من التطبيع إلى “مجلس السلام”.. كيف توزّع الرباط الواجهات السياسية في قراراتها الخارجية؟
في مشهد دبلوماسي لافت، أعاد توقيع الرباط على ميثاق “مجلس السلام” هذا الأسبوع طرح أسئلة قديمة-جديدة حول فلسفة “توزيع الأدوار والواجهات” داخل مطبخ القرار بالمغرب، في لحظات سياسية من هذا النوع.
فبينما تصدّر وزير الشؤون الخارجية ناصر بوريطة منصة التوقيع إلى جانب قادة دوليين، غاب رئيس الحكومة عزيز أخنوش عن الصورة، على عكس ما جرى أواخر سنة 2020 عندما تم توقيع اتفاق استئناف العلاقات مع إسرائيل، حين جرى الدفع برئيس الحكومة آنذاك، سعد الدين العثماني، إلى الواجهة.
هذا التباين في التمثيل أعاد إلى الواجهة نقاشًا واسعًا حول الخلفيات السياسية والدستورية للقرار، وحدود تدخل الحكومة في ملفات توصف بالسيادية، كما فتح باب التأويل بشأن الرسائل التي يبعث بها المغرب داخليًا وخارجيًا في كل محطة.
وبعيدًا عن القراءات الانطباعية، يذهب عدد من المراقبين إلى أن ما يبدو اختلافًا في الشكل، يخفي في العمق حسابات مركبة تتداخل فيها اعتبارات الشرعية الداخلية، وتوزيع الكلفة السياسية، وهامش المناورة الدبلوماسية، فضلًا عن طبيعة العلاقة مع الفاعلين الدوليين المنخرطين في كل مبادرة.
في هذا الصدد، يرى المحلل السياسي خالد البكاري أن مسألة تصدّر التوقيع لا يمكن قراءتها بمعزل عن اختلاف السياق بين المرحلتين.
ويوضح أن “القليلين انتبهوا إلى أن من وقّع وثيقة الانضمام إلى مجلس السلام هو وزير الخارجية، وليس رئيس الحكومة، بخلاف ما حدث أثناء التوقيع على الاتفاق الثلاثي”. لكنه يستبعد أن يكون لذلك علاقة بأي “غضبة” على رئيس الحكومة الحالي، ارتباطًا بما يُروَّج عن كواليس قرار انسحابه الضمني من العمل السياسي المباشر.
ويضيف البكاري أن الفارق الجوهري يكمن في طبيعة كل محطة، مشددًا على أن “مرحلة توقيع الاتفاق الثلاثي مع الولايات المتحدة وإسرائيل كانت بالفعل انخراطًا حقيقيًا في مسار التطبيع الإقليمي، ومحاولة لتقليل تداعياته الشعبية بتحصيل مكاسب في قضية الصحراء، وهو ما اقتضى توقيع رئيس الحكومة”. بل يذهب أبعد من ذلك، معتبرًا أن “النظام رام من هذه الخطوة توريط إسلاميي العدالة والتنمية في تحمّل كلفة التطبيع سياسيًا وشعبيًا”.
في المقابل، يلفت البكاري في حديث مع صحيفة “صوت المغرب” إلى أن السياق الحالي مختلف جذريًا، مرجحًا أن “المغرب غير متحمس لخطوة مجلس السلام، خصوصًا أنها لا تحظى بقبول دولي، حتى من طرف حلفاء واشنطن التقليديين”.
ويضيف أن المغرب، بعد “الاختراقات التي تحققت على مستوى منظمة الأمم المتحدة في اتجاه حسم ملف الصحراء لصالحه”، لن يكون من مصلحته “تهديد المنظومة الأممية بأي بديل يقوده ترامب، بكل تقلباته التي لا يمكن التنبؤ بها، والتي عمّقت حالة اللايقين”.
وانطلاقًا من هذا المعطى، يخلص البكاري إلى أن “المغرب لم يكن باستطاعته رفض دعوة ترامب، وأنه انخرط تحت ضغط الإحراج، إن لم نقل الابتزاز”، معتبرًا أن ذلك “يفسر حضور وزير الخارجية، رغم أنه بروتوكوليًا لا يُعد من مسؤولي الصف الأول في الدولة”.
من جانبه، يقدّم أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، رشيد لزرق، قراءة دستورية للحدث، معتبرًا أن اختيار مستوى التمثيل الدبلوماسي “يمثّل توقيع ‘ميثاق مجلس السلام’ بتمثيل دبلوماسي على مستوى وزير الشؤون الخارجية انسجامًا دقيقًا مع منطق توزيع الاختصاصات في النظام الدستوري المغربي”.
ويوضح لزرق، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن السياسة الخارجية، ولا سيما الالتزامات ذات الحساسية الاستراتيجية، “تندرج في المجال السيادي لرئيس الدولة، بينما تضطلع الحكومة بوظائف التنفيذ والتدبير”.
ويشير إلى أن بلاغ وزارة الخارجية، الذي أكد أن التوقيع تم “بتعليمات” من الملك محمد السادس، “يكرّس هذا المنطق، ويجعل حضور ناصر بوريطة الصيغة الأكثر اتساقًا مع الطابع الدبلوماسي-السيادي للمبادرة، خاصة وأنها ما تزال في طور التشكّل، وتحتاج إلى هامش مناورة ورسائل مضبوطة قبل تثبيت كلفتها السياسية والمالية والقانونية”.
أما بخصوص المقارنة مع محطة 2020، فيرى لزرق أن حضور رئيس الحكومة آنذاك “يُفهم بوصفه اختلافًا في حسابات الشرعية الداخلية وتوزيع الكلفة السياسية”.
فبحسبه، “كان التطبيع قرارًا عالي الاستقطاب داخليًا، فاقتضى تأطيره حكوميًا لتقديمه كسياسة عمومية ضمن منطق التدبير التنفيذي، مع بقاء القرار في سقفه السيادي”.
ويخلص أستاذ العلوم السياسية إلى أن الاكتفاء اليوم بتمثيل دبلوماسي “يوحي بإبقاء المبادرة في قناة خارجية تقنية أقل تسييسًا داخليًا، وتقليص ربطها المباشر برئاسة الحكومة، وإرسال إشارة للخارج بأن المغرب يتعامل معها كمسار دبلوماسي مضبوط، لا كإعلان اصطفاف حكومي شامل، قبل اتضاح المآلات”.
وبين من يقرأ المشهد من زاوية السياق الدولي والضغط السياسي، ومن يفسّره بمنطق الدستور وتوزيع الأدوار، يبدو أن الثابت في الحالتين هو أن الواجهة ليست تفصيلًا بريئًا في السياسة الخارجية المغربية، بل أداة محسوبة بعناية، تُستعمل لضبط الرسائل، وتقنين الكلفة، وترك أبواب التراجع أو التقدم مواربة إلى حين اتضاح اتجاه الرياح.