story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
أمن وعدالة |

“فضيحة دولة”.. مسؤول فرنسي أمام القضاء بسبب تهريب أطنان من الحشيش المغربي

ص ص

يستعدّ القضاء الفرنسي، يوم الاثنين 2 مارس 2026، لفتح واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل، حيث يمثل المدير السابق للمكتب المركزي لمكافحة الاتجار غير المشروع بالمخدرات (Ocrtis)، فرانسوا تييري، أمام المحكمة الجنائية في بوردو.

القضية التي وُصفت إعلامياً بـ”فضيحة دولة” تعيد إلى الواجهة ملف تهريب أطنان من الحشيش (القنب الهندي) انطلاقاً من المغرب نحو أوروبا، وتضع على المحك حدود العمل الاستخباراتي وأساليبه داخل أجهزة الأمن الفرنسية. إذ تكشف كيف تداخلت خطوط مكافحة الجريمة مع كواليس التهريب الدولي.

وتعود فصول هذه القضية، حسب صحيفة “لوسوار” (LE SOIR) البلجيكية، إلى أكتوبر 2015، حين جرى حجز أكثر من سبعة أطنان من الحشيش المغربي عالي الجودة داخل شاحنات مركونة في قلب العاصمة باريس، في عملية اعتُبرت آنذاك سابقةً من حيث الحجم والجرأة.

غير أن ما بدا في البداية نجاحاً أمنياً كبيراً تحوّل، مع مرور الوقت، إلى شبهات ثقيلة طالت المسؤول الأول عن مكافحة المخدرات في البلاد. إذ تتهمه النيابة بتجاوز الإطار القانوني خلال ما يُعرف بعمليات “التسليم المراقَب”، من خلال السماح بدخول شحنة ضخمة إلى التراب الفرنسي دون إبلاغ كامل للسلطة القضائية المختصة.

ويكشف الملف عن شبكة تهريب دولية معقّدة انطلقت من شمال المغرب، مروراً بإسبانيا، قبل أن تصل إلى فرنسا عبر مسارات لوجستية دقيقة تعتمد شركات نقل ووسطاء ومخبرين.

وتُظهر التحقيقات أن العملية لم تكن مجرد شحنة معزولة، بل جزءاً من منظومة أكبر تقوم على اختراق شبكات إجرامية، وأحياناً استغلال علاقات وثيقة بين بعض المخبرين والأجهزة الأمنية.

وهنا تحديداً يكمن جوهر الجدل: هل كانت العملية اختراقاً أمنياً مشروعاً للإطاحة برؤوس الشبكة، أم أنها تحوّلت إلى تساهل خطير سمح بمرور كميات هائلة من المخدرات إلى السوق الأوروبية؟

ويرتكز دفاع المدير السابق على فكرة أن ما جرى كان عملاً استخباراتياً مضبوطاً هدفه تتبّع الشبكة إلى مستوياتها العليا، وأن القضاء كان على علم بالخطوط العريضة للعملية. في المقابل، ترى جهة الاتهام أن حجم الشحنة والمخاطر المترتبة عليها تجاوزا كل الضوابط، وأن التنسيق القضائي لم يكن بالوضوح والاكتمال المطلوبين، ما يشكّل إخلالاً خطيراً بالإجراءات.

ولم تقف القضية عند حدود المتابعة الجنائية، بل كان لها وقع مؤسساتي عميق داخل فرنسا، إذ أعادت طرح أسئلة حساسة حول طرق اشتغال أجهزة مكافحة المخدرات، وحدود استخدام المخبرين، وطبيعة العلاقة بين العمل الاستخباراتي والرقابة القضائية.

وقد ساهم هذا الجدل في إعادة هيكلة الجهاز الفرنسي المختص؛ إذ أُعلن عام 2019 عن حلّ مكتب (Ocrtis) وتعويضه بالمكتب الوطني لمكافحة المخدرات (Ofast)، في محاولة لطيّ صفحة الأساليب التي نُسبت إلى تييري والتي تسببت في أزمة ثقة حادة بين الشرطة والقضاء.

ولا يمكن فهم قضية فرانسوا تييري دون التوقف عند شخصية سفيان حمبلي، المعروف بلقب “الخيال” (La Chimère)، والذي يُعدّ بمثابة “الصندوق الأسود” لهذا الملف.

يُعتبر حمبلي أحد أبرز مهربي القنب الهندي بين المغرب وأوروبا خلال العقدين الأخيرين. وُلد في فرنسا ويتحدر من أصول جزائرية، وبرز اسمه وسيطاً رئيسياً في شبكات تهريب الحشيش انطلاقاً من المغرب نحو إسبانيا وفرنسا.

وهو الغائب الأبرز عن محاكمة بوردو، إذ يقبع حالياً في السجون المغربية بعد اعتقاله في طنجة عام 2021 في إطار عملية أمنية دولية. ويواجه حمبلي في فرنسا حكماً قد يصل إلى السجن عشرين عاماً، وتُعدّ شهادته – إن قُدّمت – كفيلةً بإحداث تداعيات كبيرة على مسارات مهنية لعدد من المسؤولين الأمنيين.

واشتهر حمبلي بعلاقاته الواسعة داخل الأوساط الإجرامية، كما لعب في مراحل معيّنة دور مخبر لصالح أجهزة فرنسية، ما جعله شخصية مثيرة للجدل تجمع بين عالم الجريمة والعمل الاستخباراتي. ويُنتظر أن يشكّل اسمه محوراً أساسياً في مداولات هذه المحاكمة، التي قد تعيد رسم ملامح التعاطي الأمني مع شبكات التهريب الدولي.

وكانت غرفة الجنايات الاستئنافية بمحكمة الاستئناف بالرباط قد أدانت في يونيو 2023 سفيان حمبلي بالسجن 24 سنة بتهمة تكوين عصابة إجرامية والاختطاف والاحتجاز وطلب فدية. قبل أن تصدر الغرفة الجنحية التلبسية الاستئنافية بالمحكمة نفسها، في فبراير 2024، حكماً ثانياً في حق المتهم الفرنسي من أصل جزائري، حيث أيدت حكم سبع سنوات سجناً الذي صدر في حقه بالمحكمة الابتدائية بسلا

وتتعلق التهمة التي أدين بها حمبلي بالاتجار الدولي في المخدرات، وهي جزء من التهم الثقيلة المنسوبة إليه إلى جانب التهمة الأساسية التي شكلت موضوع مذكرات البحث الدولية والمحلية، وهي تكوين عصابة إجرامية متخصصة في الاختطاف والاحتجاز والتعذيب وطلب فدية.

وشهدت محاكمة حمبلي، منذ اعتقاله في أكتوبر 2021، تحقيقات تفصيلية ماراثونية استمع خلالها قاضي التحقيق لبارونات ومتهمين آخرين، بينهم موظفون وأمنيون متابعون ومدانون في قضايا مخدرات بمحكمة جرائم الأموال بالرباط، بعدما كشفت التحريات بعض الارتباطات، ليُحال على جلسة المحاكمة التي حسمت ابتدائياً بعشرين سنة سجناً في شتنبر 2023، ثم 24 سنة نافذة خلال المحاكمة الاستئنافية في يونيو 2025.

وكانت عناصر الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء قد أحالت المتهم على أنظار النيابة العامة المختصة بمحكمة الاستئناف بالرباط في نونبر2021، على خلفية تورطه في تكوين عصابة إجرامية للتخطيط وتنفيذ جرائم وصفت بالخطيرة وطنياً ودولياً، ما جعله المبحوث عنه رقم 1 لدى المنظمة الدولية للشرطة الجنائية “الأنتربول”، من طرف السلطات الفرنسية والمغربية، وتوبع بتهم تكوين عصابة إجرامية متخصصة في الاختطاف والاحتجاز وطلب فدية، والاتجار والتهريب الدولي للمخدرات.

وأعلنت السلطات الأمنية المغربية، في 23 أكتوبر 2021، عن ضبط مواطن فرنسي من أصول جزائرية، مزداد سنة 1975، للاشتباه في تورطه في قضايا التهريب الدولي للمخدرات ضمن شبكة إجرامية منظمة عابرة للحدود، والتزوير واستعماله في وثائق هوية مزورة.

وكشفت التحريات أن المشتبه فيه كان موضوع مذكرات بحث وطنية صادرة عن الفرقة الوطنية للشرطة القضائية والمصلحة الولائية للشرطة القضائية بمدينة تطوان، في قضايا التهريب الدولي للمخدرات، كما تبين أنه كان موضوع أمر دولي بإلقاء القبض صادر عن السلطات القضائية الفرنسية في يونيو 2021، من أجل الاتجار الدولي في المخدرات وتبييض الأموال واقتراف اعتداءات جسدية خطيرة باستعمال أسلحة.