيات المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
*المحفوظ طالبي