story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

لكم أن تودّعوا سنة!

ص ص

تمرّ السنوات في الوعي العام كما لو أنّها صفحات تُطوى تلقائيًا، غير أنّ الزمن السياسي والاجتماعي لا ينسحب بهذه البساطة. فالسنة، حين تنتهي، لا تُفرغ محتواها، ولا تتنازل عن أسئلتها، وإنما تتركها معلّقة في المجال العام، تنتظر من يملك الجرأة على فتحها خارج طقوس التهاني وبلاغة الأمنيات. من هنا، يصبح وداع سنة فعلا نقديًا، لا احتفالا لغويا، ومساءلةً لما تراكم فيها من اختلالات، أكثر من كونه لحظة عبور نحو رقم جديد، تيمته السعادة الشكلية.

كانت هذه السنة ثقيلة بما يكفي لتكسر وهم الاستقرار الاجتماعي. لم تقع الانكسارات دفعة واحدة، ولم تتخذ شكل صدمات كبرى، غير أنّها تسللت بهدوء صاخب إلى تفاصيل العيش، إلى لغة الناس، إلى نظرتهم للمستقبل. الغلاء لم يستقبل كخبرٍ اقتصادي، بقدر ما أصبح تجربة يومية. السياسات العمومية لم تعد موضوعَ نقاش نخبوي، وإنما مصدر تقييم مباشر في الحياة الخاصة. ومع هذا التحوّل، تغيّر موقع المواطن من متلقٍ ينتظر التفسير، إلى فاعل يصدر حكمه من صلب مرارة التجربة.

سياسيًا، واصلت الدولة إدارة الإيقاع العام بمنطق الضبط والاستمرارية، غير أنّ هذه السنة كشفت حدود هذا المنطق حين ينفصل عن المعنى. القرارات وُجدت، والمؤسسات اشتغلت، غير أنّ السياسة فقدت الكثير من قدرتها على الإقناع والاستقطاب. فحين تحوّل التدبير إلى غاية في ذاته، من الطبيعي ان يتراجع السؤال حول الأثر، ويتآكل الإحساس بالمشاركة. وهنا تحديدا، تشكّلت فجوة صامتة، لم تعلن القطيعة، غير أنّها أضعفت الثقة، وأربكت العلاقة بين المجتمع ومن يفترض أنهم يمثّلونه.

هذه السنة عرّت أيضا أزمة الوساطة بشكل غير مسبوق. جل الأحزاب بدت عاجزة عن التقاط نبض الشارع، أو عن ترجمة التذمر الاجتماعي إلى مشاريع سياسية مقنعة. النخب الفكرية انسحبت نحو خطاب حذر، يفضّل السلامة على الجرأة. الإعلام، في جزء كبير منه، استسلم لمنطق السرعة والسطحية. في هذا الفراغ، تشكّل وعي بديل، خارج القنوات التقليدية، يقوده جيل جديد لا ينتظر الإذن لفهم الواقع.

احتجاجات جيل Z، دلالة على أن عمق الأزنة تسلل إلى فئة عمرية يُفترض فيها مسبقا عدم الاكتراث لأمور السياسة والساسة، وهذا ما حوله إلى فاعل رمزي. جيل يرفض الوصاية، ويشكّك في الخطاب الرسمي، ويقيس صدقية المؤسسات بمدى اتساقها مع الواقع. هذا الجيل لم يطلب الشعارات، ولم ينخرط في البلاغة السياسية الكلاسيكية، غير أنّه امتلك حسًّا نقديا عاليا، وقدرة على المقارنة، وجرأة على التعبير، خصوصا في الفضاء الرقمي. وحين وُوجه هذا الوعي بمنطق التجاهل أو التخويف أو التقليل من شأنه، تعمقت القطيعة الرمزية، وتحوّل الصمت إلى موقف.

اجتماعيا، استمرت الطبقة الوسطى في الانزلاق البطيء، دون أن تجد من يصغي بجدية إلى قلقها. هذا الانزلاق لا يُقاس فقط بالأرقام، بقدر ما يُستشعر في انعدام الأمان، وبالعجز عن التخطيط، وبالشعور بأن الجهد الفردي لم يعد كافيًا لضمان الاستقرار. الفئات الهشّة، من جهتها، واصلت العيش في منطق الاحتمال الدائم، حيث يصبح الصبر استراتيجية بقاء، وخضوع لا فضيلة أخلاقية.

وفي خضم هذا المشهد الداخلي، فرضت القضية الفلسطينية نفسها بقوة، كاختبار أخلاقي وسياسي للضمير الجمعي. التحولات الجارية في فلسطين لحدود هذه السنة لم تعد تقبل القراءة فقط من زاوية السياسة الدولية، وإنما من زاوية العدالة، والإنسانية، وازدواجية المعايير. الشارع المغربي، خصوصًا شبابه، عبّر بوضوح عن موقفه، عبر التظاهر، والتفاعل الرقمي، والمقاطعة الرمزية. هذا التعبير لا يعتبر عاطفيا صرفا، بقدر ما هو وعي بأن القيم، حين تُجزّأ، تفقد ماهيتها.

القضية الفلسطينية كشفت كذلك تناقض الخطاب العالمي حول حقوق الإنسان، وأظهرت كيف يمكن للقوة أن تُعلّق القانون، وكيف يُطلب من الشعوب الصمت حين يصبح الموقف مكلفا. هذا الوعي انعكس داخليًا، وعمّق الشك في الخطابات الجاهزة، وطرح سؤال الاتساق الأخلاقي للدولة الحديثة، في الداخل والخارج معا.

السنة، في مجملها، قالت شيئا واضحا وصريحا، فالمجتمع المغربي لم يعد ينصت للتبرير السهل، ولا للخطاب المطمئن الخالي من الأثر. جيل جديد يراقب، يقارن، يحاسب، ويعبّر بوسائل جديدة. وحين لا يجد قنوات مؤسساتية تستوعب هذا التحوّل، يبحث عن بدائل، رمزية كانت أو رقمية، ما يعيد طرح سؤال الشرعية بصيغته الحديثة.

لهذا، فإن وداع هذه السنة لا يحق له أن يكون طقسا شكليا. سنة تنقضي وقد كشفت حدود الصبر، وحدود الخطاب، وحدود السياسة حين تنفصل عن المجتمع.

لكم أن تودّعوا سنة، أمّا الأسئلة التي طرحتها، فتبقى معلّقة، تبحث عمّن يملك الشجاعة للإجابة، لا لمن يملك القدرة على التأجيل.

فالسنوات، حين تُودَّع دون مراجعة وبمواربة، تعود في أشكال أكثر قسوة.