قرار المحكمة الدستورية رقم 25/259م.د.. استعجال غير مبرر وابتعاد عن ضبط المشرع
تكتسي قرارات المحكمة الدستورية حجية وإلزام لكل السلطات العامة ولجميع الجهات الإدارية والقضائية، ولا تقبل قراراتها أي طريق من طرق الطعن، لكن ذلك لا يمنع من مناقشة تلك القرارات، وإبداء ما يظهر من ملاحظات بخصوصها. فقرارات المحكمة الدستورية قد تنهي الجدل السياسي، لكنها قد تفتح جدلا قانونيا وفقهيا يجب ألا يتردد الباحثون في القانون الدستوري والقضاء الدستوري من الإسهام فيه.
على هذا الأساس نخصص السطور أدناه لبعض الملاحظات الأولية بخصوص قرار المحكمة الدستورية رقم 25/259م.د المتعلق بالقانون التنظيمي رقم 53.25 القاضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب. والذي صدر بتاريخ 24 ديسمبر 2025.
استعجال غير مبرر
لم تبت المحكمة الدستورية في هذا القرار داخل الأجل العادي، الذي هو شهر من تاريخ الإحالة، ولكن بتت داخل أجل حالة الاستعجال، الذي هو ثمانية أيام. وإن كان هذا الأمر لا يعود إلى المحكمة الدستورية، ولكن يعود إلى الحكومة، التي استندت إلى ما يتيحه الدستور في الفصل 132 والقانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية في المادتين 21 و26، واعتبرت أن الأمر يدعو إلى التعجيل بالبت في الموضوع، لتكون المحكمة الدستورية ملزمة بالبت في غضون 8 أيام، وليس داخل أجل ثلاثين يوما.
لقد أحيل القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية بتاريخ 16 ديسمبر وصدر القرار المتعلق به في 24 ديسمبر، ولنا أن نتساءل: هل يمكن استساغة هذا الاستعجال بخصوص قانون تنظيمي يُفترض فيه الأهمية بالنظر إلى ارتباطه بالانتخابات ومجلس النواب، خاصة، وأنه تضمن تعديلات مست 53 مادة، وأضاف مادة جديدة أثارت الكثير من الجدل (المادة 51 مكررة)، الأمر الذي كان يتطلب متسعا من الوقت لتسديد نظر القضاء الدستوري.
قد يُجادل أحد بالقول أن المحكمة الدستورية يُفترض فيها أن تتبع مجريات القانون التنظيمي، وما يثار حوله منذ المصادقة عليه في المجلس الوزاري، وليس إلى حين التوصل به.
نقول هذا المفترض، لكن هل هذا هو الواقع فعلا، خاصة وقد عرفت نفس الفترة المصادقة على القانون التنظيمي رقم 54.25 المعدل للقانون التنظيمي رقم.29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، والتي تم فيه النظر هو الأخر من قبل المحكمة الدستورية على وجه الاستعجال، وصدر بشأنه القرار رقم25/260 م.د بتاريخ 24 ديسمبر 2025، كما عرفت نفس الفترة طرح مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالدفع بعدم الدستورية، الذي قضى شوطا مهما في المسار التشريعي، والذي يُفترض فيه التتبع الحثيث من المحكمة الدستورية، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بها، وشهدت نفس الفترة أيضا مناقشة قانون المسطرة المدنية، والذي يُفترض فيه هو الآخر متابعة من قبل المحكمة الدستورية، رغم كونه قانونا عاديا وليس قانونا تنظيميا، بالنظر إلى قرار المحكمة الدستورية السابق بخصوصه، والذي قضت فيه بعدم مطابقة بعض المقتضيات للدستور.
أمام هذا التزامن، وهذه الكثافة، يبقى الأجل العادي المحدد لنظر المحكمة الدستورية ضمانة أساسية لمراقبة الدستورية. ولنا أن نتساءل أيضا ما الدافع الذي جعل الحكومة تختار هذا الطريق الاستثنائي بخصوص أجل النظر في مراقبة الدستورية، ربما الدافع هو ما ورد في خطاب العرش بتاريخ 28 يوليوز 2025، والذي قال فيه الملك “نؤكد على ضرورة توفير المنظومة العامة، المؤطرة لانتخابات مجلس النواب، وأن تكون معتمدة ومعروفة قبل نهاية السنة الحالية”.
بكل تأكيد لا تخفى أهمية معرفة الإطار القانوني للانتخابات قبل موعد إجرائها بمدة كافية، لكن إذا كان ذلك هو الداعي فعلا، فبإعمال مبدأ الموازنة يظهر أن إتاحة الفرصة للمحكمة الدستورية لفحص الشرعية الدستورية خلال الأجل العادي أولى من اعتماد مسطرة الاستعجال بمبرر الالتزام بتوجيه ملكي أشار إلى أن المنظومة القانونية للانتخابات يجب أن تكون معتمدة ومعروفة قبل نهاية السنة الحالية (2026)، خاصة، وأنه وبإضافة 22 يوما لبلوغ الأجل العادي الذي هو 30 يوما، يبقى الفاصل عن تاريخ إجراء الانتخابات على الأقل حوالي 7 أشهر.
لقد سبق للملك أن تحدث في خطاب 30 يوليو 2011 عن تنظيم الانتخابات الجهوية والجماعية ” وفق جدولة زمنية محددة، يتم إكمالها بتنصيب مجلس المستشارين، بتركيبته الجديدة، قبل متم سنة 2012″، ومع ذلك تأخرت انتخابات الجماعات الترابية إلى 4 شتنبر 2015، وتأخر انتخاب مجلس المستشارين إلى 2 أكتوبر 2015. هذا مثال للمزيد من التساؤل والتدقيق في درجة الإلزام القانوني لما يرد في الخطب الملكية من توجيهات تتعلق بتحديد أجل معين، خاصة إذا كان الالتزام سيتم على حساب ضمانة الأجل العادي المحدد للمحكمة الدستورية لتسديد النظر في دستورية قانون تنظيمي يُفترض أنه يُكتسي أهمية خاصة.
أشرت في البداية أن اختيار الاستعجال تتحمل مسؤوليته الحكومة، وأساسا رئيس الحكومة، الذي يُفترض أنه أشار في رسالة الإحالة إلى أن الأمر يدعو إلى التعجيل بالبت في الموضوع، لكن وبالنظر إلى المكانة المفترضة للمحكمة الدستورية، وما يُفترض فيها من استقلال عن السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية، ألم يكن من الممكن رفض المحكمة الدستورية لمسطرة التعجيل بناء على حيثيات قانونية وواقعية، خاصة وأن القانون التنظيمي المتعلق بالمحكمة الدستورية يُشير إلى تلك المسطرة دون الإشارة إلى وجوب الالتزام بها في كل الأحوال من قبل المحكمة الدستورية. أرجو أن تكون هذه الملاحظات والتساؤلات مستفزة ومحفزة لنقاش دستوري نحن في أمس الحاجة إليه.
ويمكن أن نضيف إلى كل ذلك أنه انتهت سنة 2025 دون أن تنشر المنظومة القانونية للانتخابات في الجريدة الرسمية، هذه المنظومة التي يفترض أن تشمل القانون التنظيمي رقم 53.25 الذي يقضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 27.11 المتعلق بمجلس النواب، و القانون التنظيمي رقم 54.25 الذي يقضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 29.11 المتعلق بالأحزاب السياسية، و القانون رقم 55.25 الذي يقضي بتغيير وتتميم القانون التنظيمي رقم 57.11 المتعلق باللوائح الانتخابية العامة وعمليات الاستفتاء واستعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومية خلال الحملات الانتخابية والاستفتائية، بالإضافة إلى المراسيم والقرارات المتعلقة بالعمليات الانتخابية، مما يعني أن المنظومة القانونية للانتخابات لم تكن بالفعل “معتمدة” عند متم نهاية 2025، فلماذا كل ذلك الاستعجال للمحكمة الدستورية؟
الابتعاد عن الضبط الدستوري للمشرع
لقد سبق للأستاذ محمد أمين بنعبد الله الرئيس الحالي للمحكمة الدستورية، وقبل أن يتولى منصبه هذا، أن انتقد قرار المحكمة الدستورية الذي استند أساسا إلى السلطة التقديرية للمشرع لإجازة القاسم الانتخابي على أساس المسجلين، وليس على أساس الأصوات، وكان مما قاله في هذا الصدد أن ” المحكمة الدستورية لما اعتبرت نفسها غير مختصة لتقييم السلطة التقديرية للمشرع فيما يخص القاسم الانتخابي، فإنها تكون قد استقالت من وظيفتها المتمثلة في عملية الضبط المخولة للقاضي الدستوري، كما تكون معه استدارت ظهرها وغيبت مراقبة النسبية الواجب عليها فحصها تفاديا لكل غلو أو شطط في استعمال السلطة التشريعية”.
وبالرجوع إلى القرار موضوع التعليق في هذه السطور، يلاحظ أن المحكمة الدستورية أجازت أن يكون من غير المؤهلين للترشح الأشخاص المتابعون على إثر ضبط في حالة تلبس بارتكاب جناية أو إحدى الجنح المنصوص عليها في القانون المتعلق باللوائح الانتخابية العامة، و الأشخاص الذين صدرت في حقهم أحكام استئنافية بالإدانة يترتب عليها فقدان الأهلية الانتخابية، والأشخاص الذي صدرت في حقهم أحكام ابتدائية بالإدانة من أجل جناية، بمعنى أنه يبقى من الوارد أن يقضي الحكم النهائي بتبرئة الشخص المتابع أو المحكوم عليه ابتدائيا أو استئنافيا ومع ذلك يكون قد منع من حقه السياسي في الترشح، وهو أمر لا تخفى مجانبته لمبدإ العدالة الذي هو أحد المبادئ العامة للقانون، بل هو روح تلك المبادئ. فإذا كانت محاربة الفساد الانتخابي أمر مطلوب، فإن ذلك يجب أن يتم في احترام تام للدستور ولمبدإ العدالة.
وبالرجوع إلى تعليل المحكمة الدستورية يُلاحظ التشابه مع التعليل الذي تضمنه القرار السابق بخصوص القاسم الانتخابي على أساس المسجلين، فقد تم الاستناد أساسا إلى السلطة التقديرية للمشرع، ” وأن ما يقرره المشرع، وفق سلطته التقديرية، من تحديد لشروط..”، “وهو ما يستقل المشرع بتقديره..”، “وليس للمحكمة الدستورية صلاحية التعقيب على السلطة التقديرية للمشرع في اختيار نوعية التدابير التشريعية التي يرتضيها..”.
ورغم إشارة القرار إلى متطلبات الضرورة والتناسب، “بوصفهما قيدا تشريعيا يرد على ممارسة الحق السياسي”، فإن القاضي الدستوري لم يتوسع في بيان مطابقة ذلك لما ذهب إليه المشرع بخصوص توسيع موانع الترشح لتشمل مجرد الاشتباه بارتكاب جريمة أو أحكام قضائية غير نهائية. ولنا أن نسأل هنا، هل من المناسب أن يُمنع مواطن من حقه في الترشح الذي يكفله له الدستور بمجرد حالة تلبس أو حكم قضائي غير نهائي يبقى من الوارد جدا الحصول على البراءة بعدهما، مع العلم أن الحكم بالإدانة القضائية بعد الانتخاب أو الاعتقال لمدة تعادل أو تفوق 6 أشهر، وحسب ماورد من تعديل للمادة 11 من القانون التنظيمي رقم 53.25، ينتج عنهما التجريد من الصفة البرلمانية؟
وعوض تحمل المسؤولية في ضبط المشرع، كما حدث في مناسبات سابقة، أشار القرار إلى ” إتاحة سبل الانتصاف القضائي في كل منازعة تتصل بمباشرة هذا الحق- أي حق الترشح-“، ولنا أن نتصور نتيجة المنازعة القضائية على أساس ما أقرت المحكمة الدستورية بأنه غير مخالف للدستور. وبخصوص قرينة البراءة المكفولة دستوريا، ذهبت المحكمة إلى أنه “يتمتع بها كل مشتبه فيه أو متهم بارتكاب جريمة، أمام قضاء الزجري، أما شروط القابلية للانتخاب، أي أهلية الترشح، فتندرج موضوعا في نطاق التنظيم التشريعي للحقوق السياسية، مما يكون معه المشرع مخولا، متى تقيد بالأحكام الدستورية أعلاه، لتحديد موانع الترشيح للعضوية في مجلس النواب، في مواجهة من صدرت في حقهم أحكام قضائية، في جرائم يعود إليه أمر تحديدها، دون اشتراط إدانة هؤلاء بمقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به، أو من توبع إثر ضبطه في حالة التلبس، إذ يعد ذلك من بواعث عدم الاطمئنان إلى صدق ونزاهة العملية الانتخابية، في كافة مراحلها”، ولنا أن نتساءل هنا هل من المستساغ العصف بحق سياسي أساسي بمبرر “بواعث عدم الاطمئنان”؟ وما هي هذه الأحكام الدستورية التي تجيز عدم التقيد بمبدأ قرينة البراءة فيما يتعلق بالحق في الترشح، الذي هو من الحقوق الدستورية الأساسية؟ وهل يستقيم المس بقرينة البراءة، التي هي مبدأ له قيمة دستورية (الفصل 119)، ومنع مواطن بمجرد متابعته على إثر حالة تلبس أو بمجرد حكم قضائي غير نهائي من حق دستوري، ألا وهو الحق في الترشح (الفصل 30)، المنصوص عليه في دستور يجعل “الاختيار الديمقراطي” أحد الثوابت الجامعة للأمة.
ويُخصص الباب الثاني منه للحريات والحقوق الأساسية، ويُبعد عن المراجعة الدستورية ” المكتسبات في مجال الحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في الدستور” (الفصل 175)؟ ثم أليس من المعلوم أنه إلى جانب إعمال قرينة البراءة في المجال الزجري، طبق القضاء الدستوري هذا المبدأ في العديد من قراراته؟ (انظر على سبيل المثال لا الحصر محمد أتركين، معجم الدستور المغربي، الجزء 3، ص 1496 و1497 و1498).
و يمكن أن نذكر من الحيثيات الواردة بهذا الصدد، والتي لها علاقة بأهلية الترشح، إقرار المجلس الدستوري بما يلي: ” وحيث إنه، لئن كانت الأهلية من النظام العام، وتُعد شرطا جوهريا للترشح للانتخابات والاستمرار في تمثيل الأمة، ويقضي فقدانها في أي مرحلة من المراحل حتما إلى المنع من الترشح أو بطلان الانتخاب، فإن إعمال مبدإ قرينة البراءة الذي هو مبدأ ذو قيمة دستورية، يوجب أن يكون الحكم الجنحي الذي يترتب عنه فقدان الأهلية للانتخاب حكما نهائيا..” (قرار المجلس الدستوري رقم 09/780 م إ بتاريخ 18 يوليو 2009).
الاكتفاء بأضعف الإيمان
بخصوص المادة 51 مكررة، التي أثارت الكثير من الجدل، قضت المحكمة الدستورية بنفس ما قضت به في كل المواد، أي أنها غير مخالفة للدستور. ويبدو أنه لحسن الحظ، وتجاوبا مع ما كان من انتقادات، عرفت الفقرة الثانية من تلك المادة تعديلا إيجابيا بتوافق داخل مجلس النواب، إذ لا يمكن الجزم حقيقة في ظل الاستعجال، وانسجاما مع التوجه الذي اختارته المحكمة الدستورية، بأن هذه الأخيرة كانت ستعترض على تلك الفقرة في صيغتها الأولى كما وردت من المجلس الوزاري.
لقد تغيرت الفقرة الثانية ممّا نصه ” يعاقب بنفس العقوبة – الحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 50.000 إلى 100.000 درهم- كل من قام أو ساهم أو شارك، بأي وسيلة من الوسائل المشار إليها أعلاه، في نشر أو إذاعة أو نقل أو بث أو توزيع إشاعات أو أخبار زائفة بقصد التشكيك في صدقية ونزاهة لانتخابات” إلى ما نصه “يعاقب بنفس العقوبة كل من قام بأي وسيلة بما في ذلك شبكات التواصل الاجتماعي أو شبكات البث المفتوح أو أدوات الذكاء الاصطناعي أو أي منصة إلكترونية أو تطبيق يعتمد على الأنترنت أو الأنظمة المعلوماتية بصناعة محتوى يشتمل على مضمون كاذب أو مزيف بقصد المساس بنزاهة وصدق العمليات الانتخابية”.
لقد كانت هناك مطالبات من قبل بعض النواب بحذف تلك الفقرة، لكن في الأخير تم التوافق على تعديلها بالشكل المشار إليه أعلاه، والجانب الإيجابي في التعديل هو الانتقال من تجريم العديد من الأفعال “القيام أو المشاركة أو المساهمة في نشر أو إذاعة أو نقل أو بث أو توزيع…” إلى حصر التجريم في “القيام بصناعة محتوى”.
ويلاحظ أن الفقرة الأولى من تلك المادة لم يطلها أي تعديل في البرلمان رغم صياغتها الواسعة والمفتوحة، والتي لا شك سيكون لها تأُثير سلبي على حرية التعبير والنقاش العمومي.
وقد قضت المحكمة الدستورية بعدم مخالفة المادة 51 مكررة بفقرتيها للدستور، مع إشارة لا تخفى أهميتها، ألا وهي عدم المس ” بحرية الصحافة المكفولة بمقتضى الفصل 28 من الدستور، ولا بالأنشطة الصحفية المهنية المشروعة التي تمارس بحسن نية وتستند إلى التحقق من المعلومة”، لكن السؤال: ألم يمكن بإمكان المحكمة الدستورية الذهاب إلى أبعد من ذلك، ومطالبة المشرع -على الأقل- بتخصيص الفقرة الأولى وتدقيقها أكثر، وذلك بالانسجام مع ما كان من تعديل للفقرة الثانية في مجلس النواب.