لوموند بنت كلب

“باغتني” الزميل يونس مسكين بأنّ مجلة “لسان المغرب” تُعاود الإصدار بعد عطلة غشت. هذا يعني أن مساحتي “حِبرُ الختام” تنتظر مقالا.
جال في خاطري أكثر من موضوع. حصَرتُ اهتمامي في قضيتين: غزة التي لا يليق أن تسقط من الاهتمام. وهذه الجذبة التي “يهتزّ” لها “وطنٌ” رداً على مقالات في صحيفة فرنسية.
كتَبَ من يعتقدون (أو يُعتقد) أنهم مكلّفون بالنيابة عن الدولة، وأيضاً كَتَبَةٌ من مِحْبَرة “قليان السّم” ضد السلطة.
قرأتُ ما كُتب في لوموند (أربع حلقات من أصل ست)، وبحثت عن أسباب كل هذه الجَلَبة.
لا يمكن إنكار دسِّ إساءات بين ثنايا “روايات” معلومة لا ترقى إلى جنس التحقيق الصحافي، خاصة تلك التي تريد أن تقول إن النظام السياسي “عاطلٌ عن العمل”، أو تصوّر وجود “تناحر” بين أجنحته السلطة باعتبارها نتيجةً لثنائية “حضور/ غياب” أراد المقال الاشتغال عليها ليَشي بوجود مأزق في “وظيفة الملك”، بأسلوب أقرب إلى “التعليق السياسي” منه إلى التناول الصحافي، بعرض أحداثٍ يتم استنطاقها (مراتٍ بشكل متعسّفٍ) للانتهاء إلى خلاصات صرّح بها الكاتِبان منذ الفقرة الأولى، وتكاد تكون جاهزة، ولا يمكن الجزم بصدقيتها، كما لا يمكن نفي بعضها، بشأن نظام سياسي هو مزيجٌ بين التقليد والتحديث، ويغلُبُ صمتُه على كلامه.
بعض الغاضبين من لوموند يبدون كأنهم يقرأون مقالاً غير الذي اطلعنا عليه، ثم تتفاجأ أن الدولة نفسَها تسمح بتوزيع الجريدة، وأن أعدادها تتصدّر المنشورات في أكشاك، لتدركُ أن “خاطر الدولة أوسع” من اللّطامين الشتّامين.
المقال الرابع، مثلا، كان أشبه بـ”دعاية” لإنجازات الملك محمد السادس الخارجية، خاصة تحسين موقع المغرب التفاوضي ارتباطاً بقضية الصحراء، وإن كان مرّر الكاتبان لَـمْزاً غير لائقٍ (وتفسيرا سطحيا) بشأن “عدوانيةٍ” لإرغام دولٍ على تبني الطرح المغربي، بدل وضع الاتفاقات في إطار أشمل يتعلّق باستراتيجية مغربية يظهر أنها تُؤتي أكلها وتحقّق مكاسب.
إلى حدود كتابة هذا المقال، ما نشرته لوموند “إعادة تدوير” لمكتوبٍ ومعلومٍ. الجريدة لم تكشف جديدا، وما نشرته سبق أن قِيل بالتقسيط، ومع ذلك فإن “ترتيب المادة في حدّ ذاته شيء جديد”، خاصة إن كُتب بلغة موليير وفي لوموند “معشوقة نخبٍ مغربية” لا تزال مفتونة بـ”ماما فرنسا” وكل ما يأتي منها، وتقيم له وزناً.
ثم إن بعض ما كُتب في حلقات لوموند كان أشبه بـ”نميمة صالونات” لا تكتسب “قيمتها” إلا من فرط تكرارها. وكثير منها تأسّس على وضعيات معلومة ومُعلنة رسمياً، كالحديث عن مرض الملك الذي لم يعُد “طابو” وقد تواترت بلاغات القصر بشأنه، وتعدّدت خرجات الملك في حالات إعياءٍ واضح، أو خطابات ألقاها بصعوبة، بما يكرّس صورةَ بشريّةٍ تقطع مع تمثّلات وتوهّمات الملكِ “نصف إله”، وتُثَبِّتُ فكرةً وتصوّرا لدى الشعب بأن الملك لا يحتاج أن “يظهر في القمر” ليكون ملكاً.
قبل لوموند وخلفيات مقالاتها، ما يهمّ المغاربة، في هذا النقاش، هو الانشغال برصد مرض النظام السياسي، واحتمالات تفشي “وباءات السلطة” (الفساد والاستبداد) في أوصاله. غير ذلك سيكون سَحْباً للنقاش إلى غير مواطنه المهمّة، ما لم يتمّ الطعنُ، وفق الأصول، في أهْلية الملك للحكم، وهو أمرٌ لم يطرحه أحدٌ من أصحاب المصلحة والعلاقة من مواطني البلد ونخبه السياسية (المعنيون حصراً)، ومادام الملك يشير، بالقول والممارسة، إلى أنه يسهر على تسيير الدولة، ويتعهّد مؤسساتها، ويُسطّر استراتيجياتها، ومادمنا نؤكّد، من جهتنا كمواطنين، على تثبيت هذه المسؤولية بصفته رئيس الدولة، ونتشبّث بترتيبها على قاعدة أنه صاحب السلطة الأعلى في النظام السياسي ومسؤول عنها وعن قراراتها، وإلا سنهدر حقنا في أن نعرف من يحكم، ومن يتحمّل مسؤولية الحكم.
ثم إن الحديث عن “أجواء نهاية فترة محمد السادس”، وفق “مرويات” لوموند، قد تنطبق على ما قبل 10 أعوام وسيجد كل كاتبٍ ما يفيد ويُسعِف للكتابة عن “أجواء نهاية” على هذا الشكل. وقد تنطبق أيضا على ما بعد 10 سنوات من الآن.
مقالات لوموند تتناول “نهاية فترة محمد السادس” من طريق المرض والصحة، والحضور والغياب، الذي تنبطقُ عليه بَشَريّة الملك التي لم يزعم أحدٌ أنها خارقة للطبيعة، وهذه “النهاية” مآلُ كل البشر. وفي حالته، بصفته ملكاً، جرى تأطيرها بالدستور باعتبارها حالة طبيعية و”واجبة الوقوع”، وسيّجها بترتيبات جارية منذ ميلاد وليّ العهد، واحتمالات اعتلاء العرش من ملك جديد حتى قبل وصوله سن الرشد القانوني.
ثم ما أفشله نظاماً سياسياً إن لم يكن يشتغل على لحظةِ الانتقال من ملكٍ إلى وريث. إعداد وليّ العهد، في نظام سياسي كالمغربي، على ما يظهر، عملٌ روتينيٌ، مؤسَّسٌ على فكرة شديدة البداهة: جوهر انشغال النظام/ المخزن هو تأمين استمرار الملكية.
ودَعْكَ من “الطارئين” في مجاورة السلطة الفعلية خلال ممارسة الحكم، العابرين الذين تصوّرهم لوموند “أجنحة متناحرة”، ففي الأخير لا يتجاوز أحدهم حدّه بصفته “عوْناً” في آلة جبّارة للحكم تُسمى في التاريخ: المخزن. قد تميل كفّة هنا أو هناك، جرياً على حقيقة تاريخية يتنقّل فيها مركز الثّقل باستمرار، وتبقى الملكية قطب الرحى، بشخص الملك، وأيضا بمؤسسة الملكية التي يُمثّلها الملك وتتمثّل فيه.
لوموند لا تتناول “أجواء نهاية فترة”، كما تراها، عبر مسارات سياسية كالتي تؤدي إلى تغيير الأنظمة أو الحكّام، وهذا يجعل كل توقّعاتها و”الأجواء” التي ترصدها لا تخرج من دائرة “الغيب” الذي لا يعلمه إلا الله.
ثم إنه لا مؤشرات أو “أجواء” تشي بأنّ عملية إعداد وليّ العهد تأخذ منحىً استثنائياً أو استعجالياً، بل حتى لوموند نفسها تحدثت عن ضبط إيقاع “تأهيل” الأمير، ممارساً تكليفاتٍ باسم والده، بالتوازي مع حضور أمراء آخرين، ومسؤولين في الدولة، يمارسون وظيفة تمثيل الملك، بحسب المُقتضى.
ثم إن محاولة قراءة أسلوب الملك محمد السادس في تدبير الملفات، خاصة الدبلوماسية، واختياره عدم حضور قمم إقليمية ودولية، لم تغادر بدورها مساحة التأويل. ولا يُفترض أن هناك “دليلَ استعمال” لشكل ممارسة الحكم على أساسه تُسْتنبط أحكام الصواب والخطأ. يمارس الملك سلطاته كما يراها، ومن حقّ مواطني البلد والمهتمين تقييم نجاعتها، وحدود تحمّله لمسؤولياته، وصوابية ما يقرّره.
وارتباطاً بهذا، علاقة الرباط وباريس في “أحسن أحوالها” بعد موقف فرنسي تاريخي يدعم السيادة المغربية على الصحراء، مسبوقٍ وملحوق بمواقف مماثلة من عواصم كبرى، بما أثبت نجاعة اختياراتٍ، وبما يستوجب عدم الدفع بمقال لوموند إلى دائرة تفجير هذه العلاقة المتطوّرة، التي قد تكون هدفاً من وراء هذه المقالات، مادام بيننا من هم مستعدون لكتابة أي كلام، وسبّق أن وصفوا الرئيس ماكرون بكلام ساقطٍ.
ومع ذلك، مقال لوموند لم يغادر مركزيةً تسكن العقل الغربي، تُورِّطُه في استعلائيةٍ مُنفِّرةٍ، حين لا تراعي خصوصيات حكمٍ، مادام لم يُجمع العالم على نظام وثقافة سياسية واحدة. وإن كان للنظام السياسي في فرنسا خصوصيات لا تشبه مثلا الجارة بريطانيا، فإن إسقاط مفهوم السلطة كما يمارسها ماكرون في الإليزيه على معايير الحكم لدى محمد السادس في المشور السعيد سيكون متعسّفاً، إلا سعياً نحو مطلب الدمقرطة لم يبدُ أنه شغَلَ مقال الجريدة، لكنه يشغلنا نحن.
قصارى القول
بعدا هذا، يحقّ لنا، نحن مواطني المغرب، أن نسائل الدولة، الآن وأبداً، بشأن استعدادها لتقبّل صحافة مغربية قويّة ومهنية. جريدة فرنسية جعلت سياسيين يردون في ساعات متأخرة من الليل، وصحفاً تدبّج مقالات، وأكاديميين يقولون أي كلام ليثبتوا أنهم مستعدون لتوظيف ذخيرة علمية ثمينة للتقرّب من السلطة في “معركة” لا تستحق كل “البارود الذي يطلق فيها”.
ما كتبته لوموند نُشر أجود منه، بالمعايير المهنية، في الصحافة المغربية، قبل أن تتحوّل هذه الصحافة إلى وظيفة مطاردات عيوب المجتمع لصرف الأنظار عن أعطاب الدولة، وللتبئير على سلوك المواطنين المنسحقين في الفقر والتهميش للتغطية على آثار سياسات المسؤولين والمتنفّعين من السلطة ومجاورتها.
يحق أن نسائل الدولة عن هشاشة وتردٍّ واضحين في مشهد سياسي كسيح، وإعلام عرضة للعبث بقوانين تُشتمّ منها رائحة التحكّم والتنميط.
باستمرار، نبّه عقلاء إلى أن “كنْس” طريق السلطة من السياسة والصحافة لن يأتي بخير. الدولة تتحمّل مسؤولية كبيرة في التردّي، حتى صارت مقالاتٍ تستدعي تحشيدا سياسا وتجييشاً صحافيا.
ردود الفعل على مقالات لوموند (وهذا المقال من جملتها) من أعراض الجوع للسياسة والصحافة، اللذين لا غنى عنهما لسلامة النظام السياسي.