مطار غزة الدولي.. المنشأة التي بناها المغاربة وأنكرتها منصات غربية
برزت مؤخرًا محاولات لطمس معالم سيادية فلسطينية كانت يومًا ما نافذة قطاع غزة نحو العالم. فبينما كانت قناة “سكاي نيوز” البريطانية تروّج لخطط دونالد ترامب لإعادة إعمار غزة، سقطت في فخ “التضليل التاريخي” بادعائها أن القطاع لم يمتلك يومًا مطارًا، وهو ما أثار موجة استنكار واسعة في أوساط الرأي العام الفلسطيني.
جاء هذا الادعاء الإعلامي في سياق عرض مشروع لجاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، يقضي بإنشاء مطار جديد قرب الحدود المصرية.
وأظهرت شرائح عرض خاصة بخطط غزة عشرات ناطحات السحاب على طول الساحل المتوسطي، إلى جانب مجمّعات سكنية في مدينة رفح. كما عُرضت خريطة توضّح التطوير المرحلي لمناطق سكنية وزراعية وصناعية جديدة لخدمة سكان القطاع، البالغ عددهم 2.1 مليون نسمة.
وفي تقرير سكاي نيوز، وقفت المذيعة إلى جانب خريطة توضّح “الخطة الرئيسية”، وشرحت ما قاله ترامب بشأن نيته بناء مطار قرب الحدود المصرية، معتبرة أن المشروع سيمنح غزة “مركز نقل حديثًا ومطارًا لم يكن موجودًا من قبل”.
غير أن غزة كانت تمتلك بالفعل مطارًا قبل أن يتعرض للتدمير التدريجي بفعل الحروب العدوانية التي شنّتها الاحتلال الإسرائيلي على القطاع، إذ توقّف عن العمل سنة 2001 خلال الانتفاضة الفلسطينية الثانية.
وكان المطار يُعرف في مراحله الأخيرة باسم مطار ياسر عرفات الدولي، بعد أن كان يُسمّى سابقًا مطار غزة الدولي. وقد أُقيم قرب الحدود المصرية بين رفح ودهانية، وكان المقرّ الرئيسي لعمل الخطوط الجوية الفلسطينية.
لم يكن مطار غزة الدولي مجرد مهبط للطائرات، بل تحفة معمارية تحمل هوية عربية إسلامية واضحة. فقد كُلّف فريق من المهندسين المعماريين المغاربة، برئاسة المعماري أمين العوري، بتصميم المطار، بتوجيهات مباشرة من الملك الراحل الحسن الثاني.
وصُمم المطار على غرار مطار محمد الخامس الدولي في الدار البيضاء، ممزوجًا بجماليات العمارة الأندلسية المغربية. وقد ازدان المبنى بالزليج المغربي التقليدي والنقوش اليدوية، وتوّج بقبة ذهبية ترمز إلى قبة الصخرة في القدس، ليكون المطار رسالة سياسية بصرية بقدر ما هو مرفق مدني.
ورُبط المطار باتفاقية توأمة مع مطار محمد الخامس، وكانت أول طائرة حطّت على مدرجه تابعة للخطوط الملكية المغربية، في مشهد جسّد عمق الروابط التاريخية بين الرباط والقدس.
افتُتح مطار غزة الدولي، الذي سُمّي لاحقًا مطار ياسر عرفات الدولي، بتاريخ 24 نوفمبر 1998، في احتفال تاريخي حضره الرئيس الراحل ياسر عرفات والرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون.
وبلغت تكلفة المشروع نحو 80 مليون دولار، بتمويل دولي شاركت فيه اليابان ومصر والسعودية وإسبانيا وألمانيا. وبالنسبة لسكان غزة، كان المطار يعني “الكرامة”، إذ أغناهم عن مشقة السفر عبر مصر أو تركيا، ومنحهم شعورًا حقيقيًا بالاستقلال والسيادة.
غير أن هذا الرمز السيادي لم يرق للاحتلال الإسرائيلي؛ ومع اندلاع الانتفاضة الثانية عام 2000، بدأت عمليات الاستهداف الممنهج. وفي عام 2001، دمّرت القوات الإسرائيلية المدرج والمباني الرئيسية، ما أدى إلى توقف الملاحة الجوية بشكل نهائي.
وفي 12 ماي 2024، فجّر جيش الاحتلال الإسرائيلي، ما تبقّى من مطار غزة الدولي، في إطار حرب الإبادة الجماعية التي يشنّها على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023.
وأظهرت مقاطع فيديو جرى تداولها على شبكات التواصل الاجتماعي قيام قوات الاحتلال بزرع متفجرات داخل مبنى المطار وتفجيرها، في ظل تصاعد الهجوم العسكري على المنطقة التي لجأ إليها معظم الفلسطينيين النازحين من شمال ووسط القطاع. وبحلول ذلك الوقت، كانت المدرجات والمبنى الرئيسي قد تعرّضا لأضرار جسيمة، وكان المطار مهملًا لأكثر من عشرين عامًا.
ولم يكن المطار المنشأة المغربية الوحيدة التي دمّرها الاحتلال الإسرائيلي في حربه الأخيرة على غزة، إذ طال العدوان عددًا من المنشآت، من بينها تدمير عيادة لطب الأسنان في أبريل 2024 بقطاع غزة المحاصر، كانت قد جُهزت بدعم من أطباء أسنان مغاربة.
كما دمّرت قوات الاحتلال الإسرائيلي، في 8 دجنبر 2023، كلية الحسن الثاني للعلوم الزراعية والبيئية التابعة لجامعة الأزهر في بيت حانون شمال قطاع غزة، والتي أُنشئت بدعم مغربي.
وقد خلّف العدوان الإسرائيلي دمارًا شاملًا للمبنى، الذي كان يضم 16 قاعة دراسية و6 مختبرات ومكتبة، ما أدى إلى توقف الدراسة العملية وإجبار الطلبة على استكمال دراستهم النظرية عن بُعد.