مخاطر التدخل البري في إيران.. هل تتغلب عليها الولايات المتحدة الأمريكية؟
كثر الحديث في الساعات الأخيرة عن إمكان حدوث عملية برية ضد إيران، بالسيطرة على بعض أراضيها، خاصة على بعض الجزر ذات الأهمية الاقتصادية والجيوسياسي.. تأتي هذه العملية في ظل تعسّر الخروج من الحرب بنتائج إيجابية فعلية بالنسبة للأمريكيين و”الإسرائيلين”، وبغرض استكمال تنزيل أهداف الحرب، وأبرزها إضعاف النظام السياسي الإيراني في أفق إسقاطه واستبداله أو تغيير سياساته، وإيقاف مشروع التخصيب النووي وإنهاء خطره وتهديده..
مؤشرات عديدة تدل على اقتراب العملية، تصريحات ترامب والذي أحال في تغريدة له على محتوى رقمي يتحدث صاحبه عن تدخل بري في إيران، تصريحات المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء والتي توعد فيها بتحول مواقع السيطرة إلى مقابر للجنود الأمريكيين قبل أن يذكر الأمريكيين ببسالة الشعب الإيراني في تصريحات لاحقة، وهذا فضلا عن التحركات العسكرية الأمريكية بإرسال قوات متخصصة في هذا النوع من العمليات.. نفس الاستنتاج يمكن استشفافه من تخوف بعض القوى الإقليمية من سيناريوهات العملية الأمريكية المنتظرة، ما حملها على بحث سبل وقف إطلاق النار وتجنب اتساع دائرة الحرب. والحديث هنا عن اجتماع رباعي، في إسلام آباد اليوم الأحد (29 مارس 2025) ضم وزراء خارجية كل من باكستان وتركيا والسعودية ومصر.
العملية الأمريكية على أبواب التنفيذ، فماذا تعد لها إيران؟ هل تمتلك إيران أوراقا ضاغطة في مواجهة التدخل البري الأمريكي؟ إذا كانت الحرب البرية مواجهة ضد إيران، فما دخل تركيا والسعودية ومصر؟ هل الأمر أشبه بغزو العراق أم أن عناصر أخرى قد تقلب معادلة الهدف الأمريكي؟ هل يمكن أن يتحول التدخل البري في إيران إلى حرب إقليمية موسعة، أو إلى حرب دولية تشعل نار إنضاج النظام الدولي الجديد؟ إلى أي حدّ يعتبر التدخل البري خطيرا في رقعة تتسم بالهشاشة الجيوسياسية والقابلية لمختلف السيناريوهات؟
ليس الاشتباك مع الحرس الثوري بالأمر السهل، لكنه أيضا يشكل تحديا خطيرا لهذا الجهاز العسكري الخاص.. إذن، هناك غموض يلف هذا الاشتباك ستحسمه العمليات الميدانية.. فإذا طال أمد الاشتباك، استحال الداخل الإيراني مستنقعا لا للجيش الأمريكي فحسب، بل لمدة صمود الحرس الإيراني في حربه تستهدفه مباشرة، في قدرته العسكرية وسيطرته السياسية والاجتماعية.. إلى أي حد يفي التدخل البري بتطويق سيطرة الحرس الثوري، ومن ثم القضاء على قدراته الصاروخية البالستية، والسيطرة على مواقعه الاقتصادية والجيوسياسية الحيوية والرئيسؤية، والقضاء على طموحه النووي؟ هذه هي الأسئلة المطروحة على البنتاغون الأمريكي، وأرى أن ملفات ظلت وما زالت موضوعة على طاولة دارسيه.
فلنتحدث عن ثلاثة سيناريوهات في الموضوع:
-خطة محكمة تحقق أهدافها في مدة مقبولة لدى الأمريكيين؛ ويبقى هذا مجرد سيناريو إلى أن تتحقق القوات الأمريكية من مدى واقعيته ميدانيا. لن يخوض البنتاغون الأمريكي غمار هذا التحدي إلا بدراسة وتخطيط، غير أن الميدان يظل مكتنزا بالمفاجآت، في ظل التعقيد الذي تتسم به الجغرافيا الإيرانية، والخطط الميدانية التي أعدها الإيرانيون، بما في ذلك نصب الألغام والقصف بالصواريخ وحرب العصابات ومعارك الأنفاق الخ.. كذلك ما يتوفر عليه الإيراني من أوراق ضاغطة، خارج الحدود الإيرانية وبمضيق هرمز.
-مستنقع لاستنزاف الأمريكيين وتوسع إقليمي لا يرقى إلى حرب إقليمية؛ وهذا أمر محتمل بشدة، يستنتجه المتابعة من الكيفية التي خاضت بها إيران الحرب الحالية، فظلت ترد على كل تصعيد من قبل الأمريكي بتوسيع دائرة القصف، ما دامت لا تبلغه بصواريخها خارج المدى المخصص لهذه الصواريخ.. وقد تمزج إيران بين الأسلوبين بهدف استنزاف القوات الأمريكية، داخل الحدود بالمعارك البرية، وخارجها بالقصف الصاروخي.. ويبقى السؤال مطروحا بهذا الخصوص: إلى أي حد تستطيع إيران تحويل حرب الاستنزاف إلى قدرة مستدامة تفرضها على القوات الأمريكي؟ ألا يمكن أن تصبح هذه الحرب مجرد مرحلة؟ هل تستطيع هذه الحرب إيقاف الطموح الأمريكي بإضعاف النظام والسيطرة على اليورانيوم المخصب؟ على ضوء هذه الأسئلة يمكننا أن نقول: إن كل حرب استنزاف مؤقتة قد تستحيل هزيمة لإيران وتحقيقا للهدف الأمريكي.. وتحقق انتصارا إيرانيا في وضعية واحدة، عندما يضطر الأمريكي الانسحاب دون تحقيق أية نتيجة.
-اتساع دائرة الحرب بالانتقال إلى حرب إقليمية أو عالمية؛ إذ أن كل توسيع للتدخل يبقى رهينا بلا أقل من أربعة عوامل أساسية هي: ضغط أمريكي لا بديل عنه، وحسم جزء كبير من نتائج الحرب لصالح الولايات المتحدة الأمريكية ما يقتضي تدخل حلفائها أو نقيضها الاستراتيجي (الصين/ روسيا)، رغبة بعض الأطراف -الأوروبية خاصة- في الضغط على روسيا من خلال الساحة الإيرانية.. ومن المتوقع أن يؤدي توسع كل تدخل إلى توسع نقيضه إقليميا أو دوليا.. تدخل الدول الخليجية بتصعيد عمليات الفصائل وتوسيع دائرتها في الخليج، وتدخل دول “الناتو” بتدخل الصين وروسيا وكوريا الشمالية الخ.. وهنا سنكون أمام حرب عالمية ثالثة لا محالة.
أي سيناريو تفضله الولايات المتحدة الأمريكية؟ طبعا، تفضل السيناريو الأول.. لكن طبيعة الرد الإيراني قد تفرض على الأمريكيين طول أمد الحرب، وقد تحول هدف إدارة ترامب من تقليص الاهتمام بالشرق الأوسط إلى الغرق فيه، ومن التفرغ للصين إلى الانشغال عنها بإيران.. إلى أي حد يستطيع ترامب الغرق في الشرق الأوسط وهو يعلم أن كل يوم من ذلك يقدم فرصة للصين لمواصلة التقدم الاقتصادي؟ هل أعد ترامب سياسة اقتصادية يواجه بها الصين على هامش حربه على إيران؟ هل يستهدف بهذه الحرب بلاد التنين نفسها؟ هذا ما ستسفر عنه الأيام المقبلة..