تصاعد الهجرة سباحة إلى سبتة المحتلة يسائل سياسات الدولة تجاه الشباب
بينما تواصل الحكومة الدفاع عن حصيلتها الاجتماعية والاقتصادية مع اقتراب الانتخابات التشريعية، تكشف مشاهد السواحل المقابلة لمدينة سبتة المحتلة عن واقع مختلف، حيث يختار مئات الشباب يومياً خوض البحر سباحة في واحدة من أخطر موجات الهجرة غير النظامية التي عرفتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة.
فصور القاصرين والشباب الذين يغامرون بحياتهم، وأخبار المفقودين والغرقى أعادت إلى الواجهة سؤالاً يفرض نفسه مع اقتراب نهاية الولاية الحكومية الحالية: إلى أي حد نجحت السياسات العمومية والبرامج الاجتماعية في إقناع الشباب بأن مستقبلهم يوجد داخل المغرب؟
وفي خضم هذا النقاش، يربط فاعلون سياسيون وحقوقيون تصاعد محاولات الهجرة بأزمات أعمق تتعلق بالتشغيل والعدالة الاجتماعية والحكامة، معتبرين أن ما يجري لا يمكن عزله عن واقع اقتصادي واجتماعي دفع شريحة واسعة من الشباب إلى اعتبار الهجرة، مهما كانت خطورتها، خياراً أكثر واقعية من انتظار فرص لا تأتي.
حصيلة خمس سنوات؟
في هذا الصدد، يرى الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد، جمال العسري، أن ما يجري اليوم على سواحل سبتة المحتلة لا يمكن اعتباره مجرد موجة هجرة غير نظامية، بل هو امتداد لما سمي “الهروب الكبير” للشباب المغربي، معتبراً أن الصور التي توثق وصول بعضهم إلى الضفة الأخرى ورفعهم “شارات النصر” تخفي وراءها، في المقابل، مآسي إنسانية كبيرة.
ويقول العسري، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إن هذه المشاهد لا تعكس فقط نجاح من تمكنوا من الوصول، بل تخفي أيضاً مصير مئات آخرين “ممن لم يصلوا، سواء الذين غرقوا أو ماتوا أو جرى توقيفهم أو ترحيلهم”، معتبراً أن هؤلاء “لا يتحدث عنهم أحد”.
ويعتبر المتحدث أن هذه التطورات تكشف وجود فجوة بين الخطاب الرسمي والواقع، قائلاً إن الحكومة “تصم آذانها عما يجري، وإن شعاراتها تسير في اتجاه، بينما يعيش الشباب واقعاً مختلفاً تماماً”. وفي هذا السياق، ينتقد تقديم الحكومة نفسها باعتبارها “حكومة الدولة الاجتماعية”، معتبراً أن الوقائع لا تعكس هذا الوصف، خصوصاً في ظل حالة عدم الرضا التي يعبر عنها الشباب تجاه أدائها خلال السنوات الخمس الماضية.
ويربط العسري هذا التقييم بما يسميه “الحراك التاريخي غير المسبوق” الذي قاده شباب “جيل زد” خلال الأشهر الأخيرة، معتبراً أن رد السلطات تمثل في الاعتقالات والمتابعات القضائية، مشيراً إلى معطيات للنيابة العامة تتحدث عن توقيف نحو 5 آلاف شخص ومتابعة حوالي 3600 آخرين.
ويعدد الأمين العام للحزب الاشتراكي الموحد عدداً من الملفات التي يعتبرها مؤشراً على عمق الأزمة، من بينها احتجاجات طلبة الطب، وحالات الطرد من المؤسسات التعليمية، مستحضراً مثال طلبة بمدينة القنيطرة، ومتسائلاً عن البدائل المتاحة أمام الطالب الذي يغادر الدراسة، في ظل ما يصفه بانسداد الأفق.
كما ينتقد قرارات يعتبر أنها ضيقت فرص الولوج إلى سوق الشغل، من بينها رفع سن التوظيف في قطاع التعليم، معتبراً أن “أبواب المستقبل أغلقت أمام الشباب، باستثناء العمل كيد عاملة منخفضة الأجر في مصانع الكابلاج بمدينة طنجة وغيرها”.
ويصف العسري ظروف العمل داخل هذه المصانع بأنها تمس كرامة الشباب، معتبراً أنها تشبه، وفق تعبيره، “مراكز للعبودية”، الأمر الذي يدفع عدداً منهم إلى التفكير في الهجرة باعتبارها مخرجاً من هذا الواقع.
ويعتبر المتحدث أن ما تشهده سواحل سبتة يمثل، في نظره، “حصيلة خمس سنوات من عمل الحكومة”، مشيراً إلى أنها انشغلت بإرضاء أرباب العمل أكثر من اهتمامها بأوضاع الشباب.
ويشير إلى أن التقارير الاقتصادية تظهر تزايد ثروات كبار رجال الأعمال، في وقت لا يزال فيه عدد كبير من الشباب يواجه صعوبات في الولوج إلى الشغل والسكن، معتبراً أن الشاب الذي “ينجح في الوصول إلى الضفة الأخرى ويرفع شارة النصر يشعر وكأنه انتصر على هذه الحكومة”.
وعود التشغيل.. أين النتائج؟
بدوره، يذهب نائب رئيسة الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، عمر أربيب، إلى أن تصاعد محاولات الهجرة غير النظامية “يعكس فشل السياسات العمومية في معالجة جذور الأزمة الاجتماعية والاقتصادية التي يعيشها الشباب المغربي”.
ويعتبر أربيب، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب” أن المؤشرات المرتبطة بالتشغيل تكشف عمق الاختلال، مشيراً إلى أن معدلات البطالة ظلت مرتفعة خلال الولاية الحكومية الحالية، حيث تراوحت، وفق الأرقام التي استند إليها، بين 21 في المائة ثم 19 في المائة لتستقر حالياً عند نحو 13.5 في المائة، موضحاً أن الفئة الأكثر تضرراً هي الشباب وحاملو الشهادات، ولا سيما الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و35 سنة.
ويضيف أن الأزمة “لا تقتصر على البطالة، بل تمتد إلى وجود نحو أربعة ملايين شاب خارج الدراسة والتكوين المهني وسوق الشغل، فيما يغادر المنظومة التعليمية سنوياً ما بين 360 ألفاً و400 ألف تلميذ”، وهو ما يوسع قاعدة الفئات المعرضة للهشاشة ويفاقم الشعور بانسداد الأفق.
وفي تقييمه للبرامج الحكومية الموجهة للتشغيل، يوجه أربيب انتقادات مباشرة لبرنامج “فرصة”، الذي أطلقته الحكومة لتمويل مشاريع الشباب عبر قروض بدون فوائد.
ويقول إن البرنامج لم يحقق النتائج المعلنة، مشيراً إلى أن اعتمادات مالية تقدر بحوالي مليار و300 مليون سنتيم “تبخرت”، بينما أعلن أكثر من 14 ألف مستفيد إفلاس مشاريعهم بسبب غياب المواكبة والتأطير والمراقبة.
كما ينتقد طريقة تدبير البرنامج، معتبراً أن معايير الاستفادة لم تكن، في نظره، قائمة دائماً على الشفافية، “بل خضعت لمنطق المحسوبية والاستقطاب الحزبي”، وهو ما حرم، بحسب قوله، عدداً من الشباب الذين قدموا مشاريع ودراسات جدوى من فرص الاستفادة.
ويرى أن برنامج التشغيل الذاتي “ظل في المجمل تفتقر إلى سياسة عمومية مندمجة قادرة على توفير شروط نجاح المقاولات الصغيرة وضمان استمراريتها”.
سوق شغل لا يوفر الكرامة
ويعتبر أربيب أن الإشكال لا يرتبط فقط بندرة فرص العمل، وإنما أيضاً بطبيعة الوظائف المتاحة.
ويشير إلى أن قطاع التعليم ظل، خلال السنوات الأخيرة، أكبر مشغل للشباب عبر نظام التعاقد، في حين تعرف باقي قطاعات الوظيفة العمومية محدودية في التوظيف، موضحاً أن بعض القطاعات “لا توفر سوى أعداد محدودة جداً من المناصب سنوياً، بينما يذهب جزء مهم من مناصب الوظيفة العمومية إلى قطاعات الداخلية والأمن”.
أما القطاع الخاص، فيرى أنه بدوره يعيش صعوبات متزايدة بسبب الأزمة الاقتصادية وتداعيات الجفاف، وهو ما يدفع عدداً من المقاولات إلى تقليص اليد العاملة.
ويستشهد، في هذا السياق، بالمناطق الصناعية بطنجة، حيث يقول إن عدداً متزايداً من الشباب أصبح يرفض العمل في مصانع “الكابلاج”، رغم المكانة التي يحتلها المغرب في صناعة مكونات السيارات، بسبب ظروف العمل التي يصفها بالقاسية، و”التي قد تمتد إلى 16 ساعة يومياً مقابل أجور لا تضمن الحد الأدنى من الكرامة”.
كما يستحضر ما أورده والي بنك المغرب بشأن هيمنة القطاع غير المهيكل، معتبراً أن نحو 85 في المائة من اليد العاملة تشتغل خارج الاقتصاد المنظم.
ويربط أربيب بين تصاعد الرغبة في الهجرة وتراجع القدرة الشرائية، مشيراً إلى أن موجة الغلاء التي عرفتها السنوات الأخيرة عمقت من الإحساس بالأزمة.
ويضرب مثالاً بارتفاع أسعار عدد من المواد الأساسية، من بينها اللحوم، معتبراً أن قيمة الدعم الاجتماعي المباشر، التي تبلغ في بعض الحالات 500 درهم، “لا تكفي لتغطية مصاريف أساسية مثل الكراء أو فواتير الماء والكهرباء”، ويصفها بأنها “فتات” لا يعالج الأزمة الاجتماعية.
كما يستحضر معطيات المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، التي تشير إلى أن 70 في المائة من الأجراء لا يستفيدون من التغطية الصحية أو من نظام للضمان الاجتماعي.
مشاريع كبرى وهجرة مستمرة
ويرى أربيب أن المشاريع الكبرى التي يجري الترويج لها، مثل البنيات التحتية والملاعب والقطار فائق السرعة، لم تنعكس، في نظره، “على خلق فرص شغل مستقرة أو تحسين أوضاع الشباب”، معتبراً أن المستفيد الأكبر منها هي الشركات الكبرى والمتعددة الجنسيات.
ويضيف أن هذا الواقع جعل الهجرة، بالنسبة إلى عدد متزايد من الشباب، بل وحتى بعض القاصرات، تتحول إلى الخيار الوحيد بحثاً عن مستقبل أفضل، مشيراً إلى أن “عدداً منهم بات مطلعاً على القوانين الأوروبية المنظمة للهجرة، وعلى الاجتهادات القضائية الإسبانية المتعلقة بالقاصرين والمهاجرين الذين يصلون بحراً”.
ويحذر من أن المغرب “أصبح يفقد جزءاً من طاقاته البشرية الشابة، في الوقت الذي تستفيد فيه دول أوروبية، مثل إسبانيا وإيطاليا، من هذه اليد العاملة في قطاعات الفلاحة والبناء”.
ويخلص المتحدث ذاته إلى أن الحكومة “لا تنجز شيئاً” بل هي “مجرد طرف يدير الأزمة”. ويتحدى الحكومة أن تفتح نقاشاً وطنياً حول السياسات الموجهة للشباب والنساء، مؤكداً فشل برامجها وغياب أي سياسة مندمجة حقيقية.
ويشدد أربيب على أن استمرار محاولات الهجرة نحو سبتة “لا يمكن عزله عن هذا الواقع الاجتماعي والاقتصادي”، معتبراً أن اتساع دائرة البطالة، وارتفاع تكاليف المعيشة، وضعف الحماية الاجتماعية، إلى جانب محدودية فرص الإدماج المهني، كلها عوامل “تجعل الهجرة غير النظامية خياراً يلجأ إليه عدد متزايد من الشباب”.
ويحذر من أن استمرار هذه الاختلالات، في غياب مراجعة شاملة للسياسات العمومية، سيؤدي إلى استمرار “نزيف هجرة الشباب والكفاءات”، داعياً إلى اعتماد سياسة دولة متكاملة تجعل من التشغيل والتعليم وتقليص الفوارق الاجتماعية أولويات حقيقية، بدل الاكتفاء، بحسب تعبيره، بإدارة الأزمة دون معالجة أسبابها البنيوية.
الهجرة تتجاوز حصيلة الحكومة
من جهته، يقدم المستشار الجماعي بجماعة الرباط عن فيدرالية اليسار الديمقراطي، فاروق المهداوي، قراءة مختلفة لظاهرة الهجرة، إذ يعتبر أن النقاش لا ينبغي أن ينحصر في تقييم أداء الحكومة الحالية، “بل في طبيعة النظام السياسي والحكامة التي أفرزت هذا الواقع”.
ويؤكد المهداوي أن الهجرة في الأصل “حق من حقوق الإنسان”، معتبراً أن حق أي شخص في مغادرة بلده يبقى حقاً مشروعاً، بينما “جاءت الحدود في إطار ما يفرضه القانون الدولي المرتبط بمفهوم سيادة الدول”.
ويرى أن موجة الهجرة الحالية “لا تقتصر على الشباب العاطل عن العمل، بل تشمل أيضاً الأطر والكفاءات المغربية”، وهو ما يعتبره دليلاً على أن الدوافع تتجاوز الجانب الاقتصادي المباشر.
ويقول في حديث مع صحيفة “صوت المغرب” إن هذه الظاهرة “ليست نتيجة سياسة الحكومة الحالية فقط”، بل تعكس، بحسب تعبيره، “سياسة بنيوية داخل الدولة فشلت في تقديم إجابات واقعية وموضوعية للأزمة التي يعيشها المغرب”.
ويشدد المهداوي على أنه لا يعفي الحكومة من المسؤولية، معتبراً أنها تمثل امتداداً لهذا الواقع، لكنه يرى أن جذور المشكلة “أعمق من الولاية الحكومية الحالية”، وترتبط، حسب قوله، ببنية النظام السياسي وآليات اشتغاله.
ولا يربط المتحدث الهجرة بالفقر وحده، مؤكداً أن كثيراً من الشباب لا يغادرون البلاد فقط بسبب الوضع المادي، بل أيضاً بسبب غياب الكرامة والحرية. ويقول في هذا السياق إن “السؤال لم يعد يتعلق فقط بتوفير لقمة العيش، وإنما أيضاً بتوفير شروط الكرامة والحقوق والحريات”، معتبراً أن النظام السياسي “لم يستطع الاستجابة لتطلعات المغاربة”.
ويعتبر المهداوي أن الهجرة تمثل، في هذا السياق، “حلاً عادلاً ومشروعاً” بالنسبة لفئات واسعة من الشباب، مضيفاً أن الأزمة “تتجاوز قدرة الحكومة على معالجتها، لأنها مرتبطة بمشكلة بنيوية تمتد من أعلى هرم الدولة إلى أسفله”.
ويحذر المتحدث من أن استمرار الضغوط الاجتماعية والسياسية قد يؤدي إلى نتائج أكثر خطورة، مستحضراً قاعدة “الضغط يولد الانفجار”، معتبراً أن استمرار التضييق على الشباب، والاعتقالات، وتراجع مناخ الحريات، كلها عوامل قد تجعل الأزمة “أعمق بكثير من مجرد ارتفاع محاولات الهجرة غير النظامية”.