في الحاجة إلى “رجل دولة محلي”
لم يكن البلاغ الصادر عقب المجلس الوزاري الأخير، برئاسة جلالة الملك محمد السادس نصره الله، مجرد إعلان بروتوكولي عن اعتمادات مالية جديدة، بل كان في جوهره بياناً في الحكامة، يضع الطبقة السياسية أمام مرآة مسؤوليتها التاريخية.
فرصد 210 مليارات درهم لتمويل جيل جديد من البرامج الترابية لا يمكن اختزاله في كونه إجراءً ميزانياتياً صرفاً، بل هو إعادة رسم لحدود الفعل العمومي، وطرح مباشر لسؤال المرحلة:من هو “رجل الدولة المحلي” الذي تقتضيه هذه اللحظة؟
مبادرة من القمة… وتلعثم النخب
يفرض الإنصاف السياسي اعترافاً لا مفر منه: لقد بادرت الدولة في لحظة غاب فيها النفس الاقتراحي للأحزاب.
ففي وقت كان ينتظر فيه من الفاعل الحزبي أن يتحول إلى مختبر للأفكار، ومنتج للبدائل، وصاحب رؤية استباقية لمتطلبات المرحلة، وجدت الدولة نفسها، مرة أخرى، في موقع المبادرة: ترسم الأفق، وتحدد الأولويات، وتفتح المسالك.
هذا الواقع لا يعكس فقط اختلالاً ظرفياً، بل يكشف عن عجز بنيوي لدى جزء من النخب السياسية عن مواكبة التحولات الاستراتيجية التي يعرفها المغرب، وانشغالها بصراعات هامشية وحسابات ضيقة، بعيدة عن جوهر التنمية وعن أسئلة الدولة والمجتمع.
يد ممدودة… وفرصة أخيرة للاستدراك
ومع ذلك، وبمنطق دولة لا تشتغل بالإقصاء بل بمنح الفرص، فُتح أمام الأحزاب باب جديد للعودة إلى صلب الفعل العمومي، من خلال إشراكها في قيادة جزء من هذه الدينامية الجديدة، خاصة على المستوى الترابي.
وهنا تكمن الرسالة السياسية العميقة: لقد انطلقت المبادرة في غيابكم، لكن الباب لم يغلق بعد. لا يزال ممكناً استدراك التأخر، شرط أن تكون العودة من بوابة الإنجاز لا من منصة الخطابة، ومن منطق النتائج لا من استهلاك الشعارات.
التزكية لم تعد امتيازاً… بل عقد كفاءة
هذا التحول يضع الأحزاب أمام امتحان حقيقي في معنى التزكية ووظيفتها.
فلم يعد مقبولاً أن تختزل التزكية في الحسابات الانتخابية، أو في منطق الولاءات، أو في القدرة على الحشد العددي. المرحلة تفرض إعادة تعريفها باعتبارها “عقد كفاءة” لا “صك ولاء”.
إن مغرب الجهات، في صيغته الجديدة، يحتاج إلى نخب تمتلك حس الدولة، وكفاءة التدبير، وفهماً عميقاً لتعقيدات المجال الترابي، وقدرة على تحويل السياسات العمومية من نصوص وموازنات إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.
فالتزكية اليوم ليست مجرد تذكرة عبور إلى البرلمان أو إلى المجالس المنتخبة، بل هي مسؤولية سياسية وأخلاقية أمام الوطن والتاريخ.
في الحاجة إلى رجل دولة محلي
ما تكشفه هذه اللحظة هو أن المغرب لم يعد في حاجة إلى منتخب محلي بالمعنى التقليدي، ولا إلى وسيط انتخابي يقتات من التوازنات الهشة، بل إلى نموذج جديد من المسؤولين: رجال دولة محليين.
أي إلى شخصيات تجمع بين الشرعية السياسية والكفاءة التدبيرية، بين القرب من الناس والقدرة على تنزيل الرؤية، بين فهم انتظارات المواطنين واستيعاب منطق الدولة في البناء والتحول.
إن الورش الذي تفتحه الرؤية التنموية في أفق مغرب الجهات يعلن، بوضوح، نهاية زمن الانتظارية، وبداية زمن المسؤولية.
لقد قامت الدولة بدورها: عبأت الموارد، وحددت الوجهة، وفتحت المجال. ويبقى الآن على الفاعل الحزبي أن يبرهن على أنه أهل لهذه المرحلة، وأن يرتقي إلى مستوى هذا الطموح الوطني.
فالمطلوب اليوم ليس مجرد منتخبين، بل رجال دولة محليين، قادرين على تحويل الجهات إلى فضاءات فعل حقيقي، والمدن إلى محركات تنمية، والسياسة إلى أداة خدمة لا مجرد آلية تموقع انتخابي عابر