story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

ولادة العالم الجديد

ص ص

لا يحتاج المرء إلى كثير ذكاء كي يلتقط الإحساس الثقيل الذي يهبط على العالم هذه الأيام: شيءٌ ما يتكوّن تحت الجلد، كجنين تأخر خروجه فصار المخاض أطول وأقسى.

نحن لا نقرأ أحداثا متفرقة، بل نراقب طريقة جديدة في إنتاج السياسة، طريقة تُسقط من الطريق ما كان يُسمّى قواعد، وتستبدله بخرائط نفوذ تُرسم على عجل، وتُوقَّع، عمليا، داخل غرف قيادة وعمليات، لا داخل قاعات أممية.

في أسبوع واحد، صارت كلمة السيادة تبدو كأنها قماش قديم يُسحب من تحت الأقدام دون أن ينتبه كثيرون. في كاراكاس، تم إخراج الرئيس نيكولاس مادورو من بلده إلى الولايات المتحدة، وسط جدل دولي حاد حول الشرعية والمعنى والحدود، وبحضور صريح لفكرة مفادها: حين تقرر القوة أن تتحرك، تصبح القوانين تفاصيل مؤجلة.

وأمس فقط، وفي عرض البحر، اتّسعت الصورة أكثر: سفينة مرتبطة بتجارة النفط وبمصالح كل من روسيا وفنزويلا تُصادرها الولايات المتحدة في شمال المحيط الأطلسي، بغطاء قانوني أمريكي وبخطاب سياسي واحد: نحن نملك القوة، ونملك أيضا القدرة على تحويلها إلى إجراء طبيعي، كأنه أمر إداري لا يهزّ فكرة العالم ذاتها.

هذه ليست مجرد تفاصيل في نشرة أخبار. هذه علامات على أن العالم يغيّر طريقته في ترتيب نفسه. نحن أمام ميلاد نظام دولي جديد، لكنه ليس ذلك الذي يُكتب في الكتب بعبارات أنيقة عن “التعددية القطبية” و”التوازنات”، بل نظام يُبنى على سؤال واحد، فظّ وبسيط: من يستطيع أن يفرض تعريفه للشرعية على الأرض؟ ومن يملك أن يجعل هذا التعريف مقبولا بالتعوّد، لا بالإقناع؟

لا يهمّنا الشكل الذي سيتخّذه هذا النظام العالمي، ثنائي (أمريكي – صيني) أم متعدّد الأقطاب، بقدر ما يهمّنا المضمون الذي يبشّر به هذا الوليد الذي يملأ الدنيا صراخا.

الحدث الفنزويلي، كيفما قُرئ، ليس قصة بلد بعيد. بل هو إعلان، بلغة خشنة، عن عودة منطق المجال الحيوي في ثوب حديث، تنسج خيوطه من طائرات، وعمليات خاصة، وعقوبات، وإدارة موارد… وحين يترافق ذلك مع حديث أمريكي عن التحكم في عائدات النفط وتوجيهها وفق تصور واشنطن لمصلحتها، فالسؤال الحقيقي لا يعود: هل هذا جيد أم سيئ؟ بل: ما الذي تبقى من فكرة أن الدول تملك قرارها داخل حدودها؟

ما يحدث هنا يشبه، في جوهره، انتقال العالم من مرحلة كان يتظاهر فيها بأن القانون الدولي سقفٌ فوق الجميع، وكان هذا التظاهر يكفينا نحن الصغار، إلى مرحلة تُعامل فيها القواعد كزينة بروتوكولية: تُستدعى حين تخدم القوة، وتُدفن حين تُحرجها. الفارق الوحيد أن هذا الانتقال يجري بسرعة أكبر، وبقدر أقل من الخجل.

في الخلفية، تلوح الصين كقوة صاعدة لا تحتاج إلى كثير ضجيج لتقول الشيء نفسه بطريقتها: لا تهمّنا القواعد بقدر ما تهمّنا المنافسة على التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والممرات البحرية، والفضاء… ليس ضروريا أن تطلق النار كي تغيّر المعادلة؛ يكفي أن تعيد تعريف “المصلحة” و”السوق” وأنماط الإنتاج، فتجد الدول نفسها تتحرك داخل ساحة رُسمت مسبقا. وفي هذه اللحظة بالضبط، يصبح العالم “مناطق نفوذ”.

تبدو هذه العبارة (مناطق النفوذ) وهي تعود إلى قاموس التحليل كأنها تستعيد شبابها. في تحليلات غربية حديثة، يُحذَّر صراحة من أن العودة إلى نظام مناطق النفوذ وصفة لعدم الاستقرار، لأنها تُنهي الوهم الذي كان يخفف صدمات الصراع: وهم وجود مرجعية مشتركة.

وسط هذا الاستقطاب الأمريكي–الصيني، تبدو روسيا وأوروبا كأنهما خرجتا من حرب أوكرانيا وقد أضعفتا بعضهما بعضا، لا لأن طرفا انتصر انتصارا نهائيا، بل لأن الكلفة طالت الأعصاب والاقتصاد والقدرة على المبادرة.

روسيا بدت أكثر صلابة مما توقعه كثيرون، لكنها أيضا أكثر إنهاكا مما تعترف به. وأوروبا أكثر وعيا بالخطر، لكنها أكثر ارتباكا في ترجمة هذا الوعي إلى قوة مستقلة القرار، لأن أمنها ظل، في النهاية، مربوطا بحبل أطلسي طويل. وها هم بعض قادتها يلوّحون اليوم ب”الطلاق” مع واشنطن ومنعها من الحضور العسكري في أراضي ومياه أوربا.

هنا تتضح قسوة هذا “العالم الجديد”. لم يعد ضروريا أن تُهزم كي تصبح ضحية. يكفي أن تصبح منشغلا بما يكفي كي يفوتك القطار الذي يُعيد توزيع المقاعد. وحين ينشغل الأوروبيون بشرقهم، وتنشغل روسيا بجبهتها، يتقدم آخرون ليرسموا خطوط النفوذ بلا منافسة حقيقية.

في الأدبيات الكلاسيكية للواقعية السياسية، كان هذا هو القانون غير المكتوب: القوة لا تملأ الفراغ فقط، بل تصنع الفراغ أيضا ثم تدّعي أنها جاءت لتنقذ. الجديد هو أن هذا المنطق لم يعد بحاجة إلى تبرير فلسفي. لقد صار يحدث على الهواء مباشرة، وتحت أضواء كاميرات، ثم يُطلب من العالم أن يتعامل معه كاعتياد.

في لحظات كهذه، يتراجع الكلام الكبير عن الأخلاق لصالح قاموس آخر يحمل كلمات مثل: الأمن، والاستقرار، ومكافحة التهديد، وحماية المصالح.

هذه الكلمات ليست كاذبة دائما، لكنها تُستخدم كستار كثيف لشيء أهمّ هو إعادة ترتيب العالم وفق ميزان القوة. وعندما تتكرر عمليات من طراز “خطف” رئيس دولة أو مصادرة سفن نفطية في عرض البحر باسم القانون المحلي لدولة عظمى، فإن الرسالة التي تصل إلى الدول الأصغر ليست نظرية، بل عملية: ما تملكه اليوم قد لا تملكه غدا إذا تبدل المزاج في مركز القوة.

وإذا كان هذا يحدث في دولة نفطية بحجم فنزويلا، وفي ملف حساس بحجم النفط والبحر، فما الذي يمنع أن يُعاد إنتاجه بأشكال مختلفة في ساحات أخرى؟

من القرن الإفريقي إلى اليمن، ومن ممرات الطاقة إلى طرق التجارة، ومن الدول الهشة إلى الدول “المفيدة”. في العالم الجديد، لن تكون المشكلة في غياب القواعد فقط، بل في إعادة تعريف القواعد بحيث تصبح مجرد امتداد لميزان القوة.

هذا هو المخاض الذي نعيشه اليوم: عالمٌ ينتقل من مرحلة قوة الحق، كواجهة على الأقل، إلى مرحلة “حق القوة” كحقيقة شبه مُعلنة. والذين سيدفعون الثمن الأكبر ليسوا بالضرورة من يصرخون اليوم أعلى، بل من لا يملكون أصلا هامش الحركة، أي تلك الدول المتوسطة والصغيرة التي ستجد نفسها تُساق إلى الاصطفاف، لا لأن لديها قناعة، بل لأن الحياد صار رفاهية باهظة الثمن.

لعل أشد ما في هذا الميلاد قسوة، أنه لا يأتي بضربة واحدة. بل يأتي بجرعات متفرقة: عملية هنا، وسفينة هناك، وعقوبة في مكان، وقاعدة عسكرية في آخر. خطاب عن الديمقراطية حين يلزم، وآخر عن الأمن حين يلزم أكثر. ثم نستيقظ فجأة لنكتشف أن العالم تغيّر، وأن الخرائط لا تنتظر المترددين.

هذا هو العالم الجديد وهو يتشكّل أمامنا، دون أن يمنحنا وعدا بالتقدم، ولا ضمانة للعدالة، بل مجوّد إعادة تعريف للنفوذ.

ومن لا يقرأ العلامات مبكرا، سيقرأها لاحقا على شكل فواتير.