story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

لقجع.. آخر الديمقراطيين

ص ص

أعرف أن هذا العنوان قد يصدم الكثيرين للوهلة الأولى، وأوضح منذ البداية أنه ليس مديحا مجانيا، ولا سخرية سوداء.
عندما أقول إن فوزي لقجع قد يكون “آخر الديمقراطيين”، فالمقصود، ودون كثير تشويق، ليس أنه آخر المؤمنين بالديمقراطية في المغرب، بل ربما آخر ورقة في مسار سياسي قديم بدأ باسم أكبر من حجمه، هو “حركة لكل الديمقراطيين”.
لذلك، فإن الحديث عن احتمال دخول فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة، استعدادا لانتخابات 23 شتنبر 2026، ليس مجرد خبر حزبي عابر. ولا هو تمرين جديد في نقل تكنوقراطي ناجح من الإدارة إلى السياسة…
إنه، إذا صح، فصل آخر في قصة أقدم من لقجع نفسه، وأقدم من أزمة القيادة الجماعية، وأعمق من حاجة “البام” إلى وجه قوي يذهب به إلى الفوز بالانتخابات.
إنها عودة حتمية إلى السؤال الأصلي الذي رافق هذا الحزب منذ بدايته: هل يمكن أن تصنع الدولة حزبا بأدواتها، ثم تطلب منه أن يأتي بالنجاح من قلب المجتمع؟
في البدايات، كان فؤاد عالي الهمة هو الاسم الذي أعطى للمشروع معناه. رجل قريب من مركز القرار، خارج عن القوالب الحزبية القديمة، قادر على تجميع يساريين سابقين، وأعيانا قدامى وجدد، ووجوه إدارية، ورجال مصالح، حول وعد كبير اسمه “تحديث السياسة”.
جاء بعده مصطفى البكوري، بتجربة تدبيرية ناجحة على رأس صندوق الإيداع والتدبير، وكأن الحزب كان يبحث منذ ضربه زلزال الربيع العربي عن النموذج نفسه الذي يفتش عنه اليوم، أي رجل إدارة وإنجاز وتنظيم ونتائج لا رجل خطابة وتنظيم وإيديولوجيا.
لكن التجربة لم تنجح. لم يكف البكوري، ولم تكف جموع الأعيان، ولم تكف الوجوه اليسارية التي منحت الحزب لسانا، دون أن تمنحه بالضرورة روحا.
ثم دخل “البام” في حروب أجنحته، بين مناضلين سابقين وأعيان لاحقين، بين الريف ومراكش، بين الرغبة في أن يكون حزبا سياسيا عاديا، والحقيقة التي تقول إنه لم يولد ليكون عاديا.
واليوم، وبعد كل هذا الاستنزاف، يبدو فوزي لقجع قابلا لأن يلعب دور القائد الذي ينتظم خلفه الجميع. ليس لأنه مناضل حزبي صعد من القواعد، بل لأنه يملك صورة الرجل الذي ينجز، لكنه يحوز قدرا من الثقة أيضا.
هنا يمكننا أن نجيب عن سؤال لماذا تختلف ورقة لقجع عن أوراق سابقة مثل مصطفى البكوري. فالرجل لا يأتي فقط من مديرية الميزانية في وزارة المالية، ولا من لغة الأرقام التي يعرفها جيدا. لو كان الأمر كذلك، لكان البكوري كافيا.
لقجع يأتي من مكان آخر، أكثر دفئا من ألواح “مازن” وطاقتها الشمسية، هو ملعب كرة القدم.
الكرة هي كلمة السر في جعبة هذا الرجل. هي التي أخرجته من ممرات الإدارة إلى الشارع.
فوزي لقجع ليس مجرد مسؤول رياضي حقق نتائج. بل صار، في لحظة تاريخية نادرة، مرتبطا بصورة فرح جماعي خرج فيها الملك إلى الشارع للاحتفال مع المغاربة بتأهل المنتخب الوطني إلى ربع نهائي كأس العالم قطر 2022، وهي شرعية رمزية من النوع الذي لا يمنحه صندوق الاقتراع، ولا رعاية واحتضان الدولة.
لهذا، إذا كان “البام” يبحث عن رجل يعيد إليه المعنى، فلقجع لا يقدم له فقط صورة تكنوقراطي ناجح. بل يقدم له جسرا بين الدولة والجمهور. وهنا يكمن الفرق بينه وبين كل من سبقوه.
هذا الرأسمال نفسه هو ما يجعل السؤال الديمقراطي أكثر حساسية. فالدستور ينص على أن الملك يعين رئيس الحكومة من الحزب الذي يتصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب، وعلى أساس نتائجها.
النص يقول “من الحزب”، ولا يقول بالضرورة من تدرج في الحزب، أو عاش صراعاته الداخلية. لذلك تصبح الفرضية ممكنة دستوريا: يلتحق لقجع بـ”البام”، فيتصدر الحزب الانتخابات، ثم يصبح الرجل رئيس حكومة محتمل… “الغيب لا يعلمه إلا الله” يقول لقجع في آخر ظهور إعلامي له قبل السفر إلى أمريكا.
لكن المشكلة ليست في الإمكان الدستوري، بل في المعنى السياسي الذي سيقرأه الناس.
هل نحن أمام انتخابات مفتوحة تنتج شرعيتها، أم أمام هندسة مسبقة نبحث لها عن تزكية انتخابية؟
في السياسة، لا تهمّ الوقائع وحدها، بل تهمّ الانطباعات أيضا. وقد يكون الانطباع أقوى من الحقيقة أحيانا.
في البروفايل الذي كتبناه عن الرجل في هذا العدد من مجلة “لسان المغرب”، نلاحظ كيف أن علاقة لقجع بالأمين العام السابق ل”البام”، إلياس العماري، تعود إلى صداقة قديمة نشأت بداية التسعينيات، حين كان لقجع طالبا في معهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة.
لكن بين لقجع والعماري، وبين العماري و”البام”، وبين “البام” والدولة، تاريخ طويل من الظلال. وليس المطلوب هنا إثبات مؤامرة، ولا نفيها. المطلوب هو فهم أن علاقة لقجع بهذا الحزب لم تولد اليوم.
لقد كان اسمه، منذ سنوات، جزءا من مخيال الأصالة والمعاصرة حول القائد الممكن. كلما تعب الحزب من نفسه، عاد هذا الاسم ليظهر. وكلما استنزفت الأجنحة بعضها، بدا رجل الدولة المنجز حلا جاهزا.
في خرجته الأخيرة على منصة “أثير”، قبل سفره إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث يخوض المنتخب الوطني غمار كأس العالم، قدّم لقجع ما يشبه مفتاحا لفهم فلسفته. تحدث عن كرة القدم باعتبارها مدرسة للقيم، وخصوصا لتقبل الهزيمة.
كان بإمكانه أن يقول إن الكرة تزرع روح البطل، أو تعلّم الانضباط، أو تصنع العيش المشترك. لكنه ركز أكثر، على “تقبل الهزيمة”.
في الرياضة، هذا كلام وجيه. لكن في السياسة، من حقّنا أن نتساءل: من المطلوب منه أن يتعلم قبول الهزيمة؟ هل الأحزاب؟ أم الناخبون؟ أم المشروع السياسي الذي ظل منذ 2008 يحاول أن يجد الطريق الأقصر إلى الفوز؟
في الحوار نفسه، قدم لقجع تفسيرا عقلانيا لنجاحه الأكبر، وكشف سبب اختيار أبناء الجالية المغربية اللعب للمنتخب الوطني. لم يذهب بعيدا في لغة العاطفة والشوفينية، ولم يختصر الأمر في “نداء الوطن” وحده؛ بل قال إن المغرب صار يقدم لهؤلاء اللاعبين مشروعا رياضيا مغريا، يضم حضورا منتظما في كأس العالم وكأس إفريقيا، وبنية تحتية من مستوى عال، ورعاية لا تجعل اللاعب يشعر أنه غادر شروط الاحتراف الأوروبي.
قد يكون هذا هو ما قد يقدمه لقجع لـ”البام” أيضا. مشروع مغر، وخطاب عقلاني. لكن هل تكفي الكرة لصناعة السياسة؟
في الجامعة الملكية، يستطيع الرئيس أن يفرض تصورا، وفي مديرية الميزانية، يمكنه أن يناقش بالأرقام؛ أما في الحكومة، فوراء كل رقم فئة غاضبة، ولوبي متربص، وناخب محبط، ومعارضة تنتظر الخطأ، وحزب ينتظر حصته، ومجتمع يريد أن يرى نفسه في القرار.
لذلك، قد يكون لقجع فعلا آخر ورقة في مسار “لكل الديمقراطيين”. إذا نجح، سيقال إن المشروع وجد أخيرا الرجل الذي كان يبحث عنه منذ البداية. تكنوقراطي الدولة الذي يملك شرعية شعبية صنعتها الكرة وليس الخطب العصماء. وإذا فشل، فلن يكون الفشل شخصيا فقط، بل سيكون فشلا لفكرة ظلت تراهن على إنقاذ السياسة من خارج السياسة.
لكن فوزي لقجع يعرف، أكثر من غيره، أن الجمهور قد يغفر الهزيمة في الملعب إذا رأى اللعب النظيف، لكنه في السياسة، لن يغفر الإحساس بأن النتيجة كتبت قبل صافرة البداية…
ولا يعلم الغيب إلا الله.