معركة استباقية ضد العزوف.. الأحزاب والداخلية يرفعان منسوب التعبئة قبل الانتخابات
بدأت ملامح الحملة غير المعلنة للانتخابات التشريعية المقبلة تتشكل مبكرا، ليس عبر التنافس حول البرامج أو التحالفات، بل من خلال معركة تبدو أكثر إلحاحا بالنسبة للدولة والأحزاب على حد سواء، تتمثل في إقناع المغاربة بالتسجيل والمشاركة في التصويت، في ظل تصاعد المخاوف من استمرار العزوف الانتخابي وتراجع الثقة في الفعل السياسي والمؤسسات المنتخبة.
وخلال الأسابيع الأخيرة، توالت المبادرات الحزبية والرسمية التي تحمل رسائل مباشرة أو ضمنية تدعو المواطنين، وخاصة الشباب، إلى الانخراط في العملية الانتخابية، في وقت يتزايد فيه النقاش السياسي والإعلامي حول “أزمة المشاركة” واحتمال تسجيل نسب تصويت ضعيفة كما حدث في محطات سابقة.
المعارضة تدخل مبكرا على خط التعبئة
كان لافتا أن أحزابا معارضة اختارت جعل الدعوة إلى المشاركة السياسية جزءا أساسيا من خطابها في أنشطتها الأخيرة، في محاولة لاستعادة جزء من الثقة المفقودة بين المواطنين والعمل الحزبي.
وفي هذا الإطار، خصص حزب العدالة والتنمية جزءا مهما من مهرجان خطابي نظمه نهاية الأسبوع للتأكيد على “ضرورة المشاركة السياسية وعدم ترك المجال فارغا”، حيث اعتبر عبد الإله ابن كيران، الأمين العام للحزب، أن “الإصلاح يمر عبر المؤسسات”، داعيا المواطنين إلى “عدم الاستسلام لليأس أو العزوف”.
وربط ابن كيران بين ضعف المشاركة وبين ما وصفه بـ”تراجع النقاش السياسي الحقيقي”، معتبرا أن استعادة الثقة تتطلب “عودة السياسة إلى مركز الاهتمام العمومي”، في تصريحات حملت رسائل موجهة إلى الناخبين وإلى الدولة في الآن نفسه، كما وجه الحزب رسائل “عتاب” للدولة، بإثارة قضية حذف مواطنين من اللوائح الانتخابية.
بدوره، اختار حزب التقدم والاشتراكية توجيه رسائل مماثلة خلال مهرجان سياسي نظم مؤخرا، حيث شدد قادته على أن المشاركة في الانتخابات “ليست فقط حقا دستوريا، بل وسيلة للتأثير في السياسات العمومية”، محذرين من أن استمرار العزوف “يفتح المجال أمام مزيد من ضعف الوساطة السياسية”.
ودعا الحزب إلى “إعادة الاعتبار للعمل السياسي والحزبي” عبر تعزيز الثقة في المؤسسات المنتخبة وربط المسؤولية بالمحاسبة، معتبرا أن جزءا من الأزمة الحالية مرتبط بشعور فئات واسعة بأن نتائج الانتخابات لا تنعكس بشكل ملموس على أوضاعها اليومية، كما أطلق الحزب حملة رقمية، لحث الشباب على التسجيل في اللوائح الانتخابية
الداخلية تدخل على خط “التعبئة الإعلامية“
في المقابل، تبدو وزارة الداخلية واعية بحجم التحدي المرتبط بنسبة المشاركة، وهو ما يفسر التحركات التي باشرتها خلال الفترة الأخيرة في اتجاه التحضير لحملة تحسيسية واسعة.
وفي هذا السياق، عقدت الوزارة لقاءات مع مسؤولي وممثلي وسائل الإعلام العمومية وشبه العمومية، دعت خلالها إلى الانخراط في جهود التوعية بأهمية التسجيل في اللوائح الانتخابية والمشاركة في التصويت، باعتبار ذلك “رهانا وطنيا مرتبطا بتعزيز المسار الديمقراطي”.
وتقول وزارة الداخلية إن الاجتماع استعراض التدابير والإجراءات الواجب اتخاذها من قبل وسائل الإعلام العمومية بهدف المساهمة في تهيئة المناخ الملائم لتحفيز المواطنات والمواطنين، خاصة فئة الشباب، داعية إلى أهمية بلورة خطاب ما وصفته بـ”الخطاب التحسيسي الملائم”، وإشراك الأحزاب السياسية في العملية التواصلية.
ويأتي اجتماع الداخلية بوسائل الإعلام الرسمية، في الوقت الذي توجه فيه المعارضة انتقادات شديدة اللهجة لهذه المؤسسات، متهمة إياها بالغياب عن المشهد، ومنه ما كان قد جاء عل ىلسان نائب الأمين العام لحزب العدالة والتنمية إدريس الأزمي، في مهرجان نهاية الأسبوع الماضي في مدينة الدار البيضاء.
أرقام المشاركة تعيد القلق إلى الواجهة
ويعيد هذا الحراك السياسي والمؤسساتي النقاش حول الأرقام المرتبطة بالمشاركة الانتخابية خلال السنوات الأخيرة، والتي ظلت موضوع جدل واسع بين من يعتبرها “مقبولة” ومن يراها مؤشرا على أزمة ثقة متفاقمة، حيث بلغت نسبة المشاركة الرسمية في الانتخابات التشريعية الأخيرة سنة 2021 حوالي 50.18 في المائة وفق ما أعلنته وزارة الداخلية بعد إغلاق مكاتب التصويت.
ورغم أن الملايين من المغاربة مسجلون في اللوائح الانتخابية، فإن نسب المشاركة الفعلية في التصويت غالبا ما تظل أقل من التوقعات، خاصة في المدن الكبرى وفي صفوف الشباب.
كما تشير تقارير ودراسات سياسية إلى وجود فجوة متزايدة بين المواطنين والمؤسسات التمثيلية، في ظل شعور جزء من الناخبين بأن الانتخابات لا تؤدي إلى تغييرات حقيقية في السياسات العمومية أو في الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية.
ويعتبر متابعون أن هذا المعطى يفسر انتقال النقاش السياسي تدريجيا، من التنافس حول البرامج إلى التركيز على مسألة المشاركة نفسها، باعتبارها التحدي الأول قبل أي رهان انتخابي آخر.
المعارضة: انتخابات “بلا رهانات سياسية“
وفي مقابل الدعوات الرسمية والحزبية للمشاركة، تواصل أحزاب معارضة توجيه انتقادات للمناخ السياسي الحالي، معتبرة أن أحد أسباب العزوف يتمثل في “غياب رهانات سياسية حقيقية” قادرة على تعبئة المواطنين.
وتتهم مكونات من المعارضة الأغلبية الحكومية الحالية بإضعاف النقاش السياسي وتحويله إلى نقاش تقني وتدبيري، مقابل تراجع النقاش المرتبط بالاختيارات الكبرى والبرامج المجتمعية.
كما ترى هذه الأحزاب أن المواطنين فقدوا جزءا من اهتمامهم بالعملية الانتخابية بسبب ما تعتبره “تشابها في الخطابات والوعود” وضعفا في ربط المسؤولية بالمحاسبة، وهو ما ينعكس، بحسبها، على نسب الثقة والمشاركة.
في المقابل، ترد الأغلبية بأن الانتخابات تظل الآلية الديمقراطية الأساسية للتغيير والتداول، وأن العزوف لا يمكن مواجهته إلا عبر مزيد من الانخراط السياسي والمؤسساتي، وليس عبر خطاب التشكيك.
70% من الشباب بلا ثقة في المنتخبين
ويأتي الاستعداد للانتخابات والسعي نحو إشراك الشباب فيها، في ظل توالي التقارير التي ترصد تزايد الهوة بين الشباب والسياسة، كان آخرها ما كشفه تقرير وطني حديث صادر عن جمعية “المواطنون” من اتساع رقعة أزمة الثقة بين الشباب المغربي والمؤسسات المنتخبة، حيث عبر 7 من كل 10 شباب عن عدم ثقتهم في المنتخبين أو في المؤسسات الرسمية، في مؤشر يعكس، وفق التقرير، تراجعا مقلقا في الإقبال على الفعل السياسي التقليدي، وتنامي شعور عام بعدم جدوى المشاركة داخل الأطر المؤسساتية القائمة.
ويرى التقرير أن هذا المعطى لا يترجم فقط موقفا سلبيا من السياسة، بل يكشف تحولا أعمق في علاقة الشباب بالشأن العام، إذ يتجه جزء واسع منهم إلى أشكال بديلة من التعبير والمشاركة، خصوصا عبر الفضاء الرقمي، في مقابل تراجع الانخراط في القنوات التقليدية كالأحزاب والانتخابات والهيئات التمثيلية، كما يشير المصدر ذاته إلى أن ضعف الأثر الملموس للسياسات العمومية، وصعوبة التواصل مع المنتخبين، يظلان من أبرز العوامل التي تغذي هذا الانسحاب التدريجي من الفضاء العام، إلى جانب الإحساس المتنامي بأن الشباب يتعامل معهم كفئة مستهدفة بالتأطير بدل اعتبارهم شركاء في القرار.
وفي السياق نفسه، يبرز التقرير أن هذا التراجع في الثقة يتزامن مع حضور رقمي قوي للشباب في النقاش العمومي، مقابل ضعف واضح في تجاوب المؤسسات مع هذا الفضاء، ما يعمق فجوة التواصل ويزيد من حدة الإحساس بالانفصال بين المواطن والمؤسسات.