محمد مدني: دستور 2011 مستمر إجرائيا.. لكن مضمونه البرلماني والحقوقي يُهمّش
يرى الباحث والأكاديمي محمد مدني أن دستور 2011، الذي جاء على خلفية احتجاجات 20 فبراير، استمر من الناحية الإجرائية، لكن الجانبين المرتبطين بإصلاح النظام السياسي وضمانات الحقوق والحريات “شهدا تآكلاً وتعثراً في التفعيل”. ويعتبر أن المسألة لم تعد تتعلق باستمرار العمل بالدستور من عدمه، بقدر ما تتعلق بما بقي من مضمونه، في ظل استمرار الاحتكام إلى قواعده المسطرية مقابل تراجع جوانب أساسية من أهدافه.
وخلال حلوله ضيفاً على برنامج “ضفاف فنجان“، الذي يبث على منصات صحيفة “صوت المغرب”، قال مدني إن دستور 2011 “كان إجابة ظرفية عن الاحتجاجات القوية التي شهدتها البلاد”، قبل أن يوضح أن استمرار العمل به “لا يعني استمرار الجواب الذي حمله بمعناه الكلي”. وحدد الجانبين اللذين يعتبرهما جوهر الإشكال في الطابع البرلماني للنظام السياسي وضمانات الحقوق والحريات، معتبراً أن كليهما تعرض للتآكل.
جواب ظرفي
وفي استعادته للسياق الذي أفضى إلى دستور 2011، قال مدني إن الاحتجاجات التي شهدتها مختلف مدن المغرب “أربكت السير العادي للمؤسسات”، وإن النظام السياسي “قدم آنذاك جواباً دستورياً عن الوضع”، موضحاً أن النظام المغربي يلجأ، خلال فترات الأزمات، إلى السؤال الدستوري لتقديم جواب عن الأزمة.
وأضاف أن الدستور “كان جواباً ظرفياً خاصاً بسنة 2011″، مشيراً إلى أن استمراره إلى اليوم “لا يعني أن الجواب الذي تضمنه استمر بمعناه الكلي”. ولفت إلى أن تقييم مآل الدستور يقتضي التمييز بين الجوانب الإجرائية التي ما زالت حاضرة، وبين المضامين التي ارتبطت بالمطالب السياسية والاجتماعية في تلك المرحلة.
وفي هذا السياق، توقف مدني عند ما وصفه “بتآكل كل ما يتعلق ببرلمنة النظام السياسي”، أي إخراجه من طابعه التنفيذي المحض ومنح المؤسسات دوراً مهماً”، إلى جانب تراجع ضمانات الحقوق والحريات. وقال إن هذين الجانبين “أصبحا مهمشين أو معطلين نسبياً”، في مقابل استمرار العمل بالجوانب الإجرائية للدستور.
الملكية البرلمانية.. “تفرق ولا تجمع”
ويربط مدني سؤال مآل دستور 2011 بمطلب إصلاح النظام السياسي، معتبراً أن جوهر هذا الإصلاح يتمثل في الملكية البرلمانية، فيما تبقى الجوانب الأخرى، على أهميتها، في مرتبة مختلفة عن هذا المطلب الأساسي.
وأوضح أن مطلب الملكية البرلمانية “كان حاضراً في المطالب الأولى للحركة الاحتجاجية ومذكرات الفاعلين”، مشيراً إلى وجود ارتباط دائم بين المسألة الدستورية والمسألة الانتخابية، بالنظر إلى ما تثيرانه من أسئلة تتعلق بهندسة المؤسسات وتصورات الفاعلين السياسيين ومدى تلاؤمها مع تصور الملكية.
وفي قراءته لصياغة الدستور، توقف مدني عند الفصل الأول، الذي يصف نظام الحكم بأنه “ملكية دستورية ديمقراطية برلمانية واجتماعية”، قبل أن يشير إلى أن الملكية البرلمانية “لا ترد ضمن الأسس الجامعة للأمة في الفقرة الثالثة من الفصل نفسه”، التي تذكر الملكية الدستورية والوحدة الترابية بروافدها والإسلام السمح.
واعتبر أن هذا الاختلاف في الصياغة “يعكس موقعاً ملتبساً للملكية البرلمانية”، قائلاً إن وجودها في النص من دون إدراجها ضمن الأسس الجامعة يجعلها، بحسب قراءته، “جزءاً من العناصر التي تفرق ولا تجمع”. وأضاف أن الملكية الدستورية، في الخطاب والممارسة السياسية المغربيين، تحيل إلى النموذج التنفيذي الذي عرفه المغرب منذ دستور 1962، بينما بقيت الملكية البرلمانية، على حد تعبيره، “كالشبح مع وجود أمور كثيرة لم يُصرح بها”.
وربط مدني هذه الصياغة بميزان القوى الذي كان قائماً سنة 2011، مشيراً إلى أن حركة 20 فبراير “كانت القوة التي فرضت الأجندة الدستورية، لكنها عرفت انقساماً حول مطلب الملكية البرلمانية، كما كانت القوى الإسلامية بدورها منقسمة بشأنه”، في وقت عارضت فيه قوى أخرى هذا المطلب صراحة. ويرى أن “غياب سند اجتماعي وسياسي قوي للملكية البرلمانية انعكس على الصيغة التي انتهى إليها النص الدستوري”.
الفصل 47 والبياضات
وفي حديثه عن استمرار هذه الإشكالات في الممارسة السياسية، توقف مدني عند الفصل 47 المتعلق بتعيين رئيس الحكومة، معتبراً أن صياغته “تتضمن فراغات وبياضات يجري استكمالها ومعالجتها بحسب الظروف والتطورات السياسية”.
وأوضح أن النص تضمن ما وصفه بـ “المسكوت عنه” وما لم يُقَل صراحة، وأن المشاكل التي تظهر أثناء تطبيقه يُبحث لها عن حلول في سياقها. واستشهد، في هذا الصدد، ببلاغ الديوان الملكي سنة 2017، الذي قال إنه “أتاح إمكانية وتأويلاً جديداً”، وباختيار فاطمة الزهراء المنصوري، باعتبارها المنسقة الوطنية للحزب المتصدر للانتخابات، لتولي رئاسة الحكومة.
وقال إن هذه الحالات “تتيح إمكانية الجواب الظرفي”، موضحاً أن بعض المسائل التي “لم تُحسم بصورة واضحة في النص تُعالج لاحقاً بحسب الظروف والتقلبات”. كما ربط ذلك بطبيعة التوازنات السياسية وبآلية بناء الملكية قوتها من خلال تحالفات واسعة، لا سيما مع القوى الضعيفة والأحزاب التي تتشكل في أحضان الإدارة.
وأضاف أن قوة الملكية، وفق تحليله، تكمن في هذه التحالفات، “لأن تجميع قوى ضعيفة يمكن أن ينتج فاعلاً قوياً”، موضحاً أن الفاعل الملكي “يتقوى من خلال جمع الأقليات السياسية والأحزاب الضعيفة ومنحها إجابات، حتى إن لم تكن قوتها الذاتية كبيرة”.
الحقوق والحريات
أما في ما يتعلق بالحقوق والحريات، فيرى مدني أن تفعيل الضمانات الدستورية الملموسة تعثر، وأن النظام السياسي “فضّل، عوض التشبث بالدستور باعتباره مرجعاً واضحاً للحقوق، اللجوء إلى ما وصفه بمنطق التغاضي أو التسامح”.
وشرح أن هذا المنطق يجعل ممارسة بعض الحقوق مرتبطة بالسياق والظروف، بدل أن تستند دائماً إلى قاعدة واضحة تضمن ممارستها. وضرب مثالاً بإمكانية السماح لحزب سياسي بعقد اجتماع أو حرمانه من القاعة بحسب الظروف، وكذلك تنظيم المظاهرات، أو التعامل بصورة مختلفة مع الوقفات الاحتجاجية من مدينة إلى أخرى.
وقال مدني إن هذا النهج يعني أن الدستور “يظل حاضراً بوصفه مرجعاً معلناً، لكن الممارسة لا تحتكم إليه دائماً”، مضيفاً أن “الكتاب حاضر، ولكن الدستور الفعلي شيء آخر”.
وفي معرض حديثه عن العلاقة بين النص الدستوري وتطبيق الحقوق، أشار مدني إلى دراسة مقارنة دولية أنجزها باحثان أمريكيان “حول دور الحقوق والحريات في دساتير الأنظمة السلطوية”، تناولت ما إذا كان تضمين الحقوق في الدستور “يغير بالضرورة من الممارسة الفعلية”. وأوضح أن نتائج الدراسة “لا تعني أن دسترة الحقوق عديمة القيمة، بل إن تطبيقها لا يرتبط بالنص وحده”، وإنما كذلك بموازين القوى داخل المجتمع، وبقوة الفاعلين المدافعين عن الحقوق والحريات مقابل القوى التي تسعى إلى الإبقاء على الممارسات القائمة.
وأكد أن الصراعات الاجتماعية والسياسية التي تخوضها المجتمعات من أجل إدراج الحقوق في الدساتير “لا ينبغي التقليل من أهميتها”، مشيراً إلى أن وجود نص دستوري لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير مباشر في الممارسة، بل يظل تفعيل الحقوق مرتبطاً بمدى قدرة القوى المدافعة عنها على التأثير والتعبئة.
المؤسسات واللاتمركز
وامتد تحليل مدني إلى ما يعتبره “حدوداً في تفعيل الطابع البرلماني للنظام، من خلال تعزيز أدوار مؤسسات وهيئات غير منتخبة إلى جانب المؤسسات المنتخبة”. وتوقف، في هذا السياق، عند اللاتمركز الإداري، الذي يعني “تدبير مشاريع وبرامج تنموية من خلال أجهزة لا ترتبط بالانتخاب، بما في ذلك برامج تُخطط على المدى الطويل”.
وأشار إلى أن الخطاب الملكي الأخير ركز على اللاتمركز الإداري أكثر من اللامركزية، معتبراً أن ذلك “يعزز وزن الهيئات المعينة على المستوى المحلي والجهوي، ويوجه المنتخبين إلى الاشتغال معها” في إطار ما يوصف بـ “حكومة النجاعة”.
ورأى مدني أن هذه الممارسات “تكشف عن حدود تفعيل برلمنة النظام؛ إذ يمكن أن تُمنح المؤسسات المنتخبة صلاحيات على المستوى النظري”، بينما يجري الاشتغال عملياً خارج نطاقها، بما يعزز أدوار الهيئات غير المنتخبة على المدى الطويل.
خلص مدني إلى أن الجانبين اللذين ارتبطا بجوهر دستور 2011، أي الطابع البرلماني للنظام وضمانات الحقوق والحريات، هما الأكثر تعثراً في الممارسة المغربية. وقال باللفظ الصريح: “في الواقع المغربي، ما رُمي في القمامة هو هذان الجانبان: الطابع البرلماني للنظام، وجانب الحقوق والحريات”، في مقابل استمرار الجوانب الإجرائية، ومنها الإجراءات المرتبطة بتعيين الحكومة وحضور الملك في افتتاح الدورة البرلمانية.
- لمشاهدة الحوار كاملا، يرجى الضغط على الرابط