نساء فكيك في قلب حراك الماء.. صمود نسوي يقود الدفاع عن “واحة الأجداد”
أمام مبنى البرلمان بالعاصمة الرباط، وقفت عائشة، واحدة من نساء فكيك، مرتدية الحايك الأبيض. وقالت عائشة بصوت ملؤه الإصرار: “من عادتنا لا نخرج إلى الشارع، لكننا نخرج منذ أكثر من عامين بحرقتنا للدفاع عن مياه واحتنا”.
حجّت ثلة من نساء فكيك، اليوم الأحد 8 مارس 2026، إلى الرباط للمشاركة، إلى جانب مئات الناشطات والحقوقيات، ونساء متضررات في عدد من الملفات الاجتماعية، في وقفة وطنية تخليداً لليوم العالمي للمرأة.
منذ الشرارة الأولى للحراك، تصدرت نساء الواحة المسيرات في فكيك، محولات الفضاء العام إلى ساحة نضالية بلمسة نسوية طاغية. فهن من يرفعن الشعارات، وهن من يقدن التجمعات. إذ لم تكن مشاركتها مجرد حضور عددي مؤازر، بل شكلت العمود الفقري وقوة الدفع التي منحت الاحتجاجات نفساً طويلاً وزخماً استثنائياً جعل منها قضية رأي عام وطني.
“لن نستستلم.. لأجل واحتنا”
تقول عائشة (اسم مستعار)، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”: “نحن نساء فكيك نناضل ولم يستجيبوا إلينا. من عادتنا لا نخرج إلى الشارع ولا يرى أي أحد وجوهنا، لكننا اليوم خرجنا بحرقتنا للدفاع عن مياه واحتنا وعن حقنا المشروع”. وتضيف: “الأجداد هم من أخرجوا هذا الماء بأكتافهم وعرق جبينهم، ومنهم من مات من أجله؛ لذا لا نريد إقحام شركة أجنبية دون استشارتنا أو رضانا”.
وعبرت عائشة عن خيبة أمل الساكنة من المجالس المنتخبة بقولها: “لقد صوتنا على المنتخبين ليحملوا مطالبنا ويستشيرونا، لكنهم أدخلوا الشركة كما يشاؤون وكأننا غير موجودين”. وأضافت: “نحن هنا اليوم للدفاع عن الماء الذي يخصنا، ونطالب بأن يظل في يد السكان المحليين ليوزع بشكل عادل للزراعة والشرب”.
وقالت: “نضالنا مستمر في الصيف والشتاء، في الليل والنهار، وحتى في رمضان والعواصف، إلى أن ترحل الشركة. لن نستسلم ولو كان الموت نهاية الطريق”. وأضافت: “نحن صامدات بشكل سلمي، ونتمنى أن يقف المغاربة معنا في نضالنا المشروع”.
رمزية المقاومة
من جانبها، أكدت خديجة الرياضي، الكاتبة العامة للجمعية المغربية لحقوق الإنسان، على أن المرأة في فكيك كانت “الأساس في إطلاق هذا الحراك واستمراره بشكل متميز، حيث لعبت دوراً أساسياً في تنظيمه، وصمدت رغم جميع الصعوبات، بما في ذلك التهديد بالاعتقالات والمضايقات”.
واعتبرت الرياضي، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن نساء فكيك اليوم يمثلن “رمزاً للنضال النسائي، وصمودهن أصبح نموذجاً يُحتذى به في المغرب، كحراك لا يقتصر على فئة محددة، بل يشمل جميع النساء اللواتي يدافعن عن الحقوق القانونية والاجتماعية”، مشيدة بقدرتهن على حشد الجماهير وتنظيم النضال الميداني.
وحول الرمزية البصرية التي طبعت احتجاجات فكيك، أوضحت الرياضي أن استعمال “الحايك” يتجاوز كونه زياً تقليدياً ليصبح “رمزاً للمقاومة والتشبث بالحقوق، والحفاظ على الطريقة التقليدية التشاركية لتدبير المياه”. وأضافت أنه يمثل “الوحدة في الدفاع عن الحق في البيئة والماء، والحفاظ على الطريقة التقليدية لتدبير المياه بشكل تشاركي”.
واستحضرت الرياضي العمق التاريخي لهذا اللباس قائلة: “لقد استُعمل الحايك خلال فترة الاستعمار كمظهر للمقاومة ضد المستعمر، سواء في المغرب أو في الجزائر، واليوم تعود النساء لاستخدامه كرمز للنضال في مواجهة شركة تسعى للسيطرة على مياه المنطقة، مما يجعل ارتداءه في المظاهرات عاكساً لاستمرار النضال المحلي والوعي الجماعي بحماية الموارد الطبيعية”.
وأكدت الحقوقية أن قدرة النساء على حشد الجماهير جعلت من الحراك “مثالاً للتعبئة الجماهيرية الميدانية”، مشيرة إلى أن المرأة الفكيكية اليوم “أصبحت رمزاً يحظى بدعم واسع من الفاعلين الحقوقيين والسياسيين لضمان حماية الواحة من سياسات التسليع والاستيلاء الخارجي”.
حارسات للحياة
من جانبها، اعتبرت فاطمة التامني، النائبة البرلمانية عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، أن حضور المرأة الفكيكية “ليس حضوراً نمطياً، بل هو حضور تاريخي عميق”، مشيرة إلى أن نساء الواحة “كن دائماً حاضرات كضمان لاستمرار الحياة وصمود المجتمع”.
وأشارت التامني، التي حضرت وقفة اليوم وهي ترتدي “حايك” نساء فكيك، إلى أن هذا الحراك الذي يتجاوز السنتين يأتي “دفاعاً عن الحق في الماء ورفضاً لتسليعه أو تفويته للشركات الجهوية، ورفضاً للالتفاف على إرادة الساكنة ومقررات المجلس الجماعي”.
وشددت البرلمانية على أن الماء في فكيك ليس مجرد خدمة عمومية، بل هو “جزء من تاريخ المنطقة، حيث كان للمرأة حضور قوي في إدارة المياه بشكل جماعي وتضامني، وفي التمسك بالعدالة في توزيعه”.
وأضافت أن ما تقدمه نساء فكيك اليوم يتجاوز الشأن المحلي ليكون “حضورا قيمياً نستخلص منه دروساً في الصمود والنضال والثبات على المبدأ والموقف، خاصة وأن قيادة حراك سلمي لمدار عامين ليس بالأمر الهين، دفاعاً عن حق يأبى النسيان، في مواجهة تعنت السياسات العمومية”.
وختمت بالتأكيد على مسؤولية الدولة: “نحن نقف أمام البرلمان لنذكّر الدولة بأن الماء حق كوني وأساس وفق المواثيق الدولية كافة، ويضع الدولة أمام مسؤولية كاملة لضمان الولوج العادل لهذا الحق”.
كيف بدأ الحراك؟
انطلقت الشرارة الأولى لحراك فكيك في نونبر 2023، عقب مصادقة المجلس الجماعي للمدينة على الانضمام إلى مجموعة الجماعات الترابية “الشرق للتوزيع”، وهو القرار الذي مهّد الطريق لتفويت تدبير قطاع الماء الصالح للشرب لشركة جهوية متعددة الخدمات.
وجاء ذلك بعد خطوة سياسية سابقة تمثلت في رفض المجلس نفسه، في البداية، الانضمام إلى مجموعة الجماعات “الشرق للتوزيع”، قبل أن يتم “الالتفاف” على هذا القرار في دورة لاحقة، ما فجّر غضباً شعبياً واسعاً.
ومنذ ذلك الحين، تخرج الساكنة في مسيرات ووقفات احتجاجية منتظمة (كل ثلاثاء وجمعة)، ليدخل الحراك الآن عامه الثالث بصمود استثنائي.
هذا التوتر قاد إلى أزمة سياسية، إذ قدم نصف أعضاء المجلس (9 أعضاء) استقالاتهم احتجاجاً على فرض قرار الانضمام للشركة.
وفي خطوة لافتة، قرر نشطاء الحراك خوض غمار الانتخابات الجماعية الجزئية لملء المقاعد الشاغرة، حيث اكتسح مرشحو الحراك، بعد تزكيتهم من قبل حزب فيدرالية اليسار الديمقراطي، جميع المقاعد المتنافس عليها، في رسالة استفتاء شعبي واضحة ترفض تسليع الماء.
غير أن استمرار الوضع دفع هؤلاء المنتخبين الجدد، المسنودين بالقاعدة الشعبية، إلى تقديم استقالتهم الجماعية ثانية، معتبرين أن “المجالس التي لا تملك سلطة القرار في مصير مواردها لا تمثل الساكنة”. ليتواصل الحراك بين الواحة والعاصمة، حيث وقفت عائشة ورفيقاتها اليوم أمام البرلمان.