story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
حقوق وحريات |

من تسجيل الانتهاكات إلى تحليلها.. الإعلان عن نظام لقياس مؤشرات حقوق الإنسان بالمغرب

ص ص

أعلن المجلس الوطني لحقوق الإنسان عن إطلاق مشروع استراتيجي يهدف إلى إرساء نظام وطني لمؤشرات حقوق الإنسان، يسعى إلى تحويل الحقوق من التزامات معيارية إلى مخرجات قابلة للقياس والتتبع والتقييم، استناداً إلى أدلة ومعطيات إحصائية موضوعية.

وجاء الإعلان عن هذا المشروع خلال ورشة تقنية وطنية نُظمت يوم الخميس 29 يناير 2026 بالرباط ، جمعت خبراء حقوقيين وإحصائيين وممثلين عن القطاعات الحكومية والمجتمع المدني والجامعة لمناقشة الأسس المنهجية للتحول من مرحلة “ماذا نقيس؟” إلى مرحلة “كيف نقيس؟” ، والتحقق من قابلية المؤشرات للتطبيق العملي داخل الإطار المؤسسي الوطني.

وركزت الورشة على ثلاثة محاور رئيسية، حول انتقال حقوق الإنسان بالمغرب من الإطار المعياري إلى المؤشرات، وتوحيد المفاهيم وتحديد السمات لكل حق، وموضوع البيانات من حيث الولوج والجودة وموثوقية المصادر واستدامة جمعها.

من الرصد إلى القياس

وفي تصريح خصّت به رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان أمينة بوعياش صحيفة “صوت المغرب”، أوضحت أن إطلاق هذا المشروع يندرج في إطار تجديد المجلس لنقاشه وتفاعله مع مختلف المتدخلين، وفي مقدمتهم منتجو المعطيات والإحصائيات، إلى جانب المجتمع المدني والجامعات، “بهدف بلورة مؤشرات وطنية يُعتمد عليها في تقييم وضعية حقوق الإنسان”.

وأشارت بوعياش إلى أن المجلس يعتمد منذ سنة 2019 استراتيجية قائمة على فعلية الحقوق، تجمع بين البعدين القانوني وغير القانوني، بما يشمل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والبيئية، مبرزة أن تتبع أثر السياسات العمومية خلال هذه الفترة “أظهر أن عدداً من المبادرات والبرامج، رغم تعددها، لا ينعكس أثرها بشكل كاف على تمتع المواطنين بحقوقهم، سواء في مجالات الصحة أو التعليم أو الولوج إلى الماء وغيرها”.

وأضافت أن هذا التفاوت بين حجم المجهودات المبذولة وضعف الأثر المحسوس على أرض الواقع يطرح تساؤلات جوهرية حول نجاعة السياسات العمومية، وهو ما يستدعي اعتماد أدوات قياس دقيقة قادرة على تفسير هذا التشتت في الأثر.

وفي هذا السياق، شددت رئيسة المجلس على أن تطوير المؤشرات الوطنية يندرج أيضاً ضمن “تحديث مقاربة المجلس في مجالات الرصد والحماية والنهوض بحقوق الإنسان، من خلال الانتقال من مجرد تجميع الوقائع إلى تحليل كيفية وقوعها وسياقاتها البنيوية”.

وأوضحت أن معالجة الشكايات والانتهاكات “لم تعد تقتصر على تسجيلها، بل تشمل تحليل محيطها”، بما يساعد على تحديد مكامن الخلل بدقة، وتوجيه تدخلات المجلس وتوصياته بشكل أكثر فعالية.

وأكدت على أن المجلس يطمح إلى أن “تشكل هذه المؤشرات الوطنية مرجعاً معتمداً” لمنتجي البيانات والفاعلين المؤسساتيين والحقوقيين، وكذا للشركاء الإقليميين والدوليين، في تتبع وتقييم وضعية حقوق الإنسان بالمغرب.

ويأتي هذا الإعلان في سياق تحوّل دولي عميق تشهده منظومة حماية حقوق الإنسان، انتقلت فيه من خطاب معياري كيفي إلى مقاربة كمية صارمة قائمة على الأدلة (Evidence-based approach)، تضع في صلبها مفهوم فعلية الحقوق، أي قياس مدى تحقق الحقوق والحريات في الواقع المعيش للمواطنين.

واعتبرت رئيسة المجلس الوطني لحقوق الإنسان أن هذا المشروع “يكتسي أهمية قصوى لقياس البعد الإجرائي للجهود في مجال إعمال حقوق الإنسان”، عبر بناء جماعي لمؤشرات تمكّن من تحويل المضمون المعياري للحقوق إلى أدوات عملية لقياس مستوى تطبيقها في السياسات العمومية، وتقييم أثرها الفعلي في حياة المواطنين.

وأوضحت أن هذا التوجه من شأنه تمكين مختلف المتتبعين والفاعلين من إجراء تقييم موضوعي لمستوى تنفيذ السلطات العمومية لالتزاماتها الدولية، مشيرة إلى أن هذا المسار ينسجم مع الدينامية الأممية التي تعززت منذ إصدار المفوضية السامية لحقوق الإنسان، سنة 2012، دليلاً مرجعياً حول كيفية تصميم مؤشرات حقوق الإنسان.

وسبرز المجلس أن السياق المغربي، “ورغم ما حققه دستور 2011 من توسّع في نطاق الحقوق المضمونة، لا يزال يعرف فجوة ملموسة بين الاعتراف القانوني بالحقوق والتمتع الفعلي بها”، ما يستدعي تطوير أدوات موضوعية لتقليص هذه الهوة، ومساءلة الجهات المكلفة بإعمال الحقوق بلغة مشتركة تجمع بين القانون والإحصاء.

منهجية أممية

ويعتمد المشروع، وفق ما جاء في الورقة التقنية المقدَّمة خلال الورشة، على المنهجية المعتمدة من قبل مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان (OHCHR)، بما يضمن الصرامة العلمية وقابلية المقارنة الدولية. وترتكز هذه المنهجية على تفكيك كل حق من حقوق الإنسان إلى ثلاثة مستويات مترابطة من القياس.

فبينما تعتمد المؤشرات الهيكلية لقياس مدى التزام الدولة القانوني، من خلال المصادقة على الاتفاقيات الدولية وسنّ التشريعات الوطنية ذات الصلة، تقيس المؤشرات الإجرائية الجهود المبذولة من طرف الدولة، مثل تخصيص الميزانيات، وتكوين الموارد البشرية، وتغطية البرامج العمومية.

وتقيس مؤشرات النواتج النتائج الفعلية على أرض الواقع، من قبيل نسب الاعتقال الاحتياطي، ومستويات محو الأمية، ومؤشرات الصحة والتعليمظ، ومعدلات الوفيات.

وتُمكّن هذه البنية الثلاثية المجلس من تحديد مواطن الخلل بدقة، سواء تعلق الأمر بضعف الإطار القانوني والمؤسساتي، أو بإشكالات التنفيذ، أو بعدم نجاعة السياسات في تحقيق النتائج المرجوة.

ويلتزم المشروع، حسب الورقة ذاتها، بتطبيق المقاربة القائمة على حقوق الإنسان في التعامل مع البيانات، والتي ترفض الاكتفاء بالمعدلات الوطنية العامة التي قد تُخفي التفاوتات البنيوية. وبناءً عليه، يشترط المشروع أن تكون البيانات مفصلة حسب المجال الجغرافي (حضري/قروي)، والنوع الاجتماعي، والإعاقة، وغيرها من المتغيرات، بهدف الكشف عن الفئات الهشة التي لا تزال خارج دائرة التمتع الفعلي بالحقوق.

6 حقوق ذات أولوية

وفي مرحلته الأولى، يركز المشروع على ستة حقوق موضوعية، جرى اختيارها بالنظر إلى ارتباطها المباشر بالتحديات التنموية والمطالب الاجتماعية الراهنة بالمغرب، من قبيل الحق في محاكمة عادلة من خلال قياس قرينة البراءة وولوجية العدالة، ونسبة الاعتقال الاحتياطي، وآجال المحاكمات، والتحديات المرتبطة بالمحاكمات عن بُعد.

هذا بالإضافة إلى الحق في حرية التعبير عبر مؤشرات تقيس ما يُعرف بـ”أثر الصقيع”، وتعددية وسائل الإعلام، وحماية الصحافيين، وحرية التجمع وتكوين الجمعيات مع التركيز على الفجوة بين النص القانوني والممارسة الإدارية، واعتبار “الصمت الإداري” مؤشراً على الإعاقة الفعلية للمشاركة المدنية.

كما يأتي الحق في الصحة من خلال تتبع تعميم التغطية الصحية الإجبارية، ونسبة الإنفاق المباشر من الجيب، والتفاوتات المجالية في توزيع الموارد الصحية، الحق في التعليم من خلال الجمع بين مؤشرات التمدرس وجودة التعليم، ومعدلات الهدر المدرسي، خاصة في الوسط القروي، والبنيات التحتية التعليمية، فضلاً عن الحق في العمل عبر الانتقال من قياس البطالة إلى قياس العمل اللائق، من خلال مؤشرات القطاع غير المهيكل، وأمن الشغل، وظروف العمل.

خارطة بيانات حقوقية

واختار المجلس تنظيم هذه المحطة في صيغة ورشة تقنية وطنية، تتواصل إلى مساء اليوم الخميس، بدل ندوة أو مؤتمر، بالنظر لطابعها العملي والتشاركي، حيث جرى الاشتغال ضمن مجموعات تقنية تجمع بين خبراء حقوقيين وإحصائيين، بهدف التحقق من قابلية المؤشرات المقترحة للقياس داخل الإطار الإداري والمؤسسي الوطني.

وتهدف الورشة، أساساً، إلى تقديم المشروع لمختلف الفاعلين، والمصادقة التقنية على “السمات الأساسية” للحقوق، ورسم خريطة المعطيات المتوفرة، وتحديد الفجوات الإحصائية التي قد تستدعي تطوير أدوات جديدة لجمع البيانات.

وشهدت الورشة مشاركة ما بين 50 و60 فاعلاً من مستويات إدارية عليا، يمثلون المجلس الوطني لحقوق الإنسان، والمندوبية السامية للتخطيط باعتبارها شريكاً استراتيجياً، إلى جانب قطاعات حكومية منتجة للبيانات، من بينها وزارات العدل، والصحة، والتربية الوطنية، والتشغيل، والداخلية، والمندوبية العامة لإدارة السجون، فضلاً عن ممثلي المجتمع المدني وخبراء أكاديميين.

ومن المرتقب أن تفضي أشغال هذه الورشة إلى اعتماد المصفوفة الوطنية لمؤشرات حقوق الإنسان، التي ستشكل خارطة طريق لمرحلة جمع البيانات، وإعداد التقرير المرجعي الذي سيصدره المجلس الوطني لحقوق الإنسان حول حالة حقوق الإنسان بالمغرب، بما يعزز الشفافية، ويدعم تقييم السياسات العمومية، ويكرّس ثقافة القياس والمساءلة القائمة على الأدلة.