مونديال أمريكا 2026.. عاصفة فرنسا تضرب العراق
حقق المنتخب الفرنسي فوزا واضحا على نظيره العراقي بثلاثة أهداف دون رد، يوم الثلاثاء 23 يونيو 2026، في مباراة الجولة الثانية من منافسات المجموعة التاسعة لكأس العالم 2026، التي احتضنها ملعب فيلادلفيا في ليلة غير عادية، لم تحسمها فقط جودة اللاعبين ولا فارق الخبرة، بل طبعتها أيضا عاصفة رعدية أوقفت المباراة طويلا بين الشوطين، قبل أن تعود فرنسا من الانتظار كما دخلته: أكثر سيطرة، وأكثر قدرة على الحسم.
سجل كيليان مبابي هدفين، في الدقيقتين 14 و54، وأضاف عثمان ديمبيلي الهدف الثالث، ليضمن المنتخب الفرنسي فوزه الثاني تواليا بعد انتصاره الافتتاحي على السنغال.
وبذلك أكد فريق ديدييه ديشان تأهله إلى الدور المقبل، ووضع نفسه في موقع مريح قبل مواجهة النرويج في الجولة الأخيرة، وهي مباراة ستحدد صدارة المجموعة.
أما العراق، فقد تلقى خسارته الثانية بعد السقوط أمام النرويج في الجولة الأولى، وبقي دون نقاط. ورغم فترات من المقاومة والانضباط، ورغم بعض المحاولات التي كشفت رغبة الفريق في عدم الاكتفاء بالدفاع، فإن الفارق في الجودة الفردية، والسرعة في التحول، والقدرة على استغلال أنصاف الفرص، كان واضحا لمصلحة فرنسا.
بداية فرنسية ومقاومة عراقية
دخلت فرنسا المباراة بمنطق الحسم المبكر. لم تحتج كثيرا إلى فترة جس نبض، لأنها كانت تدرك أن إطالة أمد التعادل قد تمنح العراق الثقة، وتدخل المباراة في إيقاع لا يخدم المنتخب المرشح. لذلك بدأ الفريق الفرنسي بضغط واضح، وتمركز عالٍ، ومحاولة مبكرة لفرض السيطرة على الأطراف والعمق في الوقت نفسه.
كان حضور كيليان مبابي مركزيا منذ الدقائق الأولى. تحرك بين قلب الهجوم والطرف، وهاجم المساحات خلف الدفاع العراقي، وفرض على الخط الخلفي مراقبة مزدوجة.
وأمام لاعب بهذه السرعة، لا يكفي أن تكون قريبا منه؛ يجب أن تمنع الكرة من الوصول إليه في اللحظة المناسبة. وهذا ما لم ينجح العراق في فعله طوال المباراة.
في الدقيقة 14، جاء الهدف الأول. تسديدة قوية ودقيقة من مبابي وضعت فرنسا في المقدمة، ومنحت المباراة الاتجاه الذي أراده ديشان. لم يكن الهدف مجرد تفوق فردي، بل كان أيضا نتيجة بداية فرنسية أرادت أن تضع العراق تحت الضغط منذ البداية، وأن تمنعه من ترتيب دفاع طويل المدى.
بعد الهدف، حاول العراق الحفاظ على توازنه. لم ينهَر، ولم يتحول إلى فريق ينتظر فقط نهاية المباراة. كان هناك جهد واضح في إغلاق العمق، ومحاولة للخروج عبر زيدان إقبال وبعض التحركات الأمامية، مع البحث عن أيمن حسين أو علي الحمادي في المساحات المتاحة. لكن هذه المحاولات ظلت متقطعة، ولم تتحول إلى ضغط مستمر على الدفاع الفرنسي.
عاصفة توقف المباراة ولا توقف فرنسا
الحدث غير الكروي الأبرز في المباراة كان التوقف الطويل بين الشوطين بسبب العاصفة الرعدية والبرق. استمر التأخير قرابة ساعتين، وهي مدة كافية لتغيير الحالة الذهنية والبدنية لأي مباراة. مثل هذه التوقفات تخلق سؤالا صعبا: من يحافظ على تركيزه؟ ومن يدفع ثمن الخروج من الإيقاع؟
بالنسبة للعراق، كان التوقف فرصة محتملة لإعادة ترتيب الصفوف. دخل الفريق الاستراحة متأخرا بهدف فقط، وكان يمكن لهذا الانقطاع الطويل أن يمنحه فرصة للتنفس، ومراجعة طريقة الخروج بالكرة، ومحاولة تقليص المسافات بين خطوطه. لكن ما حدث بعد الاستئناف كان عكس ذلك.
عادت فرنسا إلى الملعب بذهنية أكثر حدة. لم تتعامل مع التوقف كعذر أو تعطيل، بل كفاصل مؤقت قبل استكمال المهمة. وهذا من علامات الفرق الكبيرة: القدرة على استعادة السيطرة بعد حادث غير متوقع، وعدم السماح للظروف الخارجية بتحويل المباراة إلى فوضى.
مع بداية الشوط الثاني، كانت فرنسا بحاجة إلى هدف ثانٍ كي تمنع العراق من التفكير في العودة. وفي الدقيقة 54، سجل مبابي الهدف الثاني، ليضع المباراة في منطقة أكثر أمانا بالنسبة للفرنسيين. جاء الهدف امتدادا للحضور الهجومي المتواصل لمبابي، الذي لم يكن فقط هدافا، بل نقطة جذب دائمة للدفاع العراقي.
حملت ثنائية مبابي أكثر من دلالة. فقد جاءت في مباراته الدولية رقم 100 مع المنتخب الفرنسي، وفي لحظة يواصل فيها ترسيخ مكانته كأحد أبرز لاعبي كأس العالم في هذا الجيل. لكن الأهم من الأرقام أن مبابي بدا قادرا على جعل المباراة تدور حوله دون أن يلغي الآخرين. كلما تحرك، تغيّر تمركز الدفاع. وكلما اقترب من الكرة، أصبح العراق مطالبا بتعديل خطته.
ديمبيلي يدخل في الإيقاع
أضاف عثمان ديمبيلي الهدف الثالث لفرنسا، ليحسم المباراة نهائيا ويؤكد تفوق فرنسا. الهدف كان مهما على أكثر من مستوى. فمن جهة، وسع الفارق وأنهى كل إمكانية لعودة عراقية. ومن جهة ثانية، منح ديمبيلي لحظة إيجابية يحتاجها داخل منتخب فرنسي يتنافس فيه أكثر من لاعب على مواقع الهجوم، وسط حضور قوي لمبابي وميكايل أوليز وبرادلي باركولا.
ديمبيلي، بطبيعته، لاعب قادر على فتح الدفاعات عبر المراوغة والسرعة وتغيير الاتجاه. لكن قيمته داخل المنتخب الفرنسي ترتبط دائما بقدرته على تحويل هذه الإمكانات إلى قرارات حاسمة.
هذا التعدد في مصادر الخطر يجعل فرنسا أكثر صعوبة. حاول العراق مراقبة مبابي، لكنه وجد أمامه ديمبيلي وأوليز وباركولا، ولاعبين قادرين على استغلال أي تراجع في التركيز. فالهدف الثالث لم يكن مجرد إضافة رقمية، بل تأكيد على عمق الخيارات الفرنسية.
العراق يدفع ثمن التفاصيل
من الناحية التكتيكية، لم يكن العراق بلا خطة. فقد حاول أن يدافع بكتلة متقاربة، وأن يمنع فرنسا من اختراق العمق بسهولة، وأن يستعمل بعض التحولات السريعة كلما أمكن. لكن الفارق ظهر في التفاصيل: سرعة فرنسا في نقل الكرة، وجودة التمريرة الأخيرة، وقدرة مبابي على إنهاء الفرصة، وحضور لاعبين قادرين على التسديد أو الاختراق من أكثر من موقع.
العراق لم ينهزم لأنه لم يقاتل، بل لأنه لم يستطع أن يحول المقاومة إلى ميزان قوى جديد داخل المباراة. كان عليه أن يخلق خطرا أكبر على مرمى مايك مينيان، وأن يجبر فرنسا على التفكير دفاعيا لفترات أطول. لكن أغلب الفترات ظلت فرنسية الإيقاع، حتى عندما لم تكن فرنسا في أعلى درجات سرعتها.
وبهذا الفوز، وصل المنتخب الفرنسي إلى ست نقاط من مباراتين، ليضمن العبور إلى الدور المقبل. ومع فوز النرويج لاحقا على السنغال، أصبح الصراع على صدارة المجموعة التاسعة مفتوحا بين فرنسا والنرويج في الجولة الأخيرة. ستكون تلك المواجهة اختبارا أعلى بكثير لفرنسا، لأنها ستجمع بين مبابي وهالاند، وبين فريقين حققا العلامة الكاملة حتى الآن.