هل ستذهب إيران إلى الحرب وحدها؟ قراءة في حدود الحلفاء ومنطق «الخندق المنفرد»
تستعد إيران لأي مواجهة مقبلة وهي محمّلة بدروس حروب سابقة، كان آخرها ما عُرف بـ«حرب الـ12 يوما»، التي شكلت اختبارا عمليا لقدراتها العسكرية وحدود قوة خصومها. هذه المواجهة أقنعت طهران بأن الصراع لم يعد يدور حول الملف النووي فقط، بل انتقل إلى قلب معادلة جديدة عنوانها الصواريخ الباليستية والمسيّرات، باعتبارها أدوات ردع كسرت احتكار التفوق الجوي الإسرائيلي وفرضت نوعا من توازن الخوف المتبادل.
في هذا السياق، لا تراهن إيران على حرب خاطفة ولا على دعم عسكري مباشر من حلفائها، بل على كسر استراتيجية «العزلة التامة» التي تحاول واشنطن فرضها. الرد الإيراني كان واضحا: تعميق الارتباط مع الشرق، خصوصا روسيا والصين، ليس من باب التحالف العسكري الكلاسيكي، بل من باب خلق شبكة مصالح تجعل إسقاط إيران مغامرة مكلفة للجميع.
إيران هنا لا تقدم نفسها كحليف يحتاج للحماية، بل كحلقة لا يمكن الاستغناء عنها في مشروع جيوسياسي أوسع، يمتد من آسيا إلى أوروبا. هذا التموضع يجعل أي محاولة لإسقاط النظام الإيراني خطرا مباشرا على المصالح الاستراتيجية لبكين وموسكو، دون أن يعني ذلك أن هاتين القوتين ستقاتلان نيابة عن طهران.
الجغرافيا كقدر: لماذا إيران دائما في قلب العاصفة؟
لفهم السلوك الإيراني، لا بد من العودة إلى الجغرافيا. إيران تقع في قلب ما يسميه منظرو الجيوبوليتيك «الريم لاند»؛ أي الحزام الذي يحدد ميزان القوة العالمي. هذا الموقع جعلها تاريخيا هدفا لمحاولات الاحتواء والاختراق، من انقلاب مصدق سنة 1953 إلى العقوبات والحصار اليوم.
ذلك الانقلاب لم يكن مجرد حدث عابر، بل ترك جرحا عميقا في الذاكرة الإيرانية، ورسّخ قناعة مفادها أن الاعتماد على الغرب مخاطرة وجودية. من هنا، تشكلت فلسفة سياسية ترى أن الدفاع عن السيادة لا يمكن أن يُفوض للآخرين، وأن الجغرافيا تفرض على إيران أن تكون دائما في موقع الصدام أو الاستعداد له.
حدود الحلفاء: دعم بلا خنادق
صحيح أن إيران اليوم أقرب إلى الشرق من أي وقت مضى، لكن هذا التقارب له سقف واضح. الصين تمثل شريانا اقتصاديا حيويا، وروسيا شريكا أمنيا وسياسيا، لكن كليهما غير مستعد للدخول في حرب مباشرة من أجل طهران.
الدعم سيبقى عند مستوى الغطاء السياسي، وتبادل التكنولوجيا، والدعم الاستخباراتي، وتخفيف أثر العقوبات. بعبارة أخرى: الحلفاء يوفرون شروط الصمود، لا شروط الانتصار. وإيران تدرك ذلك جيدا، وتتعامل معه بواقعية، انطلاقا من قناعة راسخة مفادها أن «لا أحد سيحارب نيابة عنا».
بين واشنطن وتل أبيب: صراع رؤيتين
المعضلة الإيرانية لا تكمن فقط في الصدام مع الغرب، بل في التناقض داخل المعسكر الغربي نفسه. واشنطن تميل إلى سياسة «الضبط»: إضعاف القدرات الإيرانية وتغيير السلوك دون إسقاط الدولة. أما إسرائيل، خصوصا في عهد نتنياهو، فترى في إيران هدفا وجوديا، وتسعى إلى تفكيكها من الداخل، عبر اللعب على التناقضات العرقية والمناطقية.
هذا المشروع لا يستهدف النظام فقط، بل الدولة الإيرانية ككيان موحد. وهو ما يجعل كثيرا من القوى الدولية، وحتى الإقليمية، تتحفظ عليه، خوفا من أن يؤدي انهيار إيران إلى فوضى شاملة تتجاوز حدود المنطقة.
تعدد الجبهات: بديل عن الحلفاء النظاميين
في ظل غياب حلفاء مستعدين للقتال، طورت إيران استراتيجية «تعدد الجبهات». فبدلا من مواجهة مباشرة واحدة، يتحول الصراع إلى شبكة اشتباكات موزعة: من جنوب لبنان إلى البحر الأحمر. هذا لا يعني حربا شاملة دائمة، بل استخدام الضغط المتدرج لمنع الخصم من تحويل أي ضربة محدودة إلى حرب وجودية.
بهذا المعنى، لا تدخل إيران الحرب وحدها إقليميا، حتى وإن كانت وحدها عسكريا في المواجهة المباشرة. فوجود حلفاء غير نظاميين يرفع كلفة التصعيد، ويجعل قرار الحرب أكثر تعقيدا لدى خصومها.
هل يمكن أن تنهار إيران؟ سيناريوهات ما بعد المواجهة
أي حرب واسعة على إيران تفتح الباب أمام عدة مسارات خطيرة:
- بقاء النظام رغم الضربات، وهو سيناريو مرجّح، إذ أثبت التاريخ أن الأنظمة لا تسقط بالقصف الجوي وحده؛
- تغيير شكلي في القيادة مع بقاء الدولة، لكنه احتمال معقد في ظل نفوذ الحرس الثوري؛
- تحويل إيران إلى دولة تابعة بالكامل للغرب، وهو سيناريو يعيد إنتاج تجربة مصدق بشكل أكثر قسوة؛
- الانزلاق إلى حرب أهلية وتفكك الدولة، وهو الخيار الذي يتقاطع مع الرؤية الإسرائيلية؛
- تدخل روسي–صيني لملء الفراغ ومنع سقوط إيران في يد الناتو، ما قد يفجّر مواجهة دولية أوسع؛
الخلاصة: إيران وحدها… ولكن ليس معزولة
إيران ستذهب إلى أي حرب قادمة وحدها من حيث الدم والكلفة الميدانية، لكنها لن تُترك وحيدة سياسيا واستراتيجيا. حلفاؤها لن يمنحوها نصرا كاسحا، لكنهم أيضا لن يسمحوا بسقوطها الكامل. وفي هذا التوازن الدقيق، تخوض طهران معركة بقاء، فيما تسعى واشنطن لتعديل السلوك، وتراهن تل أبيب على التفكيك.
في المحصلة، تبدو المواجهة مع إيران صراعا مفتوحا على “الزمن” أكثر منه على “الحسم”، حيث لا يملك أي طرف ترف النصر الكامل دون كلفة وجودية. فهل يتجه الإقليم نحو توازن ردع طويل الأمد، أم أننا أمام لحظة كسر كبرى تعيد رسم خرائط النفوذ وتطرح سؤال البقاء على الجميع؟