story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
اقتصاد |

كأس إفريقيا للأمم.. ما وراء كرة القدم في المسابقة الأغلى قاريا

ص ص

دخلت بطولة كأس إفريقيا للأمم لكرة القدم المقامة حاليا بالمغرب، أدوار خروج المغلوب، وقد تفرغ التقنيون والمتخصصون ووسائل الإعلام، لتحليل النتائج، وجرد إحصائيات الأهداف، ومعدلات الأداء، ونسب  السيطرة على اللعب، خلال المباريات السابقة، وفوق كل هذا، احتمالات الفوز في الأدوار القادمة وجاهزية المنتخبات للذهاب بعيدا في البطولة القارية ، والمنتخب الذي تتوفر فيه ملامح البطل.

لكن خلف هذه الواجهة الكروية التي ينشغل بها الجميع، وتطمح الجماهير الإفريقية للإستمتاع بطقوسها الكلاسيكية، باعتبار “الكان” واحدة من أكثر المسابقات رمزية على المستوى العالمي، هناك جانب آخر تحدث فيه أشياء أكثر أهمية، ويتفرغ له الآن أصحاب القرار الكروي الإفريقي في تعداد حصيلته الأولى، رغم أنه  لا علاقة له  بما يقع فوق المستطيل الأخضر، وهو الجانب الإقتصادي للبطولة بتشعباته المتعددة.

فكأس إفريقيا كمنافسة كروية، هي أيضا عملية اقتصادية مركزة جدا تدار بمنطق الشركات والأرباح الهائلة وليس بمنطق الرياضة. والأكثر من هذا أنها تحدث بسرعة كبيرة وفي وقت وجيز، ولها طريقة معقدة وموزعة المنابع تجعل المحاسبة وتتبع مصير الأموال مستحيلا. بحيث أنه خلال أسابيع قليلة لا تتعدى الأربعة،  تعاد هندسة تدفقات مالية تقترب من مليار دولار بين مداخيل البث التلفزيوني، وعقود الرعاية والإعلانات ويتم تقسيمها على أطراف متعددة ويتكرر ذلك في كل دورة.

فمن هم هؤلاء الأطراف المستفيدون اقتصاديا من تنظيم كأس إفريقيا؟ وكيف يفعلون ذلك؟ وما هو نصيب الدول التي تأخذ “حقها” من هذه الكعكة؟ وأين تذهب الأموال الطائلة التي تدرها “الكان”؟ ومن هما الرابح والخاسر الأكبر من هذه البطولة؟  ولماذا تستمر الدول في استضافتها رغم ما يقال عن عدم جدواها الإقتصادي بالنسبة للدول المنظمة؟

البطولة كمنتوج إقتصادي

في الذاكرة الجماعية لشعوب القارة السمراء، تُقدَّم كأس إفريقيا كحدث بالغ الأهمية على المستوى الرياضي، غايته إبراز إسم البلد وجعله ضمن الأمم الكروية المحترمة قاريا. لكن في الواقع، البطولة ليست سوى منتوج اقتصادي ضخم، مصمم وفق منطق السوق، تُدار تفاصيله بمنهج الشركات متعددة الجنسيات أكثر مما تُدار بروح الرياضة.

منذ اللحظة التي تُمنح فيها الاستضافة لدولة ما، يبدأ سباق محموم لإعادة تشكيل بنية اقتصادية كاملة خلال فترة زمنية قصيرة، عبارة عن ملاعب جديدة، طرق سريعة، مطارات، فنادق، أنظمة أمنية، شبكات نقل واتصال. كل ذلك يُسوَّق تحت شعار “التنمية” و”الفرصة التاريخية”، لكنه في جوهره عملية ضخ مالي هائلة ذات كلفة مرتفعة ومردودية غير مضمونة.

التقديرات الواقعية تشير إلى أن تنظيم كأس إفريقيا للأمم يتطلب استثمارات لا تقل عن مليار دولار، وقد تصل إلى أكثر من ذلك في بعض الحالات، بحسب حجم البنية التحتية المطلوبة. هذه المبالغ تُصرف في فترة قصيرة، وغالبًا ما تُموَّل من المال العام، أي من ميزانيات الدول.

البلد المنظم.. الحلقة الأضعف

رغم الاعتقاد السائد بأن الدولة المستضيفة هي الرابح الأكبر، إلا أن الواقع يكشف عكس ذلك تمامًا. فالدولة تتحمل العبئ الأكبر من العملية، مثل بناء الملاعب، وتحديث الطرق، وتوسيع المطارات، وتعزيز الأمن، وتهيئة الفنادق، وكل ذلك في وقت قياسي وضغط سياسي وإعلامي كبير.

في المقابل، فإن العائدات المباشرة – من سياحة أو مبيعات تذاكر – نادرًا ما تغطي هذه التكاليف. إذ في أحسن السيناريوهات، قد تحقق الدولة المستضيفة ما بين 200 إلى 300 مليون دولار من العائدات السياحية، في حين أن الفاتورة الإجمالية قد تتجاوز المليار دولار.

هذه الفجوة بين ما يتم إنفاقه وما يُسترجع، هي ما يسميه الاقتصاديون بـ”تكلفة الفرصة البديلة”، أي ما كان يمكن تحقيقه لو استُثمرت هذه الأموال في قطاعات أكثر استدامة مثل التعليم، الصحة، أو البنية الإنتاجية.

الملاعب.. الإستثمار الفاشل

من أبرز تجليات هذه الإشكالية ما يُعرف بـ”ظاهرة الفيل الأبيض”. وهي بناء ملاعب ضخمة، وحديثة، تستجيب للمعايير الدولية، لكنها بعد انتهاء البطولة تتحول إلى منشآت مهجورة أو شبه مهجورة، تستهلك ميزانيات صيانة مرتفعة دون مردود فعلي.

في كثير من الدول الإفريقية، لا توجد أندية قادرة على ملء هذه الملاعب أسبوعيًا، ولا دوريات محلية قادرة على استثمارها اقتصاديًا. وهكذا تتحول من رموز وطنية إلى عبء مالي طويل الأمد.

أنغولا، على سبيل المثال، أنفقت ما يقارب 1.2 مليار دولار على منشآت كأس إفريقيا 2010، لكن معظم تلك المنشآت فقدت جدواها بعد البطولة. الأمر ذاته تكرر في دول أخرى، حيث بقيت الملاعب شاهدة على فجوة بين الطموح السياسي والواقع الاقتصادي.

خسائر وإصرار على الإستضافة

السؤال المنطقي الذي يجب أن يطرَح  إذا كانت الخسائر واضحة، فلماذا تصر الدول على استضافة هذه البطولات؟

الجواب يكمن في مفهوم القوة الناعمة الذي أصبحت الدول بواسطته تجلب لنفسها منافع حاسمة في استراتيجيتها الجيوسياسية. ذلك أن الدولة لا “تشتري” بطولة فقط، بل تشتري صورة. صورة دولة مستقرة، قادرة على التنظيم، آمنة، منفتحة على العالم. إنها حملة علاقات عامة كبرى، تهدف إلى تحسين سمعتها الدولية، وجذب الاستثمارات، أو حتى امتصاص التوترات الداخلية.

في كثير من الحالات، تُستخدم البطولات الكبرى كأداة سياسية  لتوحيد الرأي العام الداخلي، وصرف الانتباه عن أزمات اجتماعية كبيرة داخل الوطن، أو تعزيز شرعية السلطة. وهنا تصبح الرياضة أداة ناعمة لتسويق صورة الدولة أكثر منه استضافة لمنافسة رياضية كبيرة.

الرابح الحقيقي من “الكان”

إذا نظرنا إلى البنية الاقتصادية لكأس إفريقيا للأمم بعيدا عن الضجيج الإعلامي والاحتفالات، نجد أن هناك شبكة معقدة من الأطراف الرابحة والخاسرة، وفيها تفاصيل تختلف كليا عما هو سائد في الواقع، فالدولة المستضيفة غالبًا ما تكون هي الحلقة الأضعف، بينما تستفيد من الكعكة أطراف متعددة بطريقة مباشرة وغير مباشرة، وأولها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم الذي يحصل في كل نسخة من البطولة على جزء كبير من العائدات المالية دون أن يتحمل أي مخاطر اقتصادية أو اجتماعية.

ويتجلى ذلك من خلال حقوق البث، على سبيل المثال، التي تُقدر بمئات الملايين من الدولارات لكل نسخةن بحيث أن القنوات العالمية تدفع للكاف مقابل نقل المباريات، إضافة إلى عقود الرعاية الكبرى مع شركات الطاقة والاتصالات، التي قد تصل إلى مبالغ ضخمة، كما يحصل كذلك على العائدات من الإعلانات والتراخيص للشركات العملاقة التي تُلصق شعاراتها داخل الملاعب.

من المهم أن نفهم أن جزءًا كبيرًا من هذه الأموال لا يعود إلى الدول المستضيفة، ولا إلى الجمهور، وإنما يبقى داخل الأرصدة المركزية للكاف، مما يجعل كل نسخة من البطولة تدر ربحًا صافيًا كبيرًا على الاتحاد، مع عدم تحمله أي تكاليف البنية التحتية أو الصيانة. هذه الأرباح أحيانًا تفوق الملايين للنسخة الواحدة، وهي أرقام تتضاعف مع كل دورة للبطولة.

ورغم أن جزءا من هذه الأموال يتم إعادة توزيعها على الاتحادات الوطنية في شكل منح تنظيمية ومكافآت مشاركة، وأخرى تصرف على الرواتب والميزانيات الإدارية للكاف. لكن الفائض الحقيقي دائما ما يذهب إلى خزائن المنظمة الكروية المثيرة للجدل، وهو ما يجعلها نموذجا كلاسيكيا للتدبير المالي الذي يحتفظ بالأرباح مقابل عدم تحمل التكاليف.

“الفيفا” المستفيد الصامت

ويستفيد الاتحاد الدولي لكرة القدم “الفيفا”، بطريقة غير مباشرة من توسيع السوق الإفريقية وزيادة نسب المشاهدة، ما يعزز حضورها وتأثيرها في القارة. بحيث أنه بعد كل نسخة من كأس إفريقيا، ترتفع القيمة السوقية لعدد من اللاعبين المشاركين في البطولة، وتبرم صفقات انتقال بملايين الدولارات، ما يؤدي إلى عوائد من عمولات التضامن ورسوم التسجيل، تعود في جزء منها لمنظومة “الفيفا”.

وبالتالي، فإن “الفيفا” لا تمول البطولة مباشرة، لكنها تحقق أرباحًا كبيرة من نمو سوق اللاعبين والإعلانات وزيادة الاهتمام العالمي بالقارة، وهو استثمار صامت لكنه مؤثر جدًا.

اللاعبون.. الرابح الفردي الأكبر

اللاعبون أنفسهم يمثلون جزءًا من الكعكة المالية، وغالبا ما يكونون الرابح المباشر الوحيد بين المشاركين. إذ أن المنتخبات المحلية لا تربح ماليا، والاتحادات تتحمل التكاليف، فيما الدولة المستضيفة تدفع ثمن البنية التحتية والصيانة. في كثير من الحالات، الجائزة المالية التي يحصل عليها المنتخب المشارك لا تكفي لتغطية ما أنفقته جامعته على الجوانب اللوجيستيكية خلال فترة استعداداته.

في المقابل، قد يحقق اللاعب بصفته الفردية مكاسب ضخمة من البطولة، كارتفاع قيمته السوقية، وحصوله على عقود جديدة، أو انتقالات إلى أندية أكبر، وحتى الدخل الشخصي للاعب قد يرتفع إلى أكثر مما ستحصل عليه جامعته كمنحة من “الكاف”، والتي تفوق ميزانية بعض الاتحادات الوطنية، ولدينا أمثلة عديدة لمثل هذه الحالات في التاريخ القريب أبرزها حالتي أديبايور من الطوغو، وأوباميانغ من الغابون.

الشركات.. المستفيذ الخفي

الشركات الخاصة تلعب دورًا كبيرًا ومؤثرًا جدًا في اقتصاد البطولة، لكنها غالبًا تبقى غير مرئية للجمهور. هذه الشركات تشمل شركات التسويق وحقوق البث، مثل وكالات التسويق العالمية التي تشتري حقوق البطولة بالجملة لسنوات طويلة ثم تعيد بيعها بالتجزئة للقنوات والرعاة بأسعار مضاعفة، ما يضمن للكاف دخلًا ثابتًا دون تحمل أي تكلفة تنظيمية أو بنيوية.

ثم شركات البث مثل “بي إن سبورت” القطرية، التي تشتري الحقوق وتبيعها للجمهور بأسعار مرتفعة، مستفيدة من الاشتراكات والخدمات الإضافية، دون أي استفادة مباشرة من البطولة نفسها، وأيضا شركات الإعلانات، التي تستغل ذروة المشاهدة في المباريات الكبرى لرفع أسعار الإعلانات بشكل كبير، سواء لشركات الاتصالات أو البنوك أو المشروبات أو المراهنات الرياضية.

على سبيل المثال، شركات النفط والغاز مثل “توتال إنيرجيز” ترعى البطولة ليس حبًا في كرة القدم، بل لأنها تعتبر إفريقيا سوقًا استراتيجيًا للطاقة، ورعاية البطولة تعتبر تكاليف علاقات عامة مقابل الحفاظ على العقود مع الحكومات الإفريقية وضمان استمرار مشاريع التنقيب.

نفس الأمر ينطبق على شركات الاتصالات، بحيث توفر البطولة موسمًا ذهبيًا لاستهلاك البيانات، المكالمات، والباقات الرقمية، وأيضا العلامات التجارية للألبسة مثل “أديداس” التي تستفيد من البطولة من خلال العقود مع المنتخبات المشاركة  التي تُبرم قبل البطولة، لكن القيمة الحقيقية تظهر خلال المنافسة نفسها، بحيث ترتفع مبيعات القمصان والأحذية في الأسواق بنسبة كبيرة.

وبالتالي، تصبح البطولة منصة تجارية عالمية، ليس فقط للمنتجات الرياضية، بل للمنتجات المرتبطة بالاحتفالات الجماهيرية، كالإكسسوارات والقمصان  والهدايا والتذكارات.

الدولة والمواطن.. أكبر الخاسرين

في بطولة مثل كأس إفريقيا للأمم، يعتقد الكثيرون أن الدولة المستضيفة تحقق أرباحًا ضخمة من السياحة أو بيع التذاكر، لكن الواقع مختلف تمامًا. الدولة تتحمل أغلب التكاليف المالية الضخمة، بينما المواطن يدفع الثمن بشكل مباشر وغير مباشر، عبر الضرائب أو من خلال إعادة توجيه موارد كانت ستخصص للتعليم، الصحة، أو مشاريع البنية التحتية الحيوية.

المواطن يشعر بالأثر الاقتصادي للبطولة لفترة قصيرة فقط، من خلال المحلات التجارية، المقاهي، بيع القمصان والأعلام والشاشات التي تشهد نشاطًا مؤقتًا خلال البطولة، لكن هذا النشاط ينتهي بمجرد انتهاء المباريات، لتعود الحياة الاقتصادية اليومية إلى حالها الطبيعي. فالأثر الإقتصادي الذي يتركه الحدث للمواطن محدود ومؤقت، بينما الدولة تتحمل تكاليف ضخمة قبل وخلال وبعد البطولة.

الأمر الأكثر أهمية هو مفهوم “تكلفة الفرصة البديلة”. الأموال المخصصة للبطولة يمكن أن تحقق أثرًا أكبر بكثير لو استُثمرت في قطاعات أساسية مثل المدارس والمستشفيات والطرق والبنية التحتية التي يحتاجها المواطن يوميًا. بدلاً من ذلك، تُنفق هذه المليارات على ملاعب ومرافق مؤقتة غالبًا ما تبقى شبه مهجورة بعد البطولة، ما يضع الدولة أمام فجوة مالية كبيرة ويجعل المواطن يتحمل عبء الإنفاق غير المجدي.

حتى عندما تتمكن الدولة من تقليل الخسائر بذكاء، غالبًا ما يقتصر العائد على مكاسب رمزية وسياسية، مثل تحسين الصورة الدولية، الترويج السياحي، أو إظهار القدرة على تنظيم الأحداث الكبرى. هذه المكاسب، التي تعرف بـ”القوة الناعمة”، مهمة سياسيا لكنها لا تعود بالفائدة المالية المباشرة على الدولة أو على رفاه المواطن، الذي يبقى في المقابل الحلقة الأضعف، كونه يمول البطولة جزئيًا، ويشارك في الاستهلاك المؤقت الذي لا يستمر بعد انتهاء المباريات، ويتحمل أعباء صيانة المنشآت والمرافق التي غالبًا ما تصبح عبئًا دائمًا.

في النهاية، يظهر أن الدولة والمواطن هما الخاسران الرئيسيان في معادلة كأس إفريقيا الاقتصادية. الأموال الضخمة تتدفق على مشاريع مؤقتة، المواطن يدفع الضرائب ويشهد أثرًا قصير المدى على مستوى السوق المحلية، بينما تتحقق الأرباح الحقيقية لشركات التسويق، الكاف، الفيفا، والرعاة.

هذه الحقيقة تكشف أن كأس إفريقيا للأمم، رغم شغف الجمهور وحماس اللاعبين، هي في جوهرها حدث اقتصادي معقد تُدار فيه الأموال بعقلية شركات، والربح الحقيقي بعيد عن الجماهير والدولة المستضيفة.