نهائي “كان المغرب”.. معركة دامية تُنهي الحلم القاري لأسود الأطلس
بين طموحٍ عانق عنان السماء ومرارةِ انكسارٍ في الأمتار الأخيرة، أُسدل الستار ليلة أمس الأحد 18 يناير 2026، على نهائي كأس أمم إفريقيا “المغرب 2025”. في ليلةٍ لم تُشبه أحلام المغاربة، تُوّج المنتخب السنغالي باللقب على حساب “أسود الأطلس”، في مباراة حبست الأنفاس، وتجاوزت حدود كرة القدم لتتحول إلى معركة استنزاف نفسي وبدني بامتياز.
وعلى عكس التوقعات التي رشّحت المنتخب المغربي للسيطرة، أظهرت الأرقام التقنية تفوقًا ميدانيًا لـ“أسود التيرنغا”. فقد دخل السنغاليون اللقاء بضغط رهيب، حيث بلغت نسبة الاستحواذ 58% للسنغال مقابل 42% للمغرب. هذا الفارق فرض على النخبة الوطنية مجهودًا مضاعفًا لامتصاص حماس الخصم، في مباراة اتسمت بندّية مفرطة والتحامات بدنية قوية.
وفي لحظةٍ حُبست فيها أنفاس المغاربة، وتحديدًا عند الدقيقة 70، سقط النجم نائل العيناوي مضرجًا بدمائه، بعد اصطدام هوائي عنيف. لم تكن مجرد إصابة، بل تجسيدًا خالصًا لـ“روح القتال”. فرغم خطورة الجرح والنزيف الواضح، أصر العيناوي على الصمود وتضميد جراحه لمواصلة الذود عن ألوان الوطن، في مشهد سيبقى خالدًا كأحد أقوى صور هذه البطولة.
ومع اقتراب المباراة من نهايتها، احتُسبت ركلة جزاء لصالح المغرب بعد تدخل من مدافع السنغال داخل منطقة العمليات، عقب مراجعة حكم المباراة لتقنية الفيديو (VAR). ركلة انتزعها براهيم دياز في وقت قاتل، بمجهود اتسم بالبسالة والشجاعة. كانت تلك الكرة بمثابة “طوق نجاة” وحلمًا انتظره ملايين المغاربة، لكنها تحولت إلى ساحة لـ“حرب نفسية” شنتها أسود التيرنغا على أسود الأطلس.
في ساحة المباراة، تحوّل الجو إلى فوضى مؤقتة بعد رفض لاعبي السنغال قرار احتساب ركلة الجزاء، إذ غادروا أرضية الملعب احتجاجًا، ملوّحين بالانسحاب، ما تسبب في توقف اللعب وخلق حالة توتر غير مسبوقة، قبل أن ينجح قائد الفريق ساديو ماني في إقناع زملائه بالعودة لاستكمال اللقاء.
هذه السلوكيات الاستفزازية والضغوط النفسية نجحت في كسر تركيز الأسد الأطلسي، ومسدد الركلة براهيم دياز، لتضيع كرة اللقب، وتتبخر معها أحلام أكثر من 40 مليون مغربي.
ولم تتوقف المرارة عند حدود المستطيل الأخضر؛ إذ فسدت الروح الرياضية وتبخرت شعارات الأخوة التي لطالما ميزت علاقة البلدين، والتي دعت سلطاتهما إلى الاحتفاء بها خلال هذا النهائي، بسبب سلوك بعض الجماهير السنغالية الاستفزازي. وازداد التوتر حين حاولت فئات من الجمهور اجتياح أرضية الملعب، في مشاهد فوضوية أفسدت جمالية النهائي وخلقت أجواء مشحونة عكرت صفو العرس القاري.
ومع بداية الشوط الإضافي الأول، وتحديدًا في الدقيقة 94، تمكن لاعب السنغال بابي غييه من تسجيل هدف الفوز، بتسديدة قوية استقرت في أعلى الزاوية، مستغلًا عودة الضغط السنغالي وتحركات دقيقة في وسط الميدان، ليُسجل الهدف الذي منح بلاده اللقب.
كانت لحظة الهدف ثنائية المشاعر: فرحة عارمة في صفوف أسود التيرنغا واحتفالات صاخبة للاعبيهم، مقابل صدمة وحسرة في صفوف المنتخب المغربي وجماهيره، الذين كانوا قاب قوسين أو أدنى من معانقة اللقب على أرضهم.
ورغم أن النهائي يُفترض أن يُجسد روح الأخوة الإفريقية وقيم كرة القدم، فإن تصاعد بعض السلوكيات غير الرياضية، سواء من لاعبين أو جماهير، فاقم التوتر في المدرجات وخارج أرضية الملعب، واختلطت الاحتفالات بلحظات من الفوضى أربكت الأجواء، قبل أن يعود الهدوء تدريجيًا مع صافرة النهاية.
ومع انتهاء الوقت الإضافي، حسمت السنغال المباراة بنتيجة 1-0، لتتوج بلقب كأس إفريقيا للمرة الثانية في تاريخها، منتزعة الكأس من يد المضيف الذي اكتفى بمركز الوصافة في نسخة ستظل راسخة في الذاكرة. وقد جرى حفل التتويج بحضور شخصيات سياسية ورياضية وازنة، في مقدمتها الأمير مولاي رشيد، ورئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم فوزي لقجع، إلى جانب رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ورئيس الاتحاد الإفريقي (كاف).
ورغم مرارة الإخفاق، حصد “أسود الأطلس” جوائز فردية مستحقة، أبرزها جائزة هداف البطولة لبراهيم دياز، وجائزة أفضل حارس مرمى لياسين بونو، إضافة إلى تتويج المنتخب الوطني بجائزة اللعب النظيف، اعترافًا من “الكاف” برزانة العناصر الوطنية وانضباطها طيلة المنافسة.
وبإسدال الستار على هذه النسخة، يخرج المغرب منتصرًا تنظيميًا بشهادة الاتحادين الإفريقي والدولي لكرة القدم؛ ملاعب بمعايير عالمية، وبنية لوجستية متطورة، وقدرة تنظيمية أكدت للعالم جاهزية المملكة لاحتضان مونديال 2030.
طُويت صفحة “كان 2025” بما حملته من آلام ودروس، لكن العين تتجه الآن نحو المحطات القادمة. فدماء العيناوي، وبسالة دياز، ستكون وقودًا لاستعادة العرش الإفريقي قريبًا، وقبل ذلك للتألق في كأس العالم 2026.