في زمن المنصات.. ورقة تحليلية تدعو الدولة إلى التخلي عن «التحكم الأحادي في المعلومة»
لم تعد الدولة والأحزاب ووسائل الإعلام التقليدية تملك وحدها مفاتيح تفسير الأزمات وتحديد الرواية التي تستقر في وعي الجمهور؛ إذ إنه في الفضاء الرقمي أصبحت الأزمات تنتج وتفسر وتتداول بسرعة تفوق قدرة المؤسسات التقليدية على الاستجابة، فيما تتنافس روايات متعددة على جذب الانتباه وفرض معنى لما يحدث.
وفي هذا الصدد، أكد المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة، في ورقة تحليلية بعنوان «تجنب القطيعة: إعادة بناء الوساطة والثقة والمسؤولية السياسية في المغرب»، أن «الدولة لا تستطيع العودة إلى زمن التحكم الأحادي في المعلومة»، مبرزا أنه «لا ينبغي لها أن تسعى إليه».
وأوضح المركز في الورقة التحليلية الصادرة في نهاية غشت 2026، والتي توصلت صحيفة «صوت المغرب» بنسخة منها، أن «المطلوب هو بناء قدرة مؤسسية على العمل داخل مجال عام تعددي وسريع، من خلال معلومات موثوقة تصل في وقتها، وإعلام مهني قادر على الرقابة، وأحزاب تتابع النقاش الرقمي من دون اختزاله في استطلاعات انطباع، ومؤسسات مدنية تستطيع تحويل المطالب المنتشرة إلى مقترحات قابلة للنقاش».
التواصل والاعتراف بالخطأ
ولفتت الورقة التحليلية إلى أن التحولات الرقمية أصبحت «تفرض تغيير مفهوم التواصل العمومي»، موردة أن «التواصل ليس حملة لتحسين صورة الحكومة، ولا وسيلة لإقناع المواطن بأن القرار صحيح دائما».
وتابعت موضحة أن التواصل هو «التزام بتفسير القرار ومعطياته وحدوده ونتائجه، والاعتراف بالخطأ حين يقع، وتوفير قناة لتلقي الملاحظات والرد عليها».
ونبه المصدر ذاته إلى أن «الدولة تحتاج إلى منظومة إنذار مبكر تتابع التحولات الرقمية من أجل الفهم والاستجابة، لا من أجل المراقبة الأمنية وحدها»، مبرزة أن «الارتفاع المفاجئ في تداول موضوع معين، أو انتقال دعوة من مجموعات صغيرة إلى انتشار واسع، أو تراكم الشكايات حول قطاع محدد، مؤشرات ينبغي أن تصل إلى الحكومة والأحزاب والمنتخبين ومؤسسات الوساطة».
المنصات ليست بديلا
وأكد المركز الأفريقي للدراسات الاستراتيجية والرقمنة أن «المنصات لا تمثل بديلا مستقرا عن الأحزاب والإعلام والمجتمع المدني»، مشيرا إلى أنها «تكشف المطالب وتسرع التعبئة وتمنح الفئات المهمشة صوتا، لكنها لا توفر وحدها التمثيل أو التداول أو المحاسبة أو الاستمرارية».
لذلك لا يكمن مستقبل الوساطة، حسب المركز، في الاختيار بين المؤسسات التقليدية والمجال الرقمي، بل في إعادة بناء المؤسسات بحيث تستوعب سرعة المجتمع من دون أن تفقد قواعد الديمقراطية، وتحول التعبير الفوري إلى مشاركة منظمة، والاحتجاج إلى معرفة، والمعرفة إلى قرار قابل للمساءلة.
وخلص المركز في هذا الصدد إلى أن «الأحزاب التي تعمل وفق دورة انتخابية بطيئة لم تعد قادرة وحدها على استيعاب مجتمع ينتج المطالب والمعلومات بصورة متواصلة»، مردفا أنه «لا يحل هذا التناقض بإلغاء الديمقراطية التمثيلية، وإنما بتوسيعها بأدوات مباشرة وتشاركية وتداولية ورقمية تمنح المواطن حضورا بين الانتخابات».
المحفوظ طالبي