فيروس “هانتا”.. لماذا لا يبدو مرشحا ليكون “الجائحة القادمة” رغم الوفيات؟
أثار تسجيل إصابات ووفيات بفيروس “هانتا” على متن سفينة سياحية دولية مخاوف واسعة من احتمال ظهور وباء عالمي جديد، خاصة بعد الحديث عن سلالة قادرة -بشكل محدود- على الانتقال بين البشر، غير أن خبراء الصحة يؤكدون أن المعطيات العلمية الحالية لا تشير إلى خطر جائحة وشيكة، رغم خطورة المرض وارتفاع معدل الوفيات المرتبط به.
الدكتور الطيب حمضي، الطبيب والباحث في السياسات والنظم الصحية، أوضح أن “عناصر القلق موجودة فعلا، لكنها لا تكفي للقول إن العالم أمام سيناريو مشابه لكوفيد-19″، مشيرا إلى أن فيروس هانتا يختلف جذريا عن الفيروسات التنفسية سريعة الانتشار، لأن انتقاله بين البشر يظل محدودا للغاية مقارنة بالفيروسات الوبائية المعروفة.
ما هو فيروس “هانتا”؟
ينتمي فيروس هانتا إلى فصيلة “Hantaviridae”، وتعد القوارض، خاصة الفئران والجرذان، الخزان الطبيعي الرئيسي له، فيما ينتقل إلى الإنسان غالبا عبر استنشاق جزيئات دقيقة ملوثة بفضلات القوارض أو بولها أو لعابها، خصوصا في الأماكن المغلقة وغير المهواة، كما يمكن أن تنتقل العدوى عبر ملامسة الأسطح الملوثة ثم لمس الأنف أو الفم، أو عبر الجروح الجلدية، وفي حالات نادرة جداً عبر عض القوارض.
ويعرف الفيروس أساسا بتسببه في حالتين سريريتين خطيرتين، تتمثل الأولى في “متلازمة هانتا الرئوية” التي تؤدي إلى ضيق تنفس حاد وفشل رئوي سريع، فيما تتمثل الثانية في “الحمى النزفية المصحوبة بمتلازمة كلوية”، والتي قد تؤدي إلى فشل كلوي حاد ونزيف داخلي.
لماذا تثير السلالة الحالية القلق؟
بحسب الدكتور حمضي، فإن مصدر القلق الحالي يرتبط بسلالة “الأنديز”، وهي السلالة الوحيدة تقريبا من بين 38 سلالة معروفة لفيروس هانتا القادرة على الانتقال من شخص إلى آخر عبر الرذاذ التنفسي، ورغم ذلك، يؤكد المختصون أن هذا الانتقال يبقى محدودا جدا ويحتاج إلى ظروف خاصة، من بينها الاحتكاك الوثيق والمطول داخل فضاءات مغلقة وضعيفة التهوية، كما هو الحال في السفن السياحية أو أماكن الإقامة المشتركة.
ويشير حمضي إلى أن العدوى البشرية لا تزال هامشية مقارنة بالانتقال الحيواني المنشأ، أي من القوارض إلى الإنسان، وهو ما يفسر عدم تسجيل موجات انتشار واسعة للفيروس على غرار ما حدث مع فيروسات أخرى.
ماذا حدث على متن السفينة السياحية؟
الحادثة التي أعادت فيروس هانتا إلى الواجهة تتعلق بسفينة سياحية سجلت على متنها سبع إصابات خلال شهر أبريل الماضي، بينها حالتان مؤكدتان وخمس حالات مشتبه بها، إضافة إلى ثلاث وفيات وحالة حرجة، فيما وصفت الحالات الأخرى بالعادية، ولا تزال التحقيقات الوبائية جارية لتحديد ما إذا كانت الإصابات مرتبطة بانتقال العدوى بين الركاب أنفسهم، أو أنها ناجمة عن تعرض مشترك لمصدر ملوث خلال إحدى محطات توقف السفينة.
ويرجح خبراء أن تكون بعض حالات السفن السياحية مرتبطة بوجود قوارض داخل المخازن أو أماكن تخزين الأغذية، وليس بانتقال واسع ومستمر بين البشر.
لماذا لا يرجح أن يتحول إلى جائحة عالمية؟
يرى خبراء الأوبئة أن فيروس هانتا لا يتوفر حاليا على الخصائص التي تسمح له بإحداث جائحة عالمية مشابهة لكوفيد-19 أو الإنفلونزا، فحتى السلالة الوحيدة القادرة على الانتقال البشري لا تنتشر بسهولة بين الناس، كما أن العدوى تتطلب مخالطة وثيقة ومطولة وفي أماكن مغلقة، ما يجعل الانتشار المجتمعي الواسع أمراً صعباً.
كما أن معظم التفشيات المسجلة عبر العالم تظل محلية ومحدودة، وترتبط ببؤر بيئية توجد فيها القوارض الحاملة للفيروس، وليس بسلاسل عدوى بشرية واسعة، ويضاف إلى ذلك أن أنظمة الرصد الصحي العالمية أصبحت أكثر قدرة على اكتشاف الحالات وتتبعها بسرعة بعد التجربة التي راكمها العالم خلال جائحة كوفيد-19.
ومع ذلك، يحذر المختصون من أن الفيروسات قادرة على التطور عبر الطفرات، ما يفرض استمرار اليقظة الصحية والعلمية، خاصة في ظل التغيرات المناخية وتدمير النظم البيئية، اللذين يساهمان في توسيع مناطق انتشار القوارض وزيادة الاحتكاك بينها وبين البشر.
هل المغرب مستعد لمواجهة فيروس هانتا؟
بحسب الدكتور الطيب حمضي، فإن المغرب يتوفر على منظومة وطنية لليقظة والرصد الوبائي، إضافة إلى مختبرات مرجعية قادرة على تشخيص الأمراض والفيروسات الناشئة والتعامل مع الحالات الوافدة، كما راكمت المنظومة الصحية المغربية خبرة مهمة في تدبير الأزمات الصحية بعد جائحة كوفيد-19، سواء على مستوى التتبع الوبائي أو بروتوكولات العزل والتكفل بالحالات الخطيرة.
ويرى المختصون أن خطر انتشار فيروس هانتا بالمغرب يظل منخفضا حاليا، بالنظر إلى طبيعة انتقاله المحدودة، غير أن ذلك لا يلغي أهمية تعزيز اليقظة الصحية، خاصة على مستوى الموانئ والمطارات، ومواصلة مراقبة أي حالات مشتبه بها قد تكون مرتبطة بالسفر أو بالتعرض لبؤر بيئية ملوثة.
كما يؤكد الخبراء أن الوقاية تظل الوسيلة الأهم لمواجهة الفيروس، وذلك عبر تجنب التعرض لفضلات القوارض، وتهوية الأماكن المغلقة قبل تنظيفها، واعتماد التنظيف الرطب بالمطهرات السائلة بدل الكنس الجاف الذي قد يتسبب في تطاير الفيروس في الهواء.
فيروس قديم عاد إلى الواجهة
ورغم عودته القوية إلى واجهة النقاش الصحي، فإن فيروس هانتا ليس جديدا، إذ تشير تقديرات علمية إلى وجود أوصاف لأمراض مشابهة تعود إلى قرون مضت، بينما تم عزل الفيروس لأول مرة سنة 1976 قرب نهر “هانتان” بكوريا الجنوبية، الذي استمد منه اسمه.
وفي سنة 1993، تحول الفيروس إلى مصدر قلق عالمي بعد تفشي “متلازمة هانتا الرئوية” في منطقة “فور كورنرز” بالولايات المتحدة، حيث تسجل حاليا نحو 150 ألف إصابة سنويا حول العالم، أغلبها في شرق آسيا، خاصة بالصين، فيما تسجل الأميركيتان نحو 200 حالة سنويا من الشكل الرئوي الخطير للمرض.
ويرى باحثون أن التغيرات المناخية وتدهور البيئة الطبيعية قد يساهمان مستقبلا في زيادة فرص ظهور بؤر جديدة للفيروس، عبر دفع القوارض إلى الاقتراب أكثر من التجمعات البشرية.