story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رياضة |

مونديال 1958.. بطولة ميلاد الملك وسقوط الأساطير

ص ص

في صيف العام 1958، لم تكن كأس العالم مجرد بطولة لكرة القدم، بل كانت بداية عصر جديد للعبة الأكثر شعبية في العالم، هناك في ملاعب السويد الهادئة، ظهر فتى برازيلي نحيف لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، ليغير تاريخ كرة القدم إلى الأبد، في وقت كانت فيه السياسة تمزق أحلام المجر، وكانت أوروبا تخرج ببطء من آثار الحرب العالمية.

على آراضي السويد الباردة، شهدت البطولة مشاركة 55 منتخبا في التصفيات، وهو رقم قياسي آنذاك، كما عرفت تلك النسخة أول تغطية تلفزيونية عالمية حقيقية، لتصبح كرة القدم أقرب إلى كل بيت، وفي الوقت الذي كانت فيه القارة العجوز تعيش تحولات كبرى، كانت البرازيل تستعد لكتابة أعظم فصولها الكروية بأحرف من ذهب.

وسط كل تلك الضوضاء، ظهر بيليه، بعدما المدير الفني لمنتخب السيليساو حينها فيسنتي فيولا، تقرير الطبيب النفسي لمنتخب البرازيل، كون الفتى “غير ناضج ذهنيا” لخوض كأس العالم، لكن المدرب تجاهل كل التقارير ورد بجملته الشهيرة “قد تكون على حق، لكنك لا تفهم شيئا في كرة القدم”.

بعدها دخل بيليه البطولة مصابا، وانتظر حتى المباراة الثالثة أمام الاتحاد السوفياتي ليخوض أول ظهور له في المونديال، لم يكن أحد يتوقع أن هذا الشاب سيصبح بعد أسابيع قليلة أعظم لاعب في تاريخ اللعبة، إذ سجل هدفه الأول أمام ويلز، ثم أمطر شباك فرنسا بثلاثية مذهلة في نصف النهائي، قبل أن يقود البرازيل إلى النهائي التاريخي أمام السويد صاحبة الأرض والجمهور.

على ملعب راسوندا، سجل أصحاب الأرض أولا، لكن البرازيل ردت بخماسية ساحرة انتهت بنتيجة 5-2، في مباراة تحولت إلى لحظة ميلاد “ملك كرة القدم”.

يومها، أصبح بيليه أصغر لاعب يرفع كأس العالم، وهو بعمر 17 عاما فقط، والأغرب أن الرقم 10 الأسطوري الذي التصق باسمه جاء بالمصادفة، فالبرازيل نسيت إرسال أرقام اللاعبين إلى الاتحاد الدولي، فتم توزيعها عشوائيا، ليحصل بيليه على الرقم الذي سيصبح لاحقا رمزا للعبقرية الكروية.

لكن مونديال السويد لم يكن قصة بيليه وحده، فقد كان هناك البرازيلي الآخر غارينشا، الرجل الذي تحدى الإعاقة والتشوهات الخلقية ليصبح أكثر جناح أمتع الجماهير في تاريخ اللعبة، فقد ولد بساقين معوجتين ومشاكل في الحوض والعمود الفقري، حتى أن عائلته لم تكن متأكدة من قدرته على المشي بشكل طبيعي، لكنه حول معاناته إلى سحر داخل الملعب، حتى لقب ب “بيكاسو كرة القدم”،نسبة إلى الرسام الإسباني الشهير بابلو بيكاسو.

بعد النهائي، اعترف قائد السويد قائلا “لقد خسرنا بسبب غارينشا”، كما تألق ديدي، العقل المفكر للبرازيل، وصاحب التمريرات الساحرة والتسديدات الشهيرة التي ألهمت أجيالا كاملة بعده، وعندما سجلت السويد أولا في النهائي، ركض زاغالو مذعورا نحو ديدي، فأجابه بهدوء،”استرخ، نحن أفضل منهم وسنسجل الكثير من الأهداف”.

في المقابل، كانت المأساة تخيم على منتخب المجر، الفريق الذي أرعب العالم قبل سنوات، وصل إلى السويد منهارا بعد الغزو السوفياتي، وهروب نجومه إلى الخارج. وقبل مواجهة ويلز، أعدم الزعيم المجري إيمري ناغي، فدخل اللاعبون المباراة تحت وقع هول الصدمة والأعلام السوداء، قبل أن يغادر المنتخب البطولة وتطوى صفحة أحد أعظم فرق كرة القدم في التاريخ.

أما إنجلترا، فقد دخلت المونديال وهي تنزف دما بعد كارثة ميونيخ الجوية التي حصدت أرواح 23 شخصا من بينهم عدد من لاعبي مانشستر يونايتد، وفي الجهة الأخرى خطف الفرنسي جوست فونتين، المولود بمدينة مراكش المغربية، الأنظار بعدما سجل 13 هدفا في نسخة واحدة، وهو رقم ما زال صامدا حتى اليوم.

هكذا إذن، كان مونديال السويد عام 1958 أكثر من مجرد بطولة عادية، بل كان اللحظة التي ابتسمت فيها الكرة للبرازيل لأول مرة خاصة بعد خيبة مونديال العام 1950 ، وولد فيها الاسطورة بيليه، وسقطت خلالها أساطير كبيرة تحت ثقل السياسة والحروب، لتبدأ كرة القدم بعدها رحلة جديدة نحو العالمية.

*خديجة اسويس.. صحافية متدربة