كأس إفريقيا بالمغرب.. حين تُصحّح الشعوب ما أفسدته البروبغاندا في العلاقات المغربية-التونسية
تُنظَّم كأس إفريقيا للأمم اليوم بالمغرب في سياق إقليمي شديد التعقيد، تتداخل فيه السياسة بالإعلام، وتتنازع فيه السرديات أكثر مما تتواجه الوقائع. غير أن هذه التظاهرة الرياضية، منذ أيامها الأولى، كشفت عن قدرة استثنائية على اختراق الحواجز النفسية، وإعادة تشكيل الصورة الذهنية، خصوصًا فيما يتعلق بالعلاقات المغربية-التونسية التي عرفت في السنوات الأخيرة توترات سياسية انعكست، بشكل أو بآخر، على مستوى الوعي الشعبي.
لا يمكن فهم ما يحدث اليوم دون العودة إلى سياق أطول، تَشكّلت فيه صورة المغرب داخل جزء من الفضاء التونسي عبر وساطة إعلامية غير محايدة. فمنذ سنوات، نجحت الجزائر في الانفراد بالمشهد الإعلامي داخل تونس، مستفيدة من القرب الجغرافي، وفتح الحدود البرية، وكثافة التبادل اليومي بين الشعبين، لترويج سردية سلبية عن المغرب، قُدِّم فيها كطرف معادٍ أو متعالٍ أو خارج السياق المغاربي. وقد ساعد على ترسيخ هذه الصورة استمرار القطيعة وإغلاق الحدود المغربية-الجزائرية، ما فرض نوعًا من العزلة غير المعلنة على المغرب داخل محيطه المغاربي.
هذا الواقع لم يكن مجرد تحليل نظري، بل لمسته شخصيًا خلال زياراتي المتكررة إلى تونس. ففي نقاشات عفوية مع تونسيين من مشارب مختلفة، كان يظهر بوضوح أن عددًا من الأحكام المسبقة عن المغرب لا يستند إلى تجربة مباشرة، بل إلى ما تكرّسه وسائل الإعلام والخطاب السياسي السائد. وفي الوقت نفسه، كان يبرز ودّ شعبي حقيقي، وفضول إيجابي تجاه المغرب، سرعان ما يطفو إلى السطح كلما أُتيحت فرصة للحوار الصريح. هذه المفارقة كانت، في حد ذاتها، مؤشرًا على أن المشكلة لم تكن يومًا بين الشعبين، بل في الرواية التي فُرضت بينهما.
اليوم، ومع تنظيم كأس إفريقيا بالمغرب، تتجسد لحظة نادرة لتفكيك هذا الخلل التاريخي. آلاف المشجعين التونسيين الذين حلّوا بالمغرب لا يستهلكون صورة جاهزة، بل يعيشون تجربة مباشرة: احتكاك يومي بالمجتمع المغربي، اكتشاف لكرم الاستقبال، للأمن، للبنية التحتية، ولتشابه العادات ونمط العيش. هذه التجربة الميدانية تُنتج معرفة لا يمكن للبروبغاندا الجزائرية تحديدا أن تنافسها أو تحاصرها.
تزداد أهمية هذه اللحظة مع الدور الذي يلعبه المؤثرون التونسيون، الذين ينقلون تفاصيل زيارتهم إلى جمهور واسع داخل تونس. فهذه الشهادات، بما تحمله من عفوية وصدق، تُحدث أثرًا تراكميًا يتجاوز حدود كرة القدم، وتسهم في إعادة بناء الصورة الذهنية للمغرب على أسس واقعية. إنها عملية هدم صامتة لسردية كاملة، تتم دون مواجهة مباشرة، ودون خطاب مضاد، فقط عبر قوة الواقع.
تكتسب هذه الدينامية بعدًا أكثر حساسية في ظل التوتر الذي أعقب استقبال الرئيس التونسي قيس سعيّد لزعيم الانفصاليين، وما خلّفه ذلك من ردود فعل شعبية قوية في المغرب، ومن تراكم جديد لتمثلات سلبية غذّتها أذرع إعلامية مرتبطة بالنظام الجزائري داخل تونس. غير أن ما كشفته كأس إفريقيا اليوم هو أن هذه التمثلات ليست راسخة كما يُروَّج لها، وأنها قابلة للتفكيك متى أُعيد فتح قنوات التواصل المباشر بين الشعوب.
إن ما يحدث اليوم بالمغرب يؤكد حقيقة استراتيجية طالما تم التقليل من شأنها: الرياضة، وكرة القدم تحديدًا، أداة دبلوماسية وثقافية ذات تأثير بالغ. فهي قادرة على اختراق الحواجز النفسية، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي، وهدم سنوات من الدعاية الممنهجة في فترة وجيزة. المغرب، في هذه اللحظة، لا يرد على البروبغاندا بخطاب مضاد، بل يترك التجربة الميدانية تتكفل بالمهمة، وهو ما يمنح هذا الشكل من الدبلوماسية الناعمة قوة ومصداقية استثنائية.
من هنا، لا ينبغي النظر إلى كأس إفريقيا كحدث عابر، بل كفرصة سياسية وثقافية تستدعي الوعي والاستثمار. فالرهان اليوم لا يقع فقط على نتائج المباريات، بل على قدرة النخب الإعلامية والثقافية في المغرب وتونس على تحويل هذا التقارب الشعبي الظرفي إلى مسار دائم، يقطع مع منطق الوصاية السردية، ويؤسس لعلاقات قائمة على المعرفة المتبادلة لا على الصور النمطية.
لقد عبّرت الشعوب، بصمت ووضوح، عن رغبتها في التواصل والتقارب، فيما يبقى على صانعي القرار أن يلتقطوا هذه الإشارة. فإما الاستمرار في ارتهان العلاقات المغاربية لحسابات ضيقة، أو الإصغاء لنبض الشارع الذي أثبت أن ما يجمع المغاربة والتونسيين أعمق من الخلافات الظرفية. وفي هذا المعنى، لا تمثل كأس إفريقيا مجرد بطولة قارية، بل لحظة وعي، وفرصة نادرة لإعادة بناء العلاقات المغربية-التونسية على أساس الحقيقة لا بروبغاندا جار السوء .