من قاعات المحاكم إلى فضاءات الكتابة.. “محامون مؤلفون” بمعرض الكتاب
شهد رواق هيئة المحامين بالرباط، مساء اليوم الاثنين 4 ماي، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب 2026، تنظيم ندوة فكرية، اختير لها عنوان “محامون مؤلفون”، جمعت بين عوالم القانون والإبداع الأدبي في لقاء أضاء جانبا مختلفاً من مسار أصحاب البدلة السوداء.
الندوة التي أُقيمت في أجواء تفاعلية، عرفت مشاركة محاميتين جمعتا بين الممارسة القانونية والكتابة الأدبية والشعرية، إلى جانب محامٍ قدّم تجربة مختلفة من خلال اشتغاله على الكتابة القانونية، وذلك عبر مؤلف يغوص في عمق المساطر والقوانين.
وأدارت هذا اللقاء الإعلامية فاطمة الإفريقي، التي وجهت النقاش نحو تقاطعات مهنة المحاماة مع فعل الكتابة، مستحضرة أسئلة تتعلق بكيفية التوفيق بين صرامة النص القانوني وانسيابية التعبير الأدبي، وكذا ما إذا كانت التجربة المهنية للمحامي تُغني خياله الإبداعي أو تؤطره.
وخلال مداخلتها، أوضحت مريم زيريق، المحامية بهيئة الرباط، التي تشارك للمرة الثانية في المعرض بديوان شعري جديد بعنوان “دموع القلب”، بعد تجربة سابقة بديوان “مقنونة الصدر” (أوضحت) أن تجربتها تجمع بين المحاماة والكتابة باعتبارهما فضاءين للكلمة، مشدّدة على أن هذه الأخيرة تلعب دوراً مركزياً سواء في الدفاع داخل المحاكم أو في التعبير الأدبي.
وأضافت المتحدثة في تصريحها لصحيفة “صوت المغرب”، أن المحاماة، في جوهرها، “فن يقوم على ثلاثة عناصر أساسية: العلم، والموهبة، وحسن توظيف الكلمة”، معتبرة أن “إتقان التعبير والإقناع يظل مفتاحاً أساسياً لنجاح المحامي في أداء رسالته الإنسانية والدفاع عن العدالة”.
ومن جانبها، قدّمت رشيدة دبيش، المحامية بهيئة الرباط، خلال هذا اللقاء شهادة لافتة حول علاقتها المتوترة والمركّبة بالكتابة، إذ أقرت بأنها، رغم اهتمامها المبكر بالثقافة، ترددت طويلاً قبل خوض تجربة النشر، خوفاً من مواجهة قارئ ناقد، معتبرة أن “الكتابة مسؤولية تفرض على صاحبها أن يضيف قيمة حقيقية، لا أن يراكم نصوصاً ركيكة”.
وقالت دبيش إن “مهنة المحاماة تضاعف هذا الضغط، لكونها تقوم أساساً على دقة اللغة وقوة التعبير، حيث تشكل الكلمة أداة أساسية للإقناع والتأثير داخل قاعات المحاكم”.
كما أشارت المتحدثة إلى أن “المحامي-الكاتب لا يتمتع دائماً بحرية مطلقة في التعبير، بحكم ما تفرضه المهنة من ضوابط أخلاقية ومهنية، تجعله يكتب بوعي مضاعف، يوازن فيه بين الإبداع واحترام المؤسسة التي ينتمي إليها”.
في سياق النقاش حول تداخل الإبداع القانوني والكتابة، أكد إدريس العمراني، المحامي بهيئة الدار البيضاء في حديثه لـ”صوت المغرب” على هامش مشاركته ضمن لقاء “محامون مؤلفون”، أن الإبداع لدى المحامين لا يقتصر على المرافعة داخل قاعات المحاكم، بل يمتد إلى التأليف القانوني الذي يُعد بدوره شكلاً من أشكال الإبداع المهني.
وأوضح أن مؤلفه تحت عنوان“مسطرة الفصل من العمل في قانون الشغل” يوثق لتجربته المهنية ويقدّم قراءة تحليلية لمسطرة الفصل، باعتبارها “مجالاً دقيقاً يتطلب اجتهاداً قانونياً يمكن وصفه بنوع من الإبداع داخل المنظومة القانونية” على حد وصفه.
وأضاف العمراني أن هذا العمل “يندرج ضمن محاولة للمساهمة في مساعدة المحامين والقضاة على صياغة أحكام وتصورات قانونية تنسجم مع نصوص القانون وروح الدستور، إضافة إلى المواثيق الدولية ذات الصلة، خاصة ما يتعلق بمدونة الشغل”.
وعرف هذا اللقاء تفاعلاً من الحضور، الذين طرحوا أسئلة تطرقت أساساً لحدود العلاقة بين القانون والإبداع، وإمكانية أن يوفق المحامي بين المهمتين، المحامي والمؤلف، وأن يتحول المحامي إلى فاعل ثقافي يساهم في إنتاج المعرفة، وليس فقط تطبيقها.
وفي كلمة له في ختام اللقاء، شدد عزيز الرويبح نقيب هيئة المحامين بالرباط أمام الحضور، على أهمية التكوين الأدبي والفلسفي في مسار المحامي، مؤكداً أن “المحامي الذي يقرأ ويكتب خارج حدود النص القانوني الصرف، تسعفه اللغة، وتكون قراءاته داعماً أساسياً لمهنته”.