هل سيكون المغرب ورشاً للمونديال أم سيكون المونديال ورشاً للمغرب ؟
مع اقتراب تشكيل الحكومة المغربية القادمة، يرتفع السجال السياسي حول طبيعة المرحلة المقبلة ومدى هيمنة ملف تنظيم كأس العالم 2030 على أجندتها التنفيذية. بين إغراء التركيز على المشروعات المادية العمرانية للحدث الكروي، وبين إكراهات مطالب الدولة الاجتماعية، وللوقوف على خلفيات هذا التوجه، من السهل جدا فهم المنطق السياسي الذي قد يدفع السلطة التنفيذية المقبلة إلى اتخاذ استحقاق كأس العالم 2030 «عقيدة لولايتها» (أي جعل تنظيم الحدث مرجعيتها الحصرية). فالحدث، بثرائه الرمزي وحجم التدفقات المالية المرتبطة به، يقدم لها مخرجا سهلا من استحقاقات المساءلة؛ إذ يحيل الملفات الاجتماعية السياسية الخاضعة للرقابة والتفاوض إلى مجرد «أجندة تقنية» حتمية تُدار بضغط الآجال الصارمة وحجم الإنجاز المادي قبل صافرة البداية.
غير أن الخلل الجوهري الذي يستدعي الانتباه هو ذلك الخطأ المفاهيمي الشائع الذي يتهدد الفعل السياسي اليوم، والمتمثل في التماهي بين «الدولة بصفتها كائنا تاريخيا ممتدا»، وبين «الحدث بصفته لحظة استثنائية عابرة». ومن هنا تنبع ضرورة التمييز الحاسم بين مفهومين: «حكومة المونديال»، و«حكومة المغرب الذي سيستضيف المونديال».
- في تفكيك منطق “حكومة المونديال”
إن خطورة الرؤية التي تختزل الرقعة السياسية بأكملها في استحقاق “المونديال” لا تكمن فقط في سطحيتها “الرومانسية”، بل في «عقلية الاستثناء» القسرية التي تنتجها في إدارة الشأن العام. فحين تُصبح التظاهرة الرياضية هي مركز المدار السياسي، يحدث انزياح خطير ومزدوج على مستويات بنيوية ثلاث:
- انزياح الأولويات المالية ورهن الأجيال المقبلة
لا يقتصر الأمر على توجيه الاستثمارات نحو القطاعات ذات المردودية المرئية (كالملاعب الفخمة وتوسعة المطارات وتزيين واجهات المدن المضيفة) على حساب المردودية الاجتماعية غير المرئية (كالتعليم الابتدائي، والمستشفيات الإقليمية، ودعم الصناعة المحلية)؛ بل يمتد الخطر إلى مصادر تمويل هذه المشروعات. وهنا يبرز التحدي الأكبر المتمثل في عبء المديونية؛ إذ إن أغلب هذه الأوراش تُغطى عبر الاقتراض الخارجي والدين السيادي، مما يرهن الميزانيات التنموية للأجيال القادمة لخدمة فوائد الديون وتراكم أصولها.
وهو ما تؤكده الاستقراءات التاريخية؛ إذ تُظهر التجارب الدولية المماثلة -كالبرازيل 2014 وجنوب إفريقيا 2010 واليونان 2004- أن الدول المستضيفة دخلت في اختناقات هيكلية وتدفقات مالية سالبة لم تستطع التشافي منها لسنوات طويلة بعد انطفاء أضواء البطولة، حيث تحولت المنشآت إلى أعباء صيانة مكلفة للغاية على الخزينة العامة. وفي المقابل، فإن النماذج الاستثنائية التي استطاعت استيعاب كلفة التنظيم وتفادي الخسائر المباشرة -كروسيا 2018 وقطر 2022- إنما اعتمدت في تغطية الفاتورة الضخمة على ريع الطاقة والوفرة المالية النفطية، وهو خيار غير متاح للاقتصادات المتنوعة التي تعتمد على المديونية والمالية العمومية المباشرة.
- هيمنة “التكنوقراطية الموجّهة” وإملاءات المؤسسات الدولية
تحت ضغط العد التنازلي لـ 2030، لا تُستبدل المقاربة السياسية القائمة على الحوار الاجتماعي وتلبية مطالب الفئات الهشة بمقاربة تقنوقراطية محلية فحسب، بل بإملاءات تقنوقراطية مفروضة من أطراف دولية؛ حيث يتجلى هذا الارتهان أولا في دفاتر شروط “الفيفا”؛ إذ يفرض الاتحاد الدولي لكرة القدم معايير ومواصفات مبالغ فيها للملاعب والبنيات التحتية، تُجبر الدولة على الانصياع لها بأسبقية مطلقة، مما يثقل كاهل المالية العمومية بنفقات ضخمة وإضافية هي في غنى عنها.
وهو ما يتكامل مع الضغوط التي تمارسها شروط المؤسسات المالية الدولية؛ التي تتساوق مع هذا التوجه عبر الاشتراط الحازم لترتيب “التوازنات الماكرواقتصادية” وخدمة الدين، مما يمارس ضغطا شديدا على الإنفاق الاجتماعي، ويخنق الميزانيات المخصصة لها لحساب إنجاز أوراش رياضية موحدة المعايير عالميا، لتكون النتيجة المباشرة هي تغذية التضخم وتحويل الغلاء إلى واقع هيكلي يستنزف المعيش اليومي للمواطن.
- خلق “شرعية الإنجاز المادي” وتدفق الأرباح للخارج
وينتهي هذا الارتهان المالي والتقنوقراطي إلى خلق “شرعية الإنجاز المادي”، إذ تصبح الملاعب الفخمة والقطارات فائقة السرعة مبررا تنمويا للالتفاف على التعثرات الهيكلية في سوق الشغل وأزمات معيشة المواطن اليومية، في محاولة لبناء “صورة نمطية مبهرة” موجهة للاستهلاك الخارجي، يقابلها اتساع حاد في فجوة الثقة السياسية في الداخل. وهو ما ظهرت مؤشراته جليا في ضعف نسب المشاركة في اقتراع 23 شتنبر، ليعيد التذكير بتلك «الثقة» التي خصها المفكر فرانسيس فوكوياما بمؤلفه الشهير واعتبرها «أم الفضائل» ورأس المال الاجتماعي الأساسي لازدهار الحضارات.
ويزداد هذا الاغتراب عمقا حيال الواقع المعيش اليومي أمام كعكة العقود الكبرى؛ حيث يكتشف المواطن أن المستفيد الأكبر من أوراش هذه المشاريع الضخمة ليست المقاولات الوطنية الصغرى والمتوسطة ولا الكفاءات المحلية، بل الشركات متعددة الجنسيات والمجمعات الاستثمارية الكبرى التي تستحوذ على العقود العابرة للحدود وتُحوّل أرباحها الصافية إلى الخارج، ليبقى للمواطن تبعات الدين المترتب عليها.
- التعليل الاقتصادي والاجتماعي.. لماذا تُعدّ المقاربة الحالية مجازفة؟
إن الاقتصادات الحديثة التي أدارت التظاهرات الكبرى بذكاء -كتجربة برشلونة 1992- لم تتعامل مع الحدث بصفته غاية قائمة بذاتها، بل بصفته «مُسرّعا متعدد الأبعاد» يوظف الوعاء الزمني للمنافسة لخدمة استراتيجية تنموية وشاملة كانت قائمة بالفعل قبل الصافرة وتستمر بعدها. وفي المقابل، أظهرت التجربة التاريخية لدول عديدة أن الاستثمار المفرط في البنيات التحتية الرياضية دون ربطها بنسيج اقتصادي إنتاجي دائم ينتج ما يعرف بـ«الأفيال البيضاء»؛ وهي تلك المنشآت الشاهقة وهائلة التكلفة في البناء، والأشد استنزافا لمالية الدولة في التشييد ثم الصيانة، بينما تبقى مجهولة الوظيفة ومحدودة المردودية بعد انطفاء أضواء البطولة.
وهنا يكمن المحك الجوهري لرهانات المرحلة؛ إذ إن التحدي الحقيقي الذي يواجه النموذج التنموي المغربي ليس هو مجرد «جاهزية البنية التحتية في يونيو 2030»، بل هو «العائد التراكمي المستدام في يوليوز 2030 وما بعده». وهو ما يضع المالية والسياسات العمومية أمام أسئلة وجودية حاسمة: فهل ستتحول استثمارات النقل والقطارات عالية السرعة وتوسعة المطارات إلى شريان اقتصادي دائم يُقلل كلفة اللوجستيك ويُحسّن تنافسية المقاولات المغربية، أم أنها ستظل خطوطا معزولة لخدمة العبور العابر؟ وهل ستُفضي أوراش البناء الضخمة إلى نقل التكنولوجيا وتأهيل المقاولات الوطنية الصغرى والمتوسطة لتمكينها من قيادة السوق المستقبلي، أم ستُحتكر الصفقات الكبرى لدى الشركات العابرة للقارات لتهريب الأرباح إلى الخارج وترك أعباء الديون في الداخل؟ وهل سيستفيد الشباب واليد العاملة الوطنية من فرص عمل حقيقية ومستدامة تُنمّي رأس المال البشري، أم سنكتفي بتوظيفات مؤقتة وهشة تزول تلقائيا بزوال التظاهرة وتترك وراءها بؤرا جديدة للبطالة؟
- نحو فلسفة بديلة.. “المونديال في خدمة الدولة، لا الدولة في خدمة المونديال”
إن المطلوب من الحكومة المقبلة ليس إلغاء الرهان الدولي أو التقليل من قيمته الرمزية، بل «قلب المعادلة البنيوية» عبر نقل التظاهرة من موقع الغاية المبتغاة إلى موقع الأدوات الخادمة لورش الدولة الاجتماعية. ولن يتأتى ذلك إلا بفرز معالم فلسفة بديلة تقوم على الشمولية المجالية التي تمدد آثار أوراش البنية التحتية من المحاور الرياضية إلى القرى والمناطق الهامشية عبر شبكات مساندة، وتجعل من عام 2030 سقفا زمنيا ملزما للإصلاح الاجتماعي -يُقاس فيه النجاح بتقليص الهدر المدرسي وتجويد التغطية الصحية كشرط يوازي بناء الملاعب- فضلا عن تأسيس إرث مؤسساتي دائم يتجاوز المنشآت الصلبة ليرسخ حكامة الإدارة الترابية والرقمنة الشاملة والشفافية العمومية.
وفي غاية المطاف، يظل المواطن المغربي يدرك بيقين أن المونديال استحقاق يلهب الوجدان الوطني ويعزز القوة الناعمة للمملكة بين الأمم، لكنه يعلم بوعيه الفطري أن الملاعب الشاهقة والشاشات العملاقة لن تعلم أبناءه، ولن تعالج مرضاه، ولن تضمن كرامة العيش. فالنجاح التاريخي الحقيقي لعام 2030 لن يُكتب بحجم المدارج، بل بقدرة الدولة على جعل هذا الحدث العابر جسرا نحو اقتصاد وطني مستدام، ومؤسسات عادلة، ودولة اجتماعية حاضنة؛ فالمونديال حدث يمر عبر الزمن.. أما المغرب فهو الخيار التاريخي الدائم.