مطالب برفع عدد أعضاء مجلس النواب يشعل جدلًا مع اقتراب الانتخابات

مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية في المغرب، يبرز على الساحة السياسية نقاش محتدم حول تعديل بعض القوانين التنظيمية المرتبطة بانتخابات مجلس النواب، بحيث طرح العديدون مقترحات تهدف إلى الرفع من عدد أعضاء مجلس النواب البالغ 395 عضوا، ضمن محاولات “لتعزيز التمثيل البرلماني وتوسيع مشاركة فئات معينة كالنساء والشباب”.
وفي السياق، اعتبر أستاذ العلوم السياسية بجامعة أبي شعيب الدكالي بالجديدة، عبد الغني السرار، أن مبادرة بعض الأحزاب السياسية الرامية لتعديل القانون التنظيمي لمجلس النواب بهدف رفع عدد أعضائه إلى أكثر من 395، لن تحل الإشكاليات البنيوية القائمة.
إشكاليات البنيوية
وقال السرار في تصريح لصحيفة “صوت المغرب” إن هذا المقترح قد يكون مدفوعًا بأسباب أخرى لا علاقة لها برفع كفاءة الأداء البرلماني، بل يعود إلى ضغوط من التنظيمات الموازية للأحزاب، خاصة الشبيبات الحزبية والتنظيمات النسائية، التي تطالب بزيادة حصتها وحضورها في مجلس النواب.
وأضاف أن هذا المقترح يظل حلًا تقنيًا مرحليًا، ولن يكون قادرًا على معالجة الإشكاليات العميقة المرتبطة بكفاءة العمل البرلماني.
وأشار المتحدث إلى أن هناك عدة تدابير قانونية سابقة لضمان تمثيلية الشباب والنساء، من بينها، اللائحة الوطنية للشباب ضمن القانون التنظيمي لمجلس النواب لعام 2011، وتعزيزها بموجب المادة 23 من القانون التنظيمي رقم 20.16 لسنة 2016، واللائحة الجهوية للنساء في الانتخابات التشريعية لعام 2021، حيث تُخصص المرتبتان الأولى والثانية لكل لائحة للنساء، مع إبقاء حق الترشح للدوائر المحلية مفتوحًا بموجب المادتين الأولى و23 من القانون التنظيمي رقم 04.21 لعام 2021.
وأكد الأستاذ الجامعي أن أي محاولة لزيادة تمثيلية الشباب والنساء داخل البرلمان يجب أن تبقى ضمن هذه التدابير القانونية، مع إمكانية تعديلها أو تعزيزها، دون الحاجة إلى رفع العدد الحالي للنواب، الذي يعاني أصلاً من التضخم.
وفي سياق متصل، أشار أستاذ العلوم السياسية إلى النقاش العمومي حول أداء النواب البرلمانيين، موضحًا أن وجود عدد كبير من النواب لا ينعكس بالضرورة على جودة العمل، خاصة في ظل استفراد الحكومة بالمبادرة التشريعية واستغلال أغلبيتها العددية لتمرير مشاريعها القانونية، بينما يبقى حضور النواب شكليًا في بعض الأحيان.
وأكد السرار أن تحسين جودة العمل البرلماني وكفاءته وحكامته يقع على عاتق الأحزاب السياسية أولاً، من خلال، منح التزكيات للكفاءات بدل الأعيان، واختيار مرشحين ذوي مستوى تعليمي عال وتجربة سياسية داخل أجهزة الحزب.
ومن جانب آخر، أشار الأكاديمي إلى أن البرلمان المغربي يعاني في الأصل من أزمة بنيوية على مستوى ممارسة اختصاصاته الدستورية، خاصة في ما يتعلق بالتشريع والرقابة والأدوار المالية والدبلوماسية، لافتا إلى أن الإحصائيات الرسمية بعد انتخابات 2021 أظهرت أن 132 نائبًا لا يتوفرون على شهادة البكالوريا، و109 على مستوى تعليمي ثانوي فقط، و21 لا يتجاوز تعليمهم الابتدائي.
وأبرز السرار أن هذه الإشكالية تضاف إليها مشكلة غياب النواب عن الجلسات العمومية، مما يؤدي إلى فقدان الثقة في العمل البرلماني، خاصة عند تمرير الحكومة لبعض النصوص القانونية المتعلقة بالحقوق والحريات العامة، والتي تمر غالبًا في ظل غياب كبير لممثلي الأمة الذين يفترض فيهم الدفاع عن مصالح المواطنين وضمان الجودة والحكامة التشريعية عبر مناقشتها وإدخال التعديلات الضرورية.
“مبرر معقول”
ومن جهته، اعتبر الأستاذ الحسن أشهبار، أستاذ القانون الدستوري بالكلية متعددة التخصصات بتازة، أن الاقتراح المتعلق بزيادة عدد أعضاء مجلس النواب إلى ما يتجاوز السقف الحالي يثير نقاشًا عميقًا حول مشروعيته الدستورية وجدواه السياسية والمردودية العملية.
وأوضح أشهبار، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، أن “الدستور يربط المسؤولية بالمحاسبة ويؤكد على مبادئ الحكامة الجيدة وترشيد المالية العمومية، كما ينص على أن تفاصيل عدد الأعضاء ونظام الانتخاب تضبطها القوانين التنظيمية التي تخضع لمراقبة المحكمة الدستورية قبل إصدارها، ومن تم، فإن الشرعية الشكلية للتعديل غير كافية ما لم تكن هناك أسباب موضوعية تتعلق بالتمثيل العادل والنجاعة المؤسساتية”.
وأشار الأستاذ الجامعي إلى أنه إذا كان الهدف من الزيادة هو تصحيح اختلالات تمثيلية ناتجة عن تفاوت سكاني أو توسع عمراني غير متكافئ، “فقد يشكل ذلك مبررًا معقولًا”، مبرزا أن جزءًا كبيرًا من هذه الاختلالات يمكن معالجته عبر إعادة توزيع المقاعد بين الجهات وتحيين الخريطة الانتخابية ضمن العدد الحالي، بحيث أن ضمان القيمة الحقيقية للصوت الانتخابي يعتمد على إصلاحات تقنية تتعلق بحجم الدوائر وآليات توزيع المقاعد أكثر من مجرد زيادة العدد الكلي.
وعلى المستوى السياسي، لفت أشهبار إلى أن التوسع العددي قد يضاعف الإشكاليات القائمة مثل غياب أو ضعف أداء اللجان، كما أن المواطن قد يفسر هذه الزيادة على أنها امتياز حزبي ونخبوي، مما يزيد من أزمة الثقة بين المجتمع والمؤسسات، خاصة في ظل نسب مشاركة انتخابية ضعيفة وانتقادات مستمرة للغياب البرلماني، ومن تم، فإن أي خطوة في هذا الاتجاه يجب أن تواكبها إصلاحات تعزز المهنية وتدعم الموارد البشرية والتقنية للجان وتمنحها صلاحيات أوسع في تتبع السياسات العمومية.
أما على المستوى المالي، يقول المتحدث، “إن كل مقعد إضافي يعني تكلفة جديدة في التعويضات والامتيازات والوسائل اللوجستية، ومنطق الدستور يقتضي إجراء دراسة أثر مالية ومؤسساتية قبل اتخاذ القرار، توازن بين الكلفة والجدوى وتقارن بين البدائل الممكنة”، مشيرا إلى أن هناك حلولا أقل كلفة وأكثر نجاعة مثل رقمنة المساطر، ونشر البيانات المفتوحة حول عمل النواب، وتفعيل الجزاءات ضد الغياب، وربط جزء من التعويضات بمردودية العمل التشريعي والرقابي.
وأضاف أن التمثيل الأوسع للمرأة والشباب والتمثيل الترابي يمكن تحقيقه بوسائل أخرى داخل السقف الحالي، عبر تطوير نظام اللوائح الجهوية، وإعادة النظر في قواعد تمويل الحملات، وضمان تناوب فعلي على رؤوس اللوائح، مع الحفاظ على الحياد المؤسساتي في العملية الانتخابية.
وأكد المصدر أن تقييم وجاهة الزيادة لا يمكن إلا عبر مؤشرات دقيقة لقياس الأداء خلال ولاية برلمانية كاملة، مثل نسب الحضور، وعدد المقترحات ذات الأثر الفعلي، وجودة التقارير، ومدى التزام الحكومة بالإجابة على الأسئلة، موضحًا أنه إذا تبين أن الخلل مرتبط بضعف المردودية لا بضيق التمثيل، تنتفي الحاجة إلى الزيادة، أما إذا أظهرت المعطيات وجود مظالم تمثيلية فعلية لا يمكن معالجتها إلا بتوسيع عدد المقاعد، “فإن ذلك يصبح خيارًا مشروعًا لكنه مشروط بإصلاحات مؤسساتية ومحاسبة دقيقة”.
وخلص الأستاذ الجامعي إلى أن رفع عدد أعضاء مجلس النواب ليس هدفًا في ذاته، بل وسيلة استثنائية، مؤكدا أن الأولوية الحالية هي تعظيم النجاعة داخل السقف الحالي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وتجسيد مبادئ الحكامة الجيدة، بما يجعل البرلمان مؤسسة فاعلة وذات مصداقية أمام المجتمع.
قيود عملية ومؤسسية
من جانبها، أكدت الباحثة في القانون الدستوري والعلوم السياسية، مريم ابليل، “أن رفع عدد أعضاء مجلس النواب في الوقت الراهن غير ممكن”، مشيرة إلى أن الدستور لم يحدد عدد المقاعد بدقة، على عكس مجلس المستشارين الذي يتراوح عدد أعضائه بين 90 و120 عضوًا، إذ يتم تحديد العدد بدقة في القانون التنظيمي، وبالتالي يبقى القرار بيد البرلمان وبشكل عملي بيد الأغلبية التي تمتلك القدرة على تمرير أي مقترح.
وقالت ابليل، في تصريح لصحيفة “صوت المغرب”، إن هذا المقترح يمكن مناقشته على المدى البعيد أي في المستقبل وليس في الانتخابات القادمة، موضحة أن “العدد الحالي قد يكون غير كافٍ مقارنة بعدد المواطنين إذا ما تحمّل النواب كامل مسؤولياتهم”، مؤكدة أن تجارب دولية يمكن الاستفادة منها لتحديد العدد المناسب، “إلا أن البنية العملية لمجلس النواب لا تسمح حاليًا بأي زيادة في العدد”.
وأشارت الباحثة إلى أن مساحة مجلس النواب صغيرة جدًا والمكاتب المخصصة للأعضاء محدودة حتى على مستوى المباني الخارجية والمراكز البحثية، ولا تتوفر على الإمكانيات نفسها الموجودة بقبة البرلمان بشارع محمد الخامس، “حيث توجد دائمًا إشكالات في توزيع المكاتب والمساحات حسب الفرق والمجموعات النيابية”، مضيفة أن بعض النواب الذين لا ينتمون إلى أي فرق أو مجموعات نيابية “لا يمتلكون مكتبًا مخصصًا لاستقبال المواطنين أو للعمل، بل يكتفون بمساحات عامة مشتركة”.
من جانب آخر، أوضحت ابليل أن البنية الإدارية للمجلس لا تمتلك الهيكل الكافي لدعم النواب وتمكينهم من أداء مهامهم التشريعية والرقابية بشكل فعال، مشيرة إلى أن الأحزاب غير جاهزة والنخب السياسية التي تنتجها غير كافية، ولا توجد تنافسية كافية، “ما يجعل أي زيادة في عدد المقاعد مرتبطة بقدرة الأحزاب على إنتاج نخب سياسية مؤهلة”.
وأكدت المتحدثة أن مقترح الرفع من عدد أعضاء مجلس النواب، إذا كان يهدف فقط لدعم بعض الأحزاب، “فقد يكون الدافع وراءه الحفاظ على المقاعد المخصصة للنساء أو خلق مقاعد إضافية للنساء الشابات، بدلاً من معالجة مشكلة تنظيمية أو تمثيلية حقيقية”، معتبرة أن الأولوية في المرحلة الحالية يجب أن تعطى لتعزيز الكفاءة المؤسساتية والبنية الإدارية والهيكل التنظيمي لمجلس النواب قبل التفكير في أي زيادة في عدد المقاعد.