هجمات الحوثيين تثير تساؤلات بشأن فعالية الدفاعات الجوية السعودية
أنفقت السعودية مبالغ طائلة لشراء أسلحة متطورة، لكن الضربات الدامية الأخيرة، ولا سيما تلك التي استهدفت مطار الرياض، كشفت عن أوجه قصور في قدرتها على التصدي للهجمات المتواصلة التي يشنها الحوثيون.
وشهد مطار الرياض السبت أعنف هجوم تتعرض له السعودية منذ أكثر من عقد، إذ أسفر عن مقتل 12 شخصا وإصابة أكثر من 300 آخرين، ما دفع بعثات دبلوماسية إلى تحذير رعاياها من التوجه إلى المطار.
كذلك أضر ت الضربات المتكررة بالصواريخ والطائرات المسي رة بصورة المملكة كواحة للاستقرار.
هل تعجز السعودية عن صد الهجمات؟
تشك ل الهجمات الحوثية المتكررة ضغطا متزايدا على منظومات الدفاع الجوي السعودية، ومن المرجح أنها تستنزف مخزون الصواريخ الاعتراضية، في وقت تشير تقارير إلى وجود نقص في هذه الذخائر على مستوى العالم.
ورغم نجاح القوات السعودية في اعتراض صواريخ أو مسي رات في مناطق مختلفة من المملكة، نجحت أخرى في إصابة أهدافها، ومن بينها مطار االرياض ومنشآت نفطية، مخترقة الدفاعات.
ويقع مطار الملك خالد الدولي، أحد أكبر مطارات العالم من حيث المساحة، على بعد نحو 35 كيلومترا من وسط مدينة الرياض، وتمتد مساحته على 225 كيلومترا مربعا.
وقال أندرياس كريغ من شركة “مينا أناليتيكا” المتخصصة في تحليل المخاطر ومقرها لندن، إن “حتى المنظومة الدفاعية المتعددة الطبقات التي تجمع بين باتريوت وثاد والطائرات المقاتلة وأجهزة الاستشعار الأخرى لا يمكنها توفير مظلة منيعة بالكامل فوق دولة بحجم السعودية”، التي تمتد على مساحة تقارب 2,2 مليون كيلومتر مربع.
وأضاف كريغ أن على السعودية “الدفاع بشكل متواصل عن الرياض والمطارات والمنشآت النفطية والقواعد العسكرية والمدينتين المقدستين، فضلا عن قدر هائل من البنى التحتية الحيوية”.
وتتمتع السعودية بقدرات محدودة في مجال الصناعات العسكرية، ولذلك أنفقت مبالغ ضخمة على استيراد أحدث الأسلحة والتقنيات الدفاعية.
وتعتمد السعودية تاريخيا على أعداد كبيرة من الكوادر الأجنبية والمتعاقدين والمدربين لدعم قواتها العسكرية.
كما أصبحت صفقات شراء الأسلحة الكبرى من الشركات الغربية، ومن بينها الأميركية والبريطانية والفرنسية، سمة بارزة في السياسة الدفاعية السعودية، إلى جانب كونها أداة دبلوماسية لتعزيز العلاقات مع الحلفاء.
لماذا يصع د الحوثيون هجماتهم؟
وقال كريغ إن الدفاعات السعودية تنجح في اعتراض عدد كبير من الهجمات الواردة، لكن “الحوثيين لا يحتاجون إلى اختراق المنظومة الدفاعية في كل مرة” لتحقيق أهدافهم.
وأضاف أن الجماعة تحتاج فقط إلى إصابة هدف من حين إلى آخر، مشيرا إلى أن الضربات المتكررة على مطار الرياض تظهر أنها “لا تزال تحتفظ بالقدرة على شن هجمات متعاقبة على أهداف تقع ضمن نطاق استراتيجي”.
ويأتي تصاعد هجمات الحوثيين في وقت تجددت خلال الأشهر الأخيرة الحرب الأهلية اليمنية المستمرة منذ سنوات، والتي يدعم فيها تحالف تقوده السعودية الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا في مواجهة الحوثيين.
وقال المحلل الأمني في جامعة أوتاوا توماس جونو إن الحوثيين يسعون إلى “تغيير قواعد اللعبة”.
وأضاف أنه في ظل استهداف الطائرات الحربية السعودية مطار صنعاء الخاضع لسيطرة الحوثيين، فإن الجماعة المدعومة من إيران تريد “أن تفعل بالسعودية ما تفعله السعودية بها”.
ويضم الحوثيون، المعروفون أيضا باسم “أنصار الله”، عشرات الآلاف من المقاتلين المدربين والمتمرسين الذين راكموا خبرات قتالية واسعة في تضاريس اليمن الجبلية الوعرة.
وشكلت صواريخ الجماعة وطائراتها المسي رة لسنوات تهديدا لدول الخليج، وامتدت هجماتها في الآونة الأخيرة لتصل إلى إسرائيل.
وقال جونو إن رسالة الحوثيين من استهداف البنية التحتية الحيوية السعودية هي أن “ثمن السلام مستمر في الارتفاع”، في إشارة إلى الآمال المعقودة على التوصل إلى تسوية نهائية للحرب في اليمن.
وأضاف “بالنسبة إلى السعودية، يمثل ذلك كارثة حقيقية، لأنها تحاول منذ سنوات الخروج من الحرب في اليمن”.
ماذا يقول السعوديون؟
وقال كريغ إن “المطار يتمتع بأهمية بالغة” لأنه يشكل ركنا أساسيا من رؤية السعودية 2030 التي يقودها ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والهادفة إلى تحويل الرياض إلى مركز رئيسي للسياحة والشركات المتعددة الجنسيات والفعاليات الدولية.
وأضاف “الحوثيون يدركون ذلك”.
وحذر كريغ من أن تعطيل مطار الرياض قد لا يؤثر في القدرات العسكرية السعودية، لكن تكرار الهجمات يفرض أعباء اقتصادية ونفسية تتجاوز حجم الأضرار المادية المباشرة.
وبات عدد ضحايا استهداف مطار الرياض السبت الأعلى في السعودية منذ التفجير الانتحاري لمسجد شيعي في القطيف (شرق) الذي نفذه تنظيم الدولة الإسلامية في العام 2015 وأسفر عن مقتل 21 مصليا.
كما جاء عشية انطلاق موسم المؤتمرات والفعاليات الترفيهية البارزة في المملكة، وباكورته افتتاح مؤتمر الطاقة العالمي (WPC Energy) في الرياض الأحد.
وكانت السلطات السعودية تحرص في السابق على إبلاغ المواطنين أحيانا عبر رسائل نصية بالهجمات الوشيكة.
غير أن هذه التحذيرات توقفت في الآونة الأخيرة، ما ترك كثيرين في حالة من القلق والترقب.
وأعربت بعثات دبلوماسية السبت عن استيائها من عدم تلقيها إحاطات منتظمة من المسؤولين السعوديين.
كما نصحت سفارات عدة رعاياها بتجنب التوجه إلى مطار الرياض قبل ساعات من إصدار السلطات السعودية أول بيان رسمي بشأن الهجوم.