story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

ليس “أمريكا أولًا” بل “الإنسانية أولًا”.. في مأزق النظام الدولي المعاصر

ص ص

حين كتب فوكوياما، في نهاية القرن العشرين، عن “نهاية التاريخ”، كان يعبّر عن لحظة نشوة غربية رأت في سقوط الاتحاد السوفياتي انتصارا نهائيا للنموذج الليبرالي. وفي ظل هذه اللحظة، تمددت الولايات المتحدة عالميا تحت راية العولمة، فأُعيد تشكيل الخريطة الدولية بممرات التجارة والتبادل، وتحول العالم إلى سوق موحدة تجوبها الشركات العابرة للقارات بحرية واسعة، مستندة إلى الحماية الأمريكية بوصفها القوة الحارسة للنظام الاقتصادي العالمي.

غير أن هذه السوق المعولمة لم تُفضِ إلى تنمية دولية عادلة ولا إلى رخاء مشترك بين الشعوب، بل أسهمت في ترسيخ التفوق الغربي الأمريكي داخل نظام دولي غير متكافئ، كثيرا ما جرى فيه استنزاف موارد مجتمعات بأكملها لصالح مراكز القوة.

وبعد أكثر من ثلاثة عقود، اتضح أن الرأسمالية المعولمة لم تكن طريقا إلى عدالة دولية أوسع، ولا جسرا إلى سلم عالمي دائم، كما توهّم كثير من المتحمسين للنموذج الليبرالي الذين افترضوا أن الفاعل الاقتصادي، بوصفه أكثر الفاعلين عقلانية، سيقود، متى تحرر وامتد عبر الحدود، إلى مناخ تحكمه المصالح المتبادلة ويحدّ من احتمالات الصراع. لكن الوقائع سارت في اتجاه مغاير، إذ عادت الحروب، وتجددت الخصومات الكبرى، وعاد شبح الحرب العالمية إلى التداول في اللغة السياسية.

ولم ينجح الغرب، تبعا لذلك، في تعميم ما حققه داخل دوله من سلم وتنمية وعدالة اجتماعية نسبية على المستوى الدولي الأوسع، لأن ما أقامه فعليا لم يكن نظاما عالميا عادلا، بل سوقا كونية بقواعد مختلة، احتفظ فيها لنفسه بموقع القيادة والتفوق، من دون وجود سلطة دولية عليا قادرة على فرض قواعد منصفة للتنافس. وهكذا انكشف القصور العميق في نظرية العولمة كما مورست تاريخيا: لقد عولمت السوق، لكنها لم تعولم السلم، ووسعت دوائر التبادل، لكنها لم توسع دوائر العدل والتنمية.

ومن هنا يغدو عالمنا اليوم في خطر بالغ. فقد راكمت البشرية أدوات قوة هائلة، وشيدت دولًا تمتلك جيوشا جبارة وأسلحة مدمرة، ثم تركت زمامها لنخب سياسية ما تزال أسيرة أفق قومي ضيق، لا ترى في العالم إلا امتدادا لمصالحها الخاصة. هنا يرتفع شعار “أمريكا أولًا”، وهناك “الصين أولًا”، وفي موضع آخر “روسيا أولًا”، وتلحق بها أصوات من قبيل

“أوروبا أولًا”.

وهكذا يبدو المشهد الدولي محكوما بقوميات متضخمة تمتلك من وسائل الفتك أكثر مما تمتلك من بصيرة أخلاقية أو شعور بالانتماء الإنساني المشترك. وفي ظل هذه الشروط، لا يتحقق الاستقرار إلا بوصفه أثرا مؤقتا لهيمنة قوة دولية بعينها تفرض شروطها على الآخرين وتقدّم مصالحها الخاصة في صورة قواعد كونية.

غير أن هذا الاستقرار يظل هشًا، إذ لا يلبث أن يتصدع مع صعود قوة منافسة جديدة، فتعود دورة الصراع والتطاحن إلى الواجهة من جديد، إلى أن تستقر الغلبة مؤقتا لطرف آخر. وهكذا يعيد النظام الدولي إنتاج منطقه نفسه في كل مرة: هيمنة، فتصدع، فصراع، فإعادة تشكل للهيمنة. ويا له من عالم بائس، لم يبلغ بعد من الرشد السياسي ما يقيه هذا التكرار الطفولي المدمر.

ما المخرج إذًا؟

قد يبدو الجواب، في نظر من نشؤوا داخل أفق الدولة القومية وتشكل وعيهم السياسي داخل حدودها الصلبة، جوابا ساذجا أو بعيدا عن الواقعية. ذلك أن الخيال السياسي جرى تطويقه طويلا بمنطق حدود الدولة القومية، حتى غدا من العسير تصور أفق يتجاوزها أو يعيد ترتيب الانتماء خارج مركزيتها. غير أن هذا الجواب يفقد طابعه المستغرَب متى انكشف لنا ما تحرص الدولة القومية، بحكم بنيتها، على حجبه أو تهميشه: أعني عمق انتمائنا الإنساني المشترك. فنحن، في الحقيقة الأعمق، لسنا مجرد شعوب متجاورة على كوكب واحد، بل نحن جماعة بشرية واحدة تتقاسم الأرض والمصير والمخاطر.

وقد آن الأوان لأن تكفّ هذه الحقيقة عن البقاء في مستوى الوجدان الأخلاقي المجرد، وأن ترتقي إلى مستوى المعنى السياسي الفاعل. فنحن سكان الأرض شعب واحد، وهذه ليست عبارة شاعرية، بل حقيقة تاريخية وحضارية وسياسية آخذة في التبلور، ولا بد أن تجد، عاجلا أو آجلا، صورتها في نظام عالمي أكثر اتساعا وعدلا. ذلك أن العالم لن يخرج من طفولة القوميات المتصارعة إلا حين يدرك الإنسان أن انتماءه الوطني، على أهميته، لا يجوز أن يطغى على انتمائه الأوسع إلى الجماعة الإنسانية كلها.

لا نريد لعالمنا أن يظل رهينة قوميات عمياء لا ترى من الوجود إلا ذاتها، ولا تبصر في العالم إلا ما يتصل بمصلحتها الضيقة، فتدفع بالبشرية، كلما احتدم التنافس أو اختلّ ميزان القوة، إلى أتون حروب مدمرة. لقد آن لهذا العصر أن ينقضي: عصر الدول الأنانية القاصرة التي تمتلك من أدوات القوة أكثر مما تمتلك من رشد أخلاقي وسياسي. وما نحتاجه اليوم هو التأسيس لعصر جديد، تتصرف فيه الدول بوصفها وحدات راشدة تدرك أن مصلحتها الحقيقية لا تنفصل عن المصلحة العالمية الأوسع، وأنها ليست كل العالم، بل جزء منه، وأن مكانتها لا تُقاس فقط بما تحوزه من قوة، بل أيضا بمدى وعيها بمسؤوليتها الأخلاقية والسياسية تجاه سائر شعوب الأرض.

قد يبدو هذا الهدف حالما، غير أن التاريخ يعلّمنا أن أحلاما كثيرة تحولت إلى بدايات فعلية لتحولات كبرى. فالوعي الإنساني الذي استطاع أن ينتزع من قلب الاحتراب الأهلي صيغًا ديمقراطية تنظّم الاختلاف وتكبح العنف، ليس عاجزا عن أن يبدع، في الأفق الكوني، نظاما دوليا يضع حدًا لمنطق الحروب المدمرة بين الدول.

ولا ريب في أن الإنسان، في شطر من تكوينه، ذئب لأخيه الإنسان، وأن ذئبيته لا يردعها إلا سلطان قادر على القهر والضبط. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هو: من يوقف ذئبية دولة بحجم أمريكا أو الصين إذا تحولت قدرتها الهائلة إلى أداة لفرض مصلحتها الضيقة على العالم بأسره؟ لا سبيل إلى ذلك إلا بالتأسيس التاريخي لحلف من دول قوية، متشبعة بانتماء إنساني أوسع من قومياتها، وقادرة على كبح العمى القومي.

وربما قيل إن البشرية تحتاج إلى عدو خارجي داهم كي تتوحد، وأعني هنا عدوًّا يأتي من خارج هذا الكوكب، لا من خارج الدولة كما علّمتنا الدولة القومية أن نتخيل العالم. وقد يكون في هذا شيء من الصحة، إذ كثيرا ما احتاجت التجمعات البشرية، في أطوار من تاريخها، إلى خطر خارجي مشترك كي تكتشف ما يجمعها. لكن عدونا الحقيقي قائم فينا وبيننا: في هذا العمى القومي الذي يفتت الوعي الإنساني، وفي هذه الأنانيات السياسية التي تجعل الدول ترى في العالم ساحة لمصالحها فقط لا أفقًا لمصير مشترك. إن عدونا الأكبر ليس كائنا غريبا خارج الأرض، بل هذا القصور الداخلي الذي ما يزال يمنع البشرية من أن تعي نفسها جماعة واحدة.

ومن هنا فإن مفتاح هذا التحول يظل رهينا بولادة جيل عالمي جديد، جيل يعي بعمق أن أنانية الدول القومية لم تعد مجرد نزعة سياسية ضيقة، بل خطرا داهما يهدد البشرية كلها. وحين ينضج هذا الوعي، فلن يبقى مجرد إحساس أخلاقي عام، بل قد يتحول إلى قوة تاريخية دافعة نحو بناء نظام دولي جديد، أكثر عدلًا وفعالية ونضجا. إنها معركة كبيرة وطويلة، نعم، لكنها من المعارك التي لا يجوز للبشرية أن تتخلف عنها.