story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
بيئة |

فيضانات القصر الكبير.. قراءة في تدبير سد وادي المخازن والحلول الممكنة

ص ص

تعيش منطقة حوض اللوكوس خلال شهر فبراير الحالي وضعية هيدرولوجية استثنائية لم تشهدها منذ عقود، إذ تصدر سد وادي المخازن قائمة المنشآت المائية المغربية بعد أن تجاوزت نسبة ملئه حاجز 146% من سعته التصميمية.

هذا الرقم، الذي يبدو في ظاهره بشارة خير بانتهاء سنوات الجفاف، يحمل في طياته تعقيدات تقنية وجغرافية وضعت مدينة القصر الكبير والمناطق المحيطة بها في مواجهة مباشرة مع خطر الفيضانات، مما استدعى قراءة متأنية في آليات تدبير الفائض المائي وتأثيراته على المجال العمراني.

وفي هذا الصدد، يوضح عبد الرحيم هندوف، رئيس الاتحاد الوطني للمهندسين المغاربة، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب” أن وصول السد إلى هذه النسبة لا يشكل خطراً على سلامة المنشأة ذاتها من حيث احتمالية الانفجار، لأن التصميم الهندسي للسدود يأخذ في الحسبان هذه الحالات القصوى عبر قنوات تصريف وفتحات إغاثة مدروسة بعناية.

ويؤكد هندوف أن ما يحدث حالياً هو عملية “تنفيس” ضرورية عبر إفراغ جزئي ومبرمج للمياه، وهي مسألة تقنية بحتة تختلف من سد لآخر بناء على طبيعة المواد المستخدمة في البناء، سواء كانت خرسانية أو ترابية، مع مراعاة التضاريس المحيطة، حيث يتم التحكم في التدفقات لتجنب حدوث أي شقوق أو ضغوط غير محسوبة على جسم السد.

إلا أن جوهر المشكلة، بحسب تشخيص المهندس هندوف، لا يكمن في السد نفسه بل في “ميكانيكا التصريف” وما تحمله معها. فعندما تبدأ عملية الإفراغ الجزئي من الفتحات السفلية للسد، تخرج المياه محملة بحمولة هائلة من الأوحال والترسبات الطينية التي تراكمت في قعر الحوض.

هذه الأوحال يتم تصريفها مباشرة في مجرى الوادي، مما يؤدي مع الوقت إلى “توحل المجرى” ونقص عمقه الاستيعابي بشكل حاد. ونتيجة لهذا التراكم، يفقد الوادي قدرته على احتواء كميات المياه المتدفقة، مما يضطرها للخروج عن مجراها الطبيعي والاجتياح السريع للمناطق المحاذية، وهو ما يفسر تحول المناطق المتاخمة لمدينة القصر الكبير إلى ما يشبه بحراً من المياه جراء الفيضان الاستثنائي.

وتزداد حدة هذه الأزمة بالنظر إلى الموقع الجغرافي لمدينة القصر الكبير، التي بنيت أحياؤها الحديثة في منطقة منخفضة بجوار الوادي، مما يجعلها “مصباً طبيعياً” عند ارتفاع المنسوب.

ويرى هندوف أن الحل لهذا التحدي المزمن يجب أن يكون شمولياً ولا يقتصر على الحلول الترقيعية عند وقوع الكارثة. فالإعداد الشمولي يبدأ من “رأس الحوض المائي” عبر تهيئة غطاء نباتي كثيف يغطي كافة المرتفعات المحيطة بالسد، لأن غياب التشجير أو تدهور الغطاء الغابوي يؤدي إلى انجراف التربة وسقوطها في السد، وهو ما يخفض قدرته التخزينية ويرفع منسوب التوحل في الوادي.

وبجانب الحلول البيئية، يقترح رئيس اتحاد المهندسين المغاربة ضرورة اعتماد تقنيات صيانة دورية لمجرى الوادي، بحيث يتم نزع الترسبات والأوحال كل بضع سنوات للحفاظ على عمق المجرى الأصلي وضمان انسيابية المياه.

كما يشدد على أهمية الحلول الهندسية الميدانية، مثل بناء حواجز وحوائط عازلة للماء بارتفاعات تتراوح ما بين 5 إلى 10 أمتار على طول جنبات الوادي القريبة من التجمعات السكنية، لتشكل درعاً واقياً يمنع تسرب المياه إلى أحياء المدينة المنخفضة، وهي إجراءات من شأنها تقليل الخسائر المادية وتوفير الأمان للسكان.

ورغم قتامة مشهد الفيضانات التي تجتاح المناطق المتاخمة للمجرى حالياً، إلا أن التدبير البشري للأزمة بحسب هندوف “سجل نقاطاً إيجابية تجلت في سرعة نقل السكان وتأمين الأرواح”، إذ لم يتم تسجيل أية وفيات بفضل اليقظة الاستباقية.

ومع استمرار التساقطات، يظل الفيضان يهدد المنطقة مادامت السماء تجود بمطرها، ما يحتم على السلطات بعد مرور الأزمة تفعيل استراتيجية وطنية متكاملة تستهدف تهيئة السدود والأودية، لضمان أن تظل مياه وادي المخازن مصدراً للحياة والرخاء، لا سبباً في القلق والنزوح.