معركة وادي المخازن الثانية
إحساس كبير وثقيل بالعجز ينتاب المرء أمام ما تعيشه مدينة القصر الكبير، لأن القصة هنا ليست أمطارا قوية وحسب. ما يجري في هذه المدينة في الساعات الأخيرة هو ذلك النوع من الوقائع التي تُبدِّل ترتيب الأشياء داخل الإنسان.
البيت الذي كان سقفا وأمانا يصير فخا مائيا، والشارع الذي كان طريقا لجلب المنافع، يصير ممشى للخروج الأخير قبل أن تحتلّه السيول، والمدينة التي كانت عادية بالأمس تصبح فجأة عنوانا لملحمة إخلاء كاملة.
إنها معركة وادي المخازن الثانية، وهذه ليست استعارة للتزيين البلاغي، بل وصفٌ لمعركة تٌخاض مرة أخرى عند التخوم نفسها تقريبا، لكن ضد خصم لا تُقنعه الخطابات ولا تُهزمه الشعارات اسمه الخوف. فالماء، حين يملأ سدوده ومجاريه، يصير جيشا بلا رايات، يتقدّم في مجراه الكبير كما لو كان يستعيد حقّه القديم في الأرض، ويضع مدينة كاملة أمام خيارين لا ثالث لهما: الإخلاء أو المقامرة بالحياة.
لهذا يبدو مشهد القصر الكبير وهي تُفرَّغ من سكّانها، كأنه فصلٌ جديد من تاريخ المعارك، فقط السلاح هذه المرة ليس سيوفا ولا بارودا، بل خوفٌ جماعيٌّ من الغرق.
نحن أمام مشهد ثقيل وخطير وغير مسبوق في التاريخ الحديث للمغرب. أكثر من 100 ألف شخص باتوا معنيين بالرحيل بعدما تقرر إخلاء المدينة بالكامل. وفي قلب هذا المشهد، هناك ما لا تلتقطه الأرقام: تلك الصدمة النفسية التي تحدث حين يُطلب منك أن تُغادر، كيف وإلى أين؟ المهم أن تغادر كي لا تموت!
لنتخيل أما في حيّ شعبي، تحمل رضيعها الذي لا يعرف معنى الإنذار ولا النشرات البرتقالية ولا الحمراء، يعرف فقط الحليب والدفء والرائحة المألوفة للبيت. في لحظة واحدة، تُطلب منها مغادرة المكان. لا وقت لقنينة الحليب الاحتياطية، ولا لتجهيز حفاضات تكفي ليلتين أو ثلاث، ولا وقت لأدوية الرشح ولا مناديل التنظيف، ولا حتى بطانية تُغطي جسدا صغيرا لا يحتمل برد فبراير.
تخيّل هذه الأم وهي تخرج حاملة أهم ما تملك، وهو طفلها، لكنها تترك خلفها أهم ما تحتاجه لهذا الطفل: لوازم العناية والأمان. في الخارج بردٌ وريحٌ ومطر وأوحال وصراخ، والأسئلة التي يتردد صداه في الأذهان هي “أين سننام بعد ساعة؟” و”كيف سيبقى هذا الرضيع دافئا إذا طال الانتظار؟” و”من أين سأشتري ما يلزمه إذا كانت المدينة تُغلق على نفسها كغرفة طوارئ والسوق لا يرحم؟”.
على إثير الإذاعات سمعت أصوات الأمهات تشتكين جشع مؤجري غرف المبيت، وغلاء البصل والطماطم والبطاطس في الأسواق.
لنفكّر أيضا في ذلك المسنّ الذي لا يقوى على الحركة، جسده له توقيت خاص، واحتياجاته ليست مجرد تفاصيل يمكن تأجيلها. إنه يحتاج مرحاض البيت لأن جسده لا يرحم، ويحتاج دواء الضغط في ساعة محددة، ويحتاج مقعده الذي يعرف انحناءة ظهره.
الإخلاء لا يعني “الخروج” فقط، والمشكلة لا تحلّ بتوفير حافلة أو قطار، بل يعني الانتزاع من نظام حياة هشّ أصلا، ثم مطالبة هذا الإنسان بأن يتأقلم في خيمة أو قاعة أو حافلة.
والأطفال؟ هؤلاء الذين كانوا على موعد مع نهاية عطلة وبداية دفاتر جديدة. فجأة تصبح العودة ليست إلى القسم، بل إلى حافلة الإجلاء. يصبح الدفتر أقل قيمة من البطانية، والكتاب أقل أولوية من سندويتش سريع، والحقيبة المدرسية تُستبدل بأكياس بلاستيكية.
هذا التحول القاسي في مسار الطفولة، من فصل دراسي إلى مركز إيواء، هو ما يجب أن يوقظ فينا شيئا أعمق من الشفقة. الكوارث لم تعد خبرا بعيدا، بل احتمالا قريبا يتسلّل إلى جدول العائلة وإلى زمن المدرسة، ويقلب المعاني رأسا على عقب. وجائحة كورونا ليست عنا بالبعيدة.
جزء من تفسير ما يحصل خلال الساعات الأخيرة مرتبط بتراكم تساقطات مطرية قوية في الشمال، وبوصول سد وادي المخازن إلى مستويات قصوى استدعت تفريغا استباقيا منذ 24 يناير الماضي، بما يعنيه ذلك من ضغط إضافي على وادي اللوكوس الذي كان أصلا على حافة الامتلاء.
ومع توقع استمرار أحوال جوية ممطرة ورياح قوية خلال الأيام القليلة المقبلة في مناطق الشمال، بما فيها وزان وشفشاون، فإن معنى الإخلاء يصبح قرارا إنسانيا لتقليل الخسائر قبل أن تقع، بما أن هامش المناورة أصبح ضيقا.
تساءلت في مقال أمس، وأجدني مسكونا بالسؤال نفسه: إذا كانت الدولة تتحرك بأقصى ما يسمح به منطقها التدبيري، ماذا عن المجتمع؟ هل صار دوره أن يراقب الدولة ويقيّم أداءها ثم يكتب التعليقات؟ أم أن التضامن الوطني ليس ترفا أخلاقيا، بل جزء من الانتماء الإنساني؟
قديما كانت البلاد تهتزّ بأشكال تعبير معنوية، كانوا يقرؤون القرآن ويردّدون “اللطيف”… واليوم، يحقّ لنا أن نتساءل هل نحن أقل تماسكا أم أكثر تشتيتا؟ هل صرنا نعيش الكارثة مثل بث مباشر، ونكتفي بأن نُصفّق حين تنجو الأرواح ثم نترك الناجين وحدهم يواجهون قسوة التفاصيل؟
ثم تأتي الأسئلة التي لا تحبّها الأخبار العاجلة لأن الأعراف تقضي ألا تُقال في لحظة الهلع، لكنها يجب تُقال كي لا تتكرر لحظة الهلع نفسها: كيف بُنيت أحياء كاملة قرب مجاري الأودية أو في أحواض استقبال المياه؟ هل لدينا خرائط مائية مُحيّنة ومُعلنة تُوجّه التعمير بدل أن تلحقه؟ أين مراكز الإيواء الدائمة المقاومة للبرد والمطر والحر، بدل إعادة إنتاج الخيام كل مرة؟ كيف تُجهَّز طرق النجدة والإسعاف، وكيف يُخطط لمواقع المراكز الطبية حين تصبح بعض المحاور غير سالكة؟ وأين هي الجاهزية المالية للمواطن حين تُغلق البنوك أو تختفي السيولة في لحظة ضغط؟
الكارثة الحقيقية هي أن يستمر تخطيطنا وكأن ما يحدث استثناء نادر، بينما المؤشرات تقول إن التطرف الجوي يتقدم، وإن الحدث غير المسبوق قد يصير درسا متكررا.
والخلاصة التي تهمّنا، بعيدا عن متابعة ما يجري كأنه مسلسل، أن مدينة كاملة تُختبر الآن في أمنها وكرامتها ومعناها. وإذا كانت الدولة تقوم بواجب الإنقاذ، فواجبنا نحن أن نرفع السقف، وأن نُحوّل التعاطف إلى فعل منظم، وأن نجعل التضامن أكبر من البلاغات، وأصدق من الصور، وأقوى من ردود الفعل الآنية.
القصر الكبير اليوم هي مستقبل كل مدينة إذا واصلنا التعامل مع التخطيط والتضامن كترف. والملحمة التي تُكتب الآن، ملحمة إخلاء مدينة كاملة بلا انفلات كبير، لا يجب أن تنتهي بخيمة تُطيل عمر الوجع، ولا بذاكرة تُطوي المشهد كما لو كان فيلما.
إنها لحظة امتحان.. إمّا أن نصير مجتمعا يشارك في الإنقاذ، أو نبقى جمهورا يصفق للنجاة ثم يترك الناجين وحدهم… تماما كما تُرك جزء من ضحايا زلزال الحوز.