ملاعب كرة القدم في المغرب.. ماذا بعد كأس إفريقيا للأمم؟
ملاعب ومصادر تمويل خاصة
في إطار استعداد المغرب لاستضافة نهائيات كأس أمم إفريقيا 2025 وفي سياق التحضير المشترك مع إسبانيا والبرتغال لاستضافة كأس العالم 2030 كانت الحكومة المغربية قد ضخت استثمارات بملايير الدراهم في إعادة تأهيل عدد من الملاعب القديمة، وبناء ملاعب جديدة، لتلبية معايير الاتحادين الإفريقي والدولي لكرة القدم.
وهكذا خصصت لملعب الأمير مولاي عبد الله في الرباط بسعة حوالي 69,500 متفرج، ميزانية تقدر ب3 مليار درهم، ولملعب مولاي الحسن 795 مليون درهم، وللملعب الأولمبي حوالي 90 مليون درهم، وملعب المدينة 100 مليون درهم، ولإعادة هيكلة مركب محمد الخامس بالدار البيضاء حوالي 150 مليون درهم، ولملعب طنجة حوالي 250 مليون درهم، ولملعب أكادير حوالي 120 مليون درهم، ولملعب مراكش ما يقارب 90 مليون درهم، ولملعب فاس حوالي 600 مليون درهم.
بخصوص مصدر التمويل كان فوزي لقجع، الوزير المنتدب المكلف بالميزانية، قد صرح في جلسة برلمانية أن تمويل الملاعب والبنيات الرياضية، لا يتم من خلال الميزانية العامة للدولة، بل “عبر آليات تمويل مبتكرة تقوم على تعبئة الشركاء المؤسساتيين وجدولة السداد على مدى طويل”.
ويرتكز نموذج التمويل الخاص بالملاعب الذي كشف عنه لقجع، على آلية سداد تمتد على عشرين سنة، مشيراً إلى أن العائدات المستقبلية للملاعب والمنشآت الرياضية “ستفوق كلفة إنجازها، ما يجعل الاستثمار فيها مستداماً ومربحاً على المدى البعيد”.
مداخيل المباريات لا تكفي
رغم معطى تمويل بناء هذه الملاعب من خارج الميزانية العامة، يبقى السؤال الأساسي هل سيغطي هذا الاستثمار تكلفة الصيانة والقروض؟ الجواب يعتمد على عدة عوامل أولها القدرة على جذب الأنشطة المختلفة والفعاليات المستمرة على مدار السنة، فإن العائدات التشغيلية قد تظل غير كافية لتغطية التكاليف الضخمة للتسيير والصيانة المرتفعة جدا، فيما يتعلق بالأمن والنظافة وفواتير الماء والكهرباء واللوجيستيك والخدمات الإدارية والتقنية، إذا اقتصرت المداخيل فقط على المباريات الرسمية القليلة سنويًا.
إضافة إلى ذلك، هناك مشكل أداء القروض طويلة الأجل التي بنيت على توقعات عائدات مستقبلية غير مؤكدة إذا لم تُخطط الدولة أو القطاع الخاص لاستغلال الملاعب على مدار السنة وطيلة أيام الأسبوع.
الأندية لا تجذب الجمهور
يطرح عدد هذه الملاعب وطاقتها الإستيعابية الكبيرة مشكل الحضور الجماهيري لأندية كرة القدم المغربية التي تستقبل فيها في مباريات البطولة الوطنية والكؤوس القارية، فإذا استثنينا ناديي الرجاء والوداد البيضاويين وإلى حد ما الجيش الملكي، فباقي الأندية يتراوح الحضور الجماهيري لمبارياتها بين المتوسط والضعيف، مما لا يبقى معه جدوى في اللعب داخل هذه الملاعب الضخمة التي تُكترى من شركة سونارجيس بمبالغ كبيرة ليس في مستطاع عائدات التذاكر أن تغطيها.
وحتى الأندية التي تستطيع جلب أعداد كبيرة من المتفرجين، فإن المداخيل قد تبقى ضعيفة بسبب عوامل اقتصادية واجتماعية، مثل القدرة الشرائية للجمهور، ومستوى التنظيم، وغياب التنويع في العرض المقدم لجمهور هذه الأندية.
تجربة أوربية رائدة
تُظهر التجربة الأوروبية أن الاكتفاء باستضافة مباريات كرة القدم فقط لا يضمن تحقيق عائدات كافية لتغطية تكاليف الصيانة أو حتى سداد القروض ففي أوروبا حرصت أندية عملاقة مثل ريال مدريد وبرشلونة الإسبانيين على تحويل الملاعب إلى وجهات ترفيهية متعددة الاستخدامات عبر مزج الملاعب مع فضاءات ترفيهية للضيافة والمطاعم والمتاحف والفعاليات الموسيقية ما عزّز من أرقام المداخيل التجارية إلى مستويات غير مسبوقة.
وتشير تحليلات مؤسسة Deloitte للمحاسبة والتدقيق والاستشارات، إلى أن الأندية الكبرى في أوروبا تستفيد من المداخيل التجارية أكثر من أي مصدر آخر وأن تحويل الملاعب إلى مراكز تجارية وترفيهية هو الذي يدفع النمو المالي الحقيقي للفرق الكبرى.
وإذا نظرنا إلى هذه التجربة يمكن التساؤل هل لدى المغرب خطة مماثلة لتحويل ملاعبه الجديدة إلى مراكز تجارية جاهزة للاستغلال طوال السنة؟
إمكانيات سياحية واعدة
هناك عدة عوامل يمكن أن تساعد المغرب في استثمار ملاعبه الكبرى وتحقيق مداخيل قارة ودائمة، من أبرزها السياحة الداخلية النشيطة، التي شهدت نموًا كبيرًا خلال العقد الأخير، حيث يمكن استغلال محيط الملاعب في دمج المباريات مع أنشطة ترفيهية مثل الحفلات الموسيقية والمعارض والأحداث الدولية التي تحوّلها إلى فضاءات جذابة حتى للسياح والمسثمرين الأجانب.
كما أن بناء الفنادق وإحداث المطاعم والمراكز التجارية يمكن أن يخلق بيئة اقتصادية متكاملة تجذب الاستثمارات وتحفّز الإنفاق المحلي.
هذه العوامل يمكن معها أن تتحول الملاعب في المغرب من أعباء كبيرة إلى أصول اقتصادية قابلة للاستثمار والتطوير.
سؤال الإستثمار الإقتصادي
في الوقت الذي باتت فيه الملاعب الرياضية في عدد من دول العالم نماذج ناجحة للاستثمار الرياضي والاقتصادي، لا تزال كثير من المنشآت الرياضية بالمغرب تواجه تحديات في التحول إلى فضاءات ذات مردودية حقيقية.
إن الجودة المعمارية وحدها لا تكفي، بل إن النجاح يرتبط أساسا بكفاءة الحكامة، وفعالية التسويق، ومرونة النموذج الإداري.
الملاعب التي أنشأتها الدولة المغربية والمشاريع التنموية المصاحبة لها تمثل فرصة اقتصادية حقيقية لتطوير استغلال المنشآت الرياضية في القرن الحادي والعشرين لكنها تتطلب رؤية استراتيجية واضحة واستغلالًا اقتصاديًا متنوعًا يضمن أن تكون لهذه الملاعب مصادر دخل دائمة، وليس التحول إلى عبئ مالي يثقل كاهل الدولة على المدى الطويل، ويضطرها إلى ضخ ميزانيات سنوية تنقذ الشركة المسيرة لهذه الملاعب من الإفلاس.