story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

من يريد سلطة تشريعية كهذه؟

ص ص

ارتبط تشكل السلطة التشريعية في التجربة الدستورية الحديثة بمسار تاريخي طويل من الصراع حول السلطة والتمثيل والحقوق السياسية. فقد كان انتقال الشعوب من أنظمة الحكم المطلق إلى أنظمة تقوم على التمثيل النيابي ثمرة تحولات فكرية واجتماعية وسياسية عميقة، تبلورت من خلالها فكرة إخضاع ممارسة السلطة لقواعد قانونية ومؤسساتية، وإسناد صلاحية التشريع إلى هيئات تمثيلية تستمد مشروعيتها من الإرادة الشعبية.

وقد أسهمت كتابات جون لوك ومونتسكيو، إلى جانب التحولات الدستورية التي عرفتها أوروبا وأمريكا، في بناء التصورات الحديثة بشأن توزيع السلطة وتقييدها، وترسيخ مكانة المؤسسات التمثيلية في تنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكوم. وكانت مسألة فرض الضرائب والرقابة على الإنفاق العمومي من بين أبرز القضايا التي ارتبط بها نشوء البرلمانات وتطور اختصاصاتها؛ إذ ارتبط حق المواطنين في المشاركة في تقرير الأعباء المالية للدولة بمطلب إخضاع السلطة الحاكمة للمساءلة، وإشراك ممثلي المجتمع في تحديد أوجه استخدام الموارد العمومية.

ومع تطور الفكر الدستوري، اتسعت وظائف المؤسسة التشريعية لتشمل سن القوانين، ومراقبة العمل الحكومي، ومناقشة السياسات العمومية، والمساهمة في تحديد التوجهات العامة للدولة. وأصبحت البرلمانات إحدى المؤسسات المركزية التي تتجسد من خلالها فكرة التمثيل السياسي، بما تتيحه من إمكانات لتحويل التعدد الاجتماعي والفكري إلى نقاش مؤسساتي، وإخضاع الاختيارات العمومية للتداول والمساءلة.

وقد ارتبط هذا المسار، في تجارب عديدة، بتضحيات سياسية واجتماعية ونضالات شعبية طويلة، جعلت من التمثيل النيابي إحدى المكتسبات الأساسية في تطور الدولة الدستورية. ومن هنا تكتسب المؤسسة التشريعية معناها السياسي؛ فهي فضاء تتقاطع داخله إرادة المجتمع مع سلطة الدولة، وتتحدد من خلاله طبيعة المشاركة الشعبية في صناعة القرار العمومي.

غير أن استحضار هذا المسار التاريخي يضعنا أمام سؤال يتجاوز المقارنة بين التجارب الدستورية أو قياس مدى تطور المؤسسات: ماذا يعني أن نتوفر على سلطة تشريعية داخل نظام سياسي؟ وما الذي يجعل هذه المؤسسة قادرة على التعبير عن الإرادة الشعبية والتأثير في الاختيارات العامة للدولة؟

تزداد أهمية هذه الأسئلة عند الانتقال إلى الحالة المغربية، حيث يثير واقع المؤسسة التشريعية مجموعة من الاستشكالات المرتبطة بموقعها داخل النسق السياسي، وطبيعة علاقتها بالسلطة التنفيذية، ومدى قدرتها على ممارسة اختصاصاتها الدستورية، فضلا عن طبيعة الصلة التي تربطها بالمواطنين الذين يفترض أنها تمثلهم. ومن هنا يبرز السؤال الذي يشكل مدخلا لهذه القراءة: من يريد سلطة تشريعية كهذه؟

يقتضي تحليل موقع المؤسسة التشريعية بالمغرب استحضار المسار التاريخي الذي تشكلت ضمنه مؤسسات الدولة الحديثة، وطبيعة التوازنات التي حكمت تطورها. فقد ارتبط بناء النظام المؤسساتي المغربي باعتبارات متعددة، في مقدمتها استمرارية الدولة، والمحافظة على تماسك مؤسساتها، وتدبير التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها البلاد خلال العقود الماضية.
وقد أفرز هذا المسار بنية دستورية ومؤسساتية تتوزع فيها الاختصاصات بين مؤسسات متعددة، مع احتفاظ المؤسسة الملكية بموقع محوري في النظام الدستوري، إلى جانب الحكومة والبرلمان والمؤسسات الدستورية الأخرى. وداخل هذه البنية، تطورت أدوار الجهاز التنفيذي وتراكمت لديه أدوات المبادرة والتدبير والتنسيق المرتبطة بالسياسات العمومية.

ويطرح هذا الواقع أسئلة حول الحدود العملية لتأثير البرلمان في صناعة القرار، وحول طبيعة المساحة المتاحة أمامه للمبادرة والتعديل والمراقبة. فالمكانة الدستورية للمؤسسة التشريعية، على أهميتها، تظل مرتبطة بمدى قدرتها على تحويل الاختصاصات المخولة لها إلى ممارسة مؤسساتية ذات أثر ملموس.

ويبرز هذا الإشكال بوضوح عند استحضار عدد من الأوراش الاستراتيجية الكبرى التي تعرفها البلاد، وما يرتبط بها من اختيارات اقتصادية ومالية وتنموية بعيدة المدى، سواء تعلق الأمر بالاستعدادات المرتبطة بتنظيم كأس العالم 2030، أو بمشاريع البنيات التحتية الكبرى، أو بالبرامج الجديدة للتنمية الترابية.

فهذه الأوراش تثير تساؤلات حول طبيعة المشاركة البرلمانية في بلورة توجهاتها، ومدى حضور المؤسسة التشريعية في مناقشة اختياراتها وتقييم كلفتها المالية وآثارها الاجتماعية والمجالية، ومدى انتظام اطلاع ممثلي الأمة على مآلاتها ومؤشرات تنفيذها.

إن موقع البرلمان داخل هذه الملفات يكتسب أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة الاختيارات التي تنطوي عليها، وما تقتضيه من تعبئة للموارد العمومية وتحديد للأولويات الوطنية. ولذلك يصبح السؤال المتعلق بحضور المؤسسة التشريعية في صناعة القرار الاستراتيجي جزء من النقاش حول فعالية التمثيل الديمقراطي نفسه.

وإذا كان موقع البرلمان داخل بنية السلطة يكشف عن حدود تأثيره في الاختيارات العامة، فإن المبادرة التشريعية تتيح الوقوف على جانب آخر من هذه الحدود، يتعلق بمدى قدرته على إنتاج القواعد القانونية والمساهمة في تحديد الأجندة التشريعية للدولة. فالمبادرة التشريعية أحد المؤشرات الأساسية التي يمكن من خلالها قياس حيوية المؤسسة البرلمانية ومدى استقلالية اشتغالها. والدستور المغربي يقر للبرلمان اختصاص التشريع، ويمنح أعضاءه حق التقدم بمقترحات القوانين، إلى جانب مشاريع القوانين التي تتقدم بها الحكومة.

غير أن الممارسة التشريعية تكشف عن تفاوت واضح في حجم المبادرة بين الطرفين، حيث تستحوذ مشاريع القوانين الحكومية على الحيز الأكبر من الإنتاج التشريعي، بينما يظل حضور مقترحات القوانين البرلمانية محدودا في المسار التشريعي النهائي.

وتتداخل في تفسير هذه الظاهرة عوامل مؤسساتية وسياسية وتنظيمية، ترتبط بموقع الحكومة في إعداد السياسات العمومية، وتحكمها في جزء مهم من البرمجة التشريعية، فضلا عن الإمكانات التقنية والإدارية المتاحة للقطاعات الحكومية في إعداد النصوص القانونية وصياغتها.

وتطرح هذه المعطيات سؤالا حول طبيعة الوظيفة التي يضطلع بها البرلمان في العملية التشريعية: إلى أي مدى يشارك في تحديد الأجندة القانونية للدولة؟ وما حجم مساهمته في استباق التحولات الاجتماعية والاقتصادية عبر اقتراح نصوص تستجيب للحاجات المجتمعية؟

فالمبادرة التشريعية تتيح للنائب البرلماني إمكانية نقل القضايا التي يفرزها الواقع الاجتماعي إلى دائرة النقاش القانوني والمؤسساتي، وتمنحه فرصة الإسهام في صياغة الحلول التشريعية المرتبطة بها. وكلما تراجعت هذه المبادرة، تقلصت مساحة التعبير عن الأولويات التي يحملها ممثلو المجتمع إلى المؤسسة التشريعية.

ويتصل بهذا الأمر سؤال آخر يتعلق بطبيعة النقاش الذي يجري داخل البرلمان عند عرض مشاريع القوانين الحكومية. فهل تتحول المناقشة إلى مجال للتدقيق في الفرضيات والآثار والبدائل التشريعية؟ وما مدى قدرة الفرق والمجموعات النيابية على تقديم تعديلات جوهرية تستند إلى دراسات ومعطيات موضوعية؟ وإلى أي حد تستطيع المعارضة البرلمانية فرض أجندة رقابية وتشريعية تضع الحكومة أمام مسؤولياتها السياسية؟

إن قيمة النقاش التشريعي تقاس بما ينتجه من مساءلة حقيقية للخيارات الحكومية، وبقدرته على استحضار المصالح الاجتماعية والاقتصادية المختلفة، وإخضاع النصوص القانونية للفحص والتقييم قبل اعتمادها.
غير أن تقييم أداء المؤسسة التشريعية يظل ناقصا إذا اقتصر على موقعها داخل بنية السلطة أو على حجم مبادرتها في إنتاج القوانين؛ إذ يقتضي الأمر أيضا مساءلة طبيعة العلاقة التي تربطها بالمجتمع، ومدى تعبيرها عن انتظارات المواطنين الذين يستمد النواب منهم صفتهم التمثيلية. وهنا نصل إلى أحد أكثر الأسئلة حساسية في هذا الموضوع، وهو المتعلق بطبيعة العلاقة بين النائب البرلماني والمواطن الذي انتخبه.

فعضو البرلمان يستمد صفته التمثيلية من عملية انتخابية، ويضطلع بموجبها بمسؤولية تمثيل الأمة والمساهمة في ممارسة الاختصاصات الدستورية المرتبطة بالتشريع والرقابة. وتفترض هذه العلاقة وجود صلة سياسية مستمرة بين الناخب وممثله، قوامها التعبير عن المطالب المجتمعية، ونقل انشغالات المواطنين إلى المؤسسات، ومساءلة السياسات العمومية في ضوء آثارها على المجتمع.

غير أن الممارسة الانتخابية تكشف عن أنماط متعددة من العلاقة بين المرشحين والناخبين، تختلف باختلاف المرجعيات السياسية والاجتماعية والثقافية التي تحكم الاختيار الانتخابي.
فهناك من يصوت انطلاقا من اقتناع ببرنامج حزبي وتصور سياسي ومشروع مجتمعي، ويعتبر صوته تعبيرا عن اختياره بشأن الاتجاه الذي ينبغي أن تسلكه الدولة. وهناك من يبني اختياره على علاقات شخصية أو اعتبارات محلية، فيرتبط تصويته بما يقدمه المرشح من خدمات وتدخلات لدى الإدارات والمرافق العمومية، أو بما يتيحه من إمكانات لتيسير قضاء بعض المصالح الفردية والعائلية.

وتوجد أيضا ممارسات انتخابية تتداخل فيها الاعتبارات المالية وشبكات الوساطة والمنافع المباشرة، فتتراجع فيها مساحة التنافس حول البرامج والتصورات السياسية.

وتكشف هذه الأنماط عن أزمة تتصل بطبيعة الثقافة التمثيلية السائدة، وبمفهوم المواطن لدور النائب البرلماني والوظيفة التي ينتظرها منه. فعندما يصبح معيار تقييم البرلماني مرتبطا بقدرته على التدخل لقضاء غرض إداري، أو توفير خدمة فردية، أو تسهيل الحصول على منفعة محلية، فإن العلاقة التمثيلية تكتسب طابعا مصلحيا ضيقا، وتتراجع مساحة الاهتمام بوظائف التشريع والرقابة والمشاركة في صناعة السياسات العمومية.

وتزداد المفارقة وضوحا عندما نستحضر طبيعة الملفات التي يفترض أن ينشغل بها البرلمان؛ فالنائب مطالب بمناقشة قوانين المالية، والتشريعات الاقتصادية والاجتماعية، والسياسات العمومية المرتبطة بالتعليم والصحة والتشغيل والاستثمار، إلى جانب مراقبة أداء الحكومة ومساءلتها عن نتائج اختياراتها.

ومع ذلك، قد ينصب جزء من انتظارات الناخبين على تدخلات ذات طابع فردي ومباشر، ترتبط بمصالح يومية محدودة.
وهنا تبرز مسألة تستحق النقاش: ما طبيعة البرلمان الذي تنتجه ثقافة انتخابية تجعل من الوساطة الشخصية أحد معايير التمثيل؟ وما طبيعة الأداء المنتظر من مؤسسة تشريعية يتحدد جزء من رصيد أعضائها الانتخابي بمدى استجابتهم لهذه الانتظارات؟

ويقتضي هذا التحليل قدرا من الإنصاف؛ فالاختيارات الانتخابية تتشكل داخل بيئة اجتماعية واقتصادية وثقافية محددة، وتتأثر بمستوى الثقة في المؤسسات، وبقدرة الأحزاب على التأطير والتواصل، وبمدى حضور الدولة والخدمات العمومية في الحياة اليومية للمواطنين. كما أن اللجوء إلى الوساطة الشخصية قد يعكس، في حالات عديدة، تجربة متراكمة مع صعوبات الولوج إلى الإدارة والمرافق العمومية، ويكشف عن ضعف قنوات الإنصاف والتواصل المؤسساتي.

ومع ذلك، تظل مسؤولية المواطن في الاختيار السياسي قائمة، باعتباره طرفا أساسيا في صناعة التمثيل النيابي، وتظل طبيعة هذا الاختيار مؤثرة في تشكيل النخب التي تتولى ممارسة السلطة التشريعية.

ويتخذ هذا الإشكال وجها آخر عند النظر إلى الفئات التي تختار عدم المشاركة في العملية الانتخابية. فتقدم ظاهرة العزوف عن المشاركة وجها آخر من وجوه الأزمة التمثيلية، إذ هناك مواطنون يمتنعون عن التصويت انطلاقا من مواقف مختلفة تتراوح بين فقدان الثقة في الأحزاب والمؤسسات المنتخبة، والاقتناع بعدم جدوى التصويت، والاحتجاج على طبيعة الممارسة السياسية، وصولا إلى اللامبالاة أو غياب الاهتمام الجدي بالشأن العام.

وتكتسب هذه الظاهرة أهمية خاصة عندما تتسع الفجوة بين المجتمع والمؤسسات التمثيلية، ويصبح جزء من المواطنين خارج دائرة المشاركة في إنتاج الهيئات التي تتولى التشريع ومراقبة الحكومة.

وتطرح المقاطعة سؤالا حول طبيعة الديمقراطية التي نمارسها، ومدى قدرتها على استيعاب المواقف الاحتجاجية وتحويلها إلى فرص لإعادة بناء الثقة في المؤسسات. فالمواطن الذي يمتنع عن التصويت قد يحمل موقفا سياسيا من العملية الانتخابية، وقد يكون اختياره تعبيرا عن يأس من جدوى المشاركة، وقد تكون دوافعه مرتبطة بعوامل اجتماعية وثقافية أخرى.

ومن الناحية السياسية، تظل المقاطعة جزءً من المشهد الانتخابي، ولها آثارها على طبيعة المشاركة والتمثيل والشرعية المجتمعية للمؤسسات المنتخبة. كما أن التعامل معها باعتبارها كتلة متجانسة من المواقف يحجب اختلاف دوافعها وخلفياتها.

وتصبح مسؤولية الأحزاب والمؤسسات هنا مرتبطة بقدرتها على تقديم أسباب مقنعة للمشاركة، وإعادة الاعتبار للعمل السياسي باعتباره مجالا للتأثير في الاختيارات العامة، وتوفير شروط تجعل المواطن يشعر بأن صوته يمتلك قيمة فعلية داخل المسار المؤسساتي.

وإذا كانت طبيعة المشاركة الانتخابية تكشف عن جانب من أزمة التمثيل، فإن مساءلة الأداء البرلماني تقتضي الانتقال إلى الوظيفة الرقابية، باعتبارها من أهم الاختصاصات التي تمنح المؤسسة التشريعية قدرتها على مراقبة السلطة التنفيذية وتتبع تدبيرها للشأن العام. وتبرز أهمية هذه الوظيفة على نحو خاص في مجال الرقابة على المال العام، الذي ارتبط تاريخيا بنشأة البرلمانات وتطور اختصاصاتها.

فقد ارتبط تطور البرلمانات بحق ممثلي الأمة في مراقبة فرض الضرائب وتوجيه الإنفاق العمومي، وهو ما جعل الرقابة المالية إحدى الوظائف المؤسسة للفكرة البرلمانية الحديثة. وفي المغرب، تطورت منظومة الرقابة المالية من خلال إحداث أجهزة قضائية متخصصة، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للحسابات والمجالس الجهوية للحسابات، التي تضطلع بمهام التدقيق والرقابة والتقييم وتتبع تدبير الموارد العمومية.

وقد أسهم هذا التطور في تعزيز الرقابة التقنية على المال العام، وتوفير معطيات وتقارير مؤسساتية بشأن تدبير المرافق والبرامج العمومية. غير أن هذه الوظائف تطرح في الوقت نفسه سؤالا حول كيفية إدماج نتائج الرقابة في العمل البرلماني، ومدى انتظام تحويل الملاحظات والتوصيات الصادرة عن المؤسسات الرقابية إلى مسارات للمساءلة السياسية.

فالتقرير الرقابي يكتسب قيمته الكاملة عندما تتحول نتائجه إلى مادة للنقاش المؤسساتي، وعندما يجري تتبع تنفيذ توصياته، وتحديد المسؤوليات المرتبطة بالاختلالات المرصودة، وقياس أثر التدابير التصحيحية على جودة التدبير العمومي.

ومن هنا تبرز أهمية الدور البرلماني في مناقشة تقارير المؤسسات الرقابية، واستدعاء المسؤولين الحكوميين المعنيين، ومتابعة مآلات الملاحظات المسجلة، وربط نتائج الإنفاق العمومي بالأهداف المعلنة في البرامج والسياسات الحكومية.

كما تكتسب مناقشة مشاريع قوانين المالية أهمية خاصة، باعتبارها مناسبة دستورية لمساءلة الاختيارات الاقتصادية والمالية للدولة، وتقييم أولويات الإنفاق العمومي، ومناقشة توزيع الموارد بين القطاعات والمجالات الترابية والفئات الاجتماعية.

فهل يمتلك البرلمان من الإمكانات التقنية والتنظيمية ما يسمح له بممارسة رقابة مالية مستمرة؟ وما مدى قدرته على تتبع تنفيذ الميزانيات وتقييم النتائج الفعلية للبرامج العمومية؟ وهل تتحول تقارير الرقابة إلى أساس منتظم للمساءلة السياسية داخل المؤسسة التشريعية؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة ترتبط بجودة الأداء الرقابي وبطبيعة الأدوات المتاحة للبرلمان، كما ترتبط بالإرادة السياسية التي تجعل من المساءلة المالية ممارسة مؤسساتية منتظمة.
ولا تقف أدوات الرقابة البرلمانية عند مناقشة التقارير المالية أو مساءلة أعضاء الحكومة، إذ يتيح الدستور آليات أخرى للبحث في القضايا ذات الأهمية العامة، وفي مقدمتها لجان تقصي الحقائق. وتكمن أهمية هذه اللجان في قدرتها على جمع المعطيات المتعلقة ببعض الملفات العمومية، والكشف عن أوجه الخلل في تدبيرها، وإنتاج معرفة مؤسساتية حول قضايا قد تظل محاطة بتضارب الروايات أو نقص المعطيات المتاحة للرأي العام.

كما تمنح هذه الآلية المؤسسة التشريعية إمكانية الاضطلاع بدور رقابي يتجاوز المناقشات العامة والأسئلة الشفوية والكتابية. ومع ذلك، يظل حضورها محدودا في الممارسة البرلمانية، وهو ما يثير تساؤلات حول شروط تفعيلها، والعوامل السياسية والتنظيمية التي تتحكم في اللجوء إليها، ومدى استعداد مكونات البرلمان لتوظيف أدوات الرقابة المتاحة لها في الملفات التي تستدعي البحث والتحقيق.

وتتصل هذه المسألة بطبيعة التوازنات داخل المؤسسة التشريعية، وبالعلاقة بين الأغلبية والمعارضة، وبمدى قدرة البرلمان على ممارسة الرقابة في القضايا التي قد تترتب عنها مساءلات سياسية أو إدارية واسعة.

وإذا كانت فعالية هذه الآليات ترتبط بطبيعة التوازنات داخل البرلمان وبالإرادة السياسية لمكوناته، فإنها ترتبط كذلك بطبيعة النخب التي تتولى عضويته، وبالآليات الحزبية التي تتحكم في اختيار المرشحين وإعدادهم. فلا يمكن استكمال تحليل واقع المؤسسة التشريعية دون الوقوف عند طبيعة هذه النخب، ومدى استعدادها المعرفي والسياسي لممارسة الاختصاصات المنوطة بها.

فالتشريع المعاصر يتعامل مع ملفات تتسم بدرجة عالية من التعقيد، تشمل السياسات المالية والاقتصادية، والتحولات الرقمية، والقضايا البيئية، والاتفاقيات الدولية، والتوازنات الاجتماعية والمجالية. وتقتضي معالجة هذه الملفات امتلاك معارف قانونية واقتصادية وتقنية، فضلا عن القدرة على تحليل المعطيات وتقييم السياسات العمومية واستشراف آثارها.

وفي هذا السياق، تكتسب عملية الانتقاء الحزبي للمرشحين أهمية بالغة؛ لأنها تشكل إحدى المراحل الأساسية في إنتاج النخب البرلمانية. وعندما تتقدم الاعتبارات المرتبطة بالامتداد الانتخابي والقدرة على التعبئة المحلية والحضور المالي والاجتماعي على معايير التأهيل السياسي والفكري، فإن ذلك ينعكس على طبيعة الكفاءات التي تصل إلى المؤسسة التشريعية.

كما أن الأحزاب السياسية تتحمل مسؤولية مركزية في إعداد المرشحين وتأهيلهم، من خلال التكوين السياسي والقانوني والاقتصادي، وتوفير فضاءات للنقاش الفكري، وإعداد برامج تستند إلى تصورات واضحة بشأن تدبير الشأن العام. غير أن انشغال جزء من العمل الحزبي بتدبير الاستحقاقات الانتخابية والتحالفات وتوازناتها العددية قد يؤثر في الاستثمار طويل المدى في بناء الكفاءات السياسية والتشريعية.

وتنعكس هذه الإشكالات كذلك على طبيعة الممارسة داخل الفرق البرلمانية، حيث قد تفضي متطلبات الانضباط للأغلبية الحكومية إلى تضييق مساحة المبادرة الفردية والنقاش الداخلي حول بعض الاختيارات الحكومية. وتصبح مساءلة الحكومة داخل الأغلبية نفسها رهينة بمدى توفر شروط سياسية وتنظيمية تسمح بممارسة الاختصاص البرلماني مع الاحتفاظ بمتطلبات العمل الحكومي المشترك.

وهنا تبرز مسؤولية الأحزاب في إعادة الاعتبار لوظيفتها التأطيرية والتكوينية، باعتبارها مؤسسات لإنتاج النخب السياسية وإعداد التصورات والبرامج، ومجالا لتكوين المواطن على المشاركة في الشأن العام.

وبعد استحضار هذه المستويات، يعود السؤال المركزي للمقال محملا بدلالات أوسع: من يريد سلطة تشريعية كهذه؟

إن البحث عن جواب يقتضي النظر إلى مجموع الفاعلين الذين تتقاطع مصالحهم وتوجهاتهم داخل النسق السياسي. فاستمرار محدودية المبادرة البرلمانية يمنح الجهاز التنفيذي مساحة أوسع للتحكم في ترتيب الأولويات التشريعية، ومحدودية الرقابة السياسية تخفف من وتيرة المساءلة المرتبطة بتدبير السياسات العمومية، كما أن بعض أنماط العمل الحزبي والانتخابي تجد في ضعف التكوين والمساءلة مجالا ملائما لاستمرار شبكات النفوذ والوساطة.

وتطرح هذه المعطيات سؤالا حول مدى استعداد مختلف مراكز القرار داخل الدولة لتوسيع مجال المشاركة البرلمانية في صناعة الاختيارات العمومية، ومدى استعداد الأحزاب السياسية للتعامل مع مؤسسة تشريعية تمتلك قدرة أكبر على المبادرة والمراقبة، ومدى استعداد الحكومة للخضوع لمسارات مساءلة أكثر انتظاما وعمقا.

غير أن هذه الأسئلة تظل ناقصة ما لم ندرج المجتمع نفسه ضمن دائرة المساءلة.

فهل يريد المواطن المغربي فعلا سلطة تشريعية قوية؟ وهل تتوافق انتظاراته من ممثليه مع الوظائف الدستورية التي يضطلع بها البرلمان؟ وما الذي ينتظره من النائب الذي يمنحه صوته: أن يكون مشرعا ومراقبا للسياسات العمومية، أم وسيطا دائما لدى الإدارات والمرافق العمومية، وقناة لتدبير المصالح الفردية والمحلية الضيقة؟

إن هذه الأسئلة تفتح مجالا للتفكير في طبيعة الطلب السياسي والاجتماعي على المؤسسة التشريعية. فالمؤسسات لا تشتغل في فراغ اجتماعي، والانتخابات تفرز ممثلين وفق اختيارات الناخبين، كما تتأثر هذه الاختيارات بطبيعة العرض الحزبي، وبقواعد المنافسة الانتخابية، وبالبيئة القانونية والمؤسساتية التي تجري داخلها العملية السياسية.

وهكذا يصبح البرلمان، في جانب من جوانب وجوده، تعبيرا عن حصيلة تفاعلات سياسية واجتماعية وثقافية متراكمة. وتتداخل في إنتاجه إرادة المؤسسات، واختيارات الأحزاب، وموازين النفوذ، وسلوك الناخبين، ومستويات المشاركة والمقاطعة.

وتتفاوت مسؤولية هذه الأطراف تبعا لموقعها داخل العملية السياسية، ولما تمتلكه من إمكانات التأثير في شروط المنافسة والاختيار. فالدولة والمؤسسات العمومية تتحمل مسؤولية توفير الضمانات القانونية والمؤسساتية لنزاهة التمثيل، والأحزاب مسؤولة عن طبيعة العرض السياسي الذي تقدمه وعن مستوى تأهيل مرشحيها، والناخب يتحمل مسؤولية اختياره ومشاركته في إنتاج المؤسسة التي تتولى تمثيله.

ومن هنا يمكن النظر إلى الأزمة البرلمانية باعتبارها جزءً من إشكال ديمقراطي أوسع، يتصل بطبيعة الثقافة السياسية السائدة، وبمستوى الثقة في المؤسسات، وبمدى استيعاب المجتمع لمعنى المشاركة السياسية وحدود المسؤولية المرتبطة بها.

وهذا ما يقودنا، في نهاية المطاف، إلى مساءلة مفهوم الديمقراطية كما يتجسد في الممارسة السياسية المغربية. فالديمقراطية تقتضي وجود مؤسسات تمثيلية، وانتخابات دورية، وتعددية حزبية، وضمانات دستورية لممارسة الحقوق والحريات. وتكتسب هذه العناصر معناها العملي من طبيعة العلاقة التي تنشأ بينها، ومن قدرة المواطنين على التأثير في الاختيارات العامة، ومن مدى خضوع المسؤولين للمساءلة، ومن حجم المشاركة الفعلية في تدبير الشأن العام.

ويقتضي هذا التصور النظر إلى الديمقراطية باعتبارها ثقافة سياسية وممارسة مؤسساتية متواصلة، تتجاوز لحظة الاقتراع إلى ما بعدها من تتبع ومراقبة ومحاسبة ومشاركة في النقاش العمومي.

فالمواطن الذي يمنح صوته لمرشح على أساس برنامج سياسي، ثم يتابع أداءه ويحاسبه على مواقفه داخل البرلمان، يساهم في ترسيخ نمط من التمثيل يقوم على المسؤولية السياسية. والحزب الذي يعد مرشحيه لممارسة التشريع والرقابة، ويمنحهم فضاء للنقاش المستقل، يساهم في بناء مؤسسة تشريعية أكثر قدرة على أداء وظائفها. كما أن الحكومة التي تقدم اختياراتها للنقاش البرلماني وتقبل إخضاعها للتقييم والمساءلة، تساهم في تعزيز الممارسة الديمقراطية داخل النظام المؤسساتي.

وتتصل هذه المسألة أيضا بموقف المواطن من الشأن العام؛ فالمشاركة السياسية تقتضي قدرا من الوعي بالاختيارات الاقتصادية والاجتماعية، والاهتمام بالتشريعات التي تنظم الحياة العامة، ومتابعة أداء المؤسسات، وإدراك الصلة بين القرار العمومي والحقوق والمصالح الجماعية.

ومن ثم، فإن المطالبة ببرلمان قوي تضع الجميع أمام سؤال الاستعداد لتحمل مقتضيات هذه القوة: استعداد الحكومة للمساءلة، واستعداد الأحزاب للتنافس البرامجي، واستعداد النخب المنتخبة لممارسة مسؤولياتها الدستورية، واستعداد المواطنين لممارسة مواطنة تقوم على الاختيار الواعي والتتبع والمحاسبة.

إن الديمقراطية التي نطالب بها تقتضي أن نعيد النظر في علاقتنا بالمؤسسات، وفي طبيعة انتظاراتنا منها، وفي المسؤوليات التي نتحملها تجاهها. فالمؤسسة التشريعية القوية تحتاج إلى بيئة سياسية ومجتمعية تحتضن وظائفها، وتوفر لها شروط الاستقلالية والفعالية، وتتعامل مع أعضائها باعتبارهم ممثلين للأمة ومسؤولين عن ممارسة اختصاصات دستورية محددة.

وفي ضوء ذلك، يبدو أن السؤال الذي انطلقنا منه، «من يريد سلطة تشريعية كهذه؟»، يقودنا إلى مساءلة جماعية تتجاوز حدود المؤسسة البرلمانية، وتمتد إلى مختلف الفاعلين الذين يساهمون في إنتاج واقعها وتحديد طبيعة أدائها.

فالدولة، بمؤسساتها ومراكز القرار داخلها، معنية بطبيعة التوازنات التي تحكم توزيع السلطة وممارسة الاختصاصات. والأحزاب السياسية معنية بطبيعة النخب التي تنتجها وبمستوى التأهيل السياسي والفكري الذي توفره لمرشحيها. والحكومة معنية بمدى استعدادها للخضوع لرقابة برلمانية فعالة. والمواطن معني بطبيعة اختياراته الانتخابية، وبمدى استعداده لمتابعة ممثليه ومساءلتهم عن أدائهم.

إن استمرار الوضع القائم يرتبط بتفاعل هذه المستويات، وبتراكم اختيارات وممارسات ومصالح يصعب اختزالها في فاعل واحد أو تفسيرها بعامل منفرد. كما أن الانتقال نحو مؤسسة تشريعية أكثر فعالية يقتضي إعادة النظر في شروط إنتاج التمثيل السياسي، وفي قواعد المنافسة الانتخابية، وفي طبيعة العلاقة بين السلط، وفي مستوى التأطير الحزبي والمشاركة المجتمعية.

ولعل السؤال الأكثر إلحاحا في هذا السياق يتعلق بمدى استعدادنا الجماعي لتحمل تبعات الديمقراطية التي نطالب بها. فهل نريد برلمانا يمارس اختصاصاته كاملة، ويخضع الحكومة للمساءلة، ويفتح النقاش حول الاختيارات الاستراتيجية للدولة، ويجعل من المال العام موضوعا دائما للرقابة والتتبع؟ وهل نريد ممثلين نختارهم على أساس برامجهم ومواقفهم وقدرتهم على التشريع، ثم نحاسبهم على أدائهم ومساهمتهم في تدبير الشأن العام؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحدد جانبا أساسيا من مستقبل الممارسة الديمقراطية في المغرب. فالمؤسسة التشريعية التي نريدها ترتبط بطبيعة الدولة التي نبنيها، وبنوع الأحزاب التي نؤسسها، وبمستوى الوعي السياسي الذي نطوره، وبالمعنى الذي نمنحه للمواطنة والمشاركة والتمثيل.

فمن يريد سلطة تشريعية كهذه؟
ربما يكون السؤال الأعمق: هل نريد جميعا سلطة تشريعية كهذه؟