نزهة أباكريم.. رحيل “تِيثرِيت” التي أضاءت عتمة السياسة بأنوار التربية والشعر
ودعت مدينة تيزنيت والمشهد السياسي المغربي عموما، قامة وطنية شامخة وجسرا ممتدا بين نبل التربية وجسارة السياسة، ويتعلق الأمر بالنائبة البرلمانية نزهة أباكريم، التي أسلمت الروح لبارئها، يوم السبت 04 أبريل 2026، بعد صراع طويل ومرير مع مرض عضال، لم يفلح في كسر كبريائها النضالي حتى الرمق الأخير.
رحلت النائبة الإتحادية، نزيهة وهي في أوج عطائها المؤسساتي، مسجلة رقما استثنائيا يعكس معدنا نضاليا نادرا؛ إذ وجهت خلال ولايتها الحالية (2021-2026) ما مجموعه 693 سؤالا كتابيا، محولة أنين المرض إلى صرخات دفاع عن هموم المواطنين و المواطنات.
و لم يكن هذا العنفوان الفطري وليد الصدفة، و إنما ثمرة نشأة في بيت تشبع بقيم التحرر والمقاومة؛ فهي ابنة المقاوم الباعمراني “مولاي الحنفي بن التهامي أباكريم”، الذي غرس فيها بذور الاعتداد بالذات، والدفاع المستميت عن تمدرس الفتاة واستقلالها المادي، لتخرج إلى الحياة بشخصية فولاذية صقلها الانفتاح الفكري والبيئة المحافظة الواعية.
حملت المدرسة إلى السياسة
لم يكن التعليم بالنسبة لنزهة أباكريم مجرد وظيفة أو مسار مهني، بل كان “عقيدة” راسخة تؤمن بأنها الركيزة الأولى لأي تنمية حقيقية، وبعد تخرجها في تخصص اللسانيات الإنجليزية بجامعة القاضي عياض بمراكش، عينت أستاذة للغة الإنجليزية بثانوية “المسيرة الخضراء” بتيزنيت ثم ثانوية “إبراهيم وخزان” بالساحل.
وبشهادة تلاميذها، كانت “الأستاذة الأم” التي تمنحهم حق الخطأ ليتعلموا الصواب، وتغرس فيهم الثقة والجدية، حاملة “حرقة” الإصلاح في كل كلمة تلقيها و حاملة هم التربية و ضرورة التكوين و التمدرس.
لم تكتفِ نزهة بجدران القسم، فقد كانت فاعلة مدنية بامتياز؛ حيث أطلقت في نهاية التسعينات تجربة “وِيْمْرْزْ” (Wimrz) كمشتل ومختبر فني وثقافي فجر طاقات الشباب، وأسست مهرجان “تينمل” للتربية والتكوين، الذي حول مدارس الإقليم إلى ورشات للإبداع العلمي والمسرحي والشعري.
وتقول نزهة في أحد البرامج التلفزيونية: “إذا أصلحنا المدرسة المغربية، فإن المغرب سيتقدم حتما نحو الأفضل”، ومن هذه القناعة استمدت دافعها للانخراط في المعترك السياسي.
المناضلة الجريئة
كانت نزهة هي من فتح أبواب حزب “الوردة” للنساء في تيزنيت بعد عقود من الذكورية الحزبية، مؤمنة بالمساواة الفعلية، وداعية المرأة الأمازيغية لأن “تتسلح بالصبر والعلم وتقتحم المسالك الوعرة” لتنتزع مكانتها الريادية.
حين ولجت نزهة أباكريم المجلس الجماعي لتيزنيت سنة 2009، أحدثت رجة في نمط العمل الانتدابي؛ إذ عرفت بـ “النفس الطويل” في الاجتماعات التي كانت تتعب الرفاق والخصوم على حد سواء.
فقد ترأست لجنة التعليم ولجنة التنمية البشرية والشؤون الثقافية، ولم تكن تكتفي بالتقارير المكتظة فوق المكاتب، بل جابت المدارس بزيارات ميدانية للوقوف على خصاص الأطر والبنيات التحتية، فارضة “الأولويات التربوية” على أجندة المجلس.
وفي لحظة تاريخية من نضالها النسائي سنة 2005، كانت السباقة لقرع ناقوس الخطر بجرأة نادرة حين انطلقت تعاونيات أركان، فصرخت في وجه الاستغلال قائلة: “المعاناة هي هي.. مرة أخرى النساء سيعدن للطاحونة التقليدية والطحن”، محذرة من تحول النساء إلى مجرد أدوات في يد “بارونات” التعاونيات.
“تيزنيت تيثريت”
خلف صرامة السياسية وجدية المربية، كانت تسكن روح شاعرة أمازيغية رقيقة، سخرت قلمها للدفاع عن الهوية والجمال، حيث بدأت كتابة الشعر والقصائد الأمازيغية مطلع الألفية، مصدرة ديوانيها “إسني” و”سات”، حيث كتبت عن التربية والأخلاق وحقوق الإنسان والطبيعة.
وكان قلمها ينبض بهموم المجتمع، فصاغت أناشيد للأطفال تملأ فراغ الثقافة الأمازيغية في وجدانهم، وتغرس فيهم قيم المواطنة.
ولعل بصمتها الخالدة كفاعلة جمعوية ومبدعة تتجسد في أغنية “تيزنيت تيثريت” (نجمة تيزنيت)، تلك الأيقونة الفنية التي طبعت طفولة أجيال من شباب المدينة والمنخرطين في العمل المدني، والذين ظلوا يرددونها في كل محفل كنشيد للوفاء للأرض.
واليوم ترحل نزهة أباكريم، لكن صداها سيظل يتردد في ردهات البرلمان، وفي فصول ثانوية المسيرة الخضراء، وفي كل قصيدة أمازيغية تحكي قصة امرأة لم تبع مبادئها أبدا.