“نعيش مأساة حقيقية”.. 21 أسرة تواجه التشرد بعد هدم عمارة “تيتانيك” بفاس
بسبب أوضاعهم الاجتماعية الصعبة، خرجت عشرات الأسر المتضررة من قرار إفراغ وهدم ما يُعرف بـ”عمارة تيتانيك” بمدينة فاس، في وقفة احتجاجية أمام مقر العمالة، يوم الاثنين 05 يناير 2026، للمطالبة بتدخل عاجل يضمن تعويضها وتمكينها من بدائل سكنية تحفظ كرامتها، بعد أشهر من المعاناة التي أعقبت قرار الإفراغ.
وتعود قضية العمارة، الواقعة بحي عين النقبي بمقاطعة جنان الورد، والتي انتشرت صورها على نطاق واسع بمواقع التواصل الاجتماعي، إلى تصنيفها ضمن المنازل الآيلة للسقوط، وهو ما دفع السلطات إلى اتخاذ قرار إخلائها من قاطنيها، قبل الشروع في هدمها الأسبوع الماضي.
غير أن هذا القرار، بحسب الأسر، “لم يُواكب بإجراءات اجتماعية موازية، ما جعل عشرات الأشخاص يجدون أنفسهم في وضع هش ومفتوح على التشرد”.
وحسب معطيات توصلت بها صحيفة “صوت المغرب”، فإن العمارة شُيدت ما بين سنتي 2000 و2014، وتتكون من سبعة طوابق، يضم كل طابق أربع أو خمس شقق، وتقطنها 21 أسرة، أغلبها أسر مستقرة منذ سنوات طويلة، وتضم أطفالاً ونساءً ومعيلين بدون دخل قار.
وعقب قرار الإفراغ، اضطرت الأسر إلى المبيت لأسابيع داخل خيام بلاستيكية في فضاء مجاور للعمارة، “قبل أن يتدخل محسنون لتوفير كراء مؤقت لعدد من الأسر لمدة أربعة أشهر”، حسب ذات المصادر، وهي مبادرة إنسانية خففت من حدة المعاناة، لكنها لم تُنهِ الأزمة في ظل غياب حل من طرف السلطات المعنية.
وفي تصريح للصحيفة، تحكي نعيمة، وهي أم لطفلين ومن بين قاطني العمارة منذ سنوات طويلة، عن لحظة إخراجهم منها من أجل هدمها دون توفير حل بديل، وتقول إنهم “وجدوا أنفسهم فجأة في الشارع، يتلقون وعوداً لا تتحقق، بينما تمر الأيام والشهور دون أي تغيير”، مؤكدة أن “سبعة أشهر كاملة مرت وهم بلا مأوى يضمن كرامتهم”.
وأوضحت المتحدثة أن وضعيتهم معقدة بسبب كونهم يقطنون العمارة عن طريق الرهن، موردة أن مالكة هذه العمارة “لم تتوصل بدورها بأي تعويض من طرف الجهات المعنية”، ما جعلهم عالقين بين قرار الهدم وغياب أي تسوية.
وتضيف نعيمة أن العمارة كانت تؤوي 21 أسرة، جميعها تضم عائلات وأطفالاً، قبل أن تجد نفسها في الشارع، متسائلة بمرارة “أدولة هذه التي تُخرج النساء والأطفال إلى الشارع ليبيتوا في خيام ويناموا في العراء؟”، مضيفة “لو انهارت العمارة فوق رؤوسنا لكان وضعنا أفضل مما هو عليه الآن”.
وأوضحت أن “بعض المحسنين تدخلوا حين وجدوهم في وضع التشرد، وتكفلوا بكراء مساكن مؤقتة لهم لمدة أربعة أشهر، لكنها أكدت أن” هذا الحل يبقى ظرفياً، وأن الدولة مطالَبة بتوفير حل دائم ينهي معاناة الأسر بدل تركها رهينة للمبادرات الفردية”.
وتقول نعيمة إن “هذا الوضع لم يترك للأسر خياراً سوى الاحتجاج أمام مقر العمالة، بعد طول صبر أنهكهم”، مؤكدة أن “الصمت لم يعد ممكناً، وأنهم قرروا عدم التراجع هذه المرة”، لافتة أن “تجاهل مطالبهم قد يدفعهم إلى العودة مجدداً لنصب الخيام قرب عمارة تيتانيك”.
وتوضح المتحدثة أن “الظروف التي تواجهها الأسر في الشارع قاسية للغاية، خاصة وأن من يعيلونها يشتغلون في مهن مستقلة ومحدودة الدخل”، حيث أشارت إلى أن “المعاناة بلغت حد العجز عن توفير الغذاء لأطفالهم”.
وتزداد حدة الألم، حسب نعيمة، “مع البرد القارس وفصل الشتاء، حيث تتحول المعاناة إلى خوف حقيقي على سلامتهم وسلامة أطفالهم على وجه الخصوص”.
وبخصوص ظروف تشييد العمارة، تشير المتحدثة إلى أن “البناء تم قبل أكثر من 16 سنة، وبعلم السلطات المحلية السابقة”، وتقول إن “بعض أعوان السلطة كانوا يتلقون أموالاً ويشجعون على البناء ليلا، وهو ما يجعل الأسر اليوم تدفع ثمن هذه الاختلالات”.
واختتمت نعيمة حديثها بالتأكيد على أن “ما تعيشه هذه الأسر يشكل مأساة حقيقية، وأنها باتت اليوم أمام مستقبل مجهول، مفتوح على خطر التشرد والبقاء في العراء”، مشددة على أن “المفروض هو أن يرافق قرار الهدم حل اجتماعي واضح يضمن كرامة الأسر المتضررة”.
من جانبه، أوضح مستشار بمقاطعة جنان الورد، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن “العمارة شُيدت دون ترخيص، وفي منطقة لا تسمح إلا بطابق سفلي وطابقين”، مؤكداً أن “تشييد سبعة طوابق تم خارج الإطار القانوني”.
وأشار إلى أن “البناية مصنفة ضمن الدور الآيلة للسقوط منذ ما قبل سنة 2014، وبعدما تبين للسلطات المحلية أنها تشكل خطرا على ساكنيها، عملت على إفراغها منذ شهور، لتبدأ الآن عملية الهدم”.
لكن المتحدث اعتبر أن “عمليتي الإفراغ والهدم رافقتهما أوضاع اجتماعية صعبة يعيشها القاطنون، شأنهم في ذلك شأن عدد كبير من المتضررين من الدور الآيلة للسقوط في أحياء متعددة بمدينة فاس، من بينها سيدي بوجيدة والجنانات والحي الحسني وظهر الخميس”.
وسجل في هذا الإطار أن “الأمر المقلق أكثر يتمثل في توقف استفادة المتضررين من التعويضات وفق المنهجية التي كان معمولاً بها سابقاً، إلى جانب غياب بدائل عملية لإعادة الإيواء”.
وأوضح أن “تعقيد الوضع يزداد بحكم ارتباط أغلب الأسر بحرف يدوية أو أنشطة بسيطة داخل أحيائها، ما يجعل توفير بدائل سكنية قريبة أمراً بالغ الأهمية، وهو ما لم يتحقق إلى حدود الساعة”، على حد تعبيره.