story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

غزة وغياب “السردية” المغربية

ص ص

نحتاج جميعا إلى قدر أدنى من الشجاعة الأدبية كي نتوقف عن التعايش الكسول مع تناقضاتنا، ونتعامل معها بوصفها مادة لبناء تماسك داخلي لا بوصفها مبررا لتفكيكه.

لا يمكن أن تواصل الدولة نهجها القائم على المضيّ في الخيارات الكبرى كأن الداخل مجرد خلفية صامتة، ولا يمكن، في المقابل، أن يواصل جزءٌ نشيط ومعبّأ من الشارع “نضاله” ضد التطبيع على طريقة تفريغ الشحنة ثم الانصراف، كما لو أن ذلك يرفع العتب ويُريح الضمير ويُغني عن التفكير.

بين هذا وذاك، تتسع فجوةٌ لا نملأها بنقاش عمومي ناضج، بل نُسكتها بالإنكار المتبادل. الدولة تتصرف كأن الاحتجاج لا معنى له، والاحتجاج يتصرف كأن الدولة لا تفعل شيئا أو لا يُهمّ أن نفهم ما تفعل.

والنتيجة أن البلاد تمشي بلا سردية وطنية تربط الخيوط، وتحوّل الاختلاف إلى قوة، وتُبقي ما لا نتفق عليه داخل دائرة نشطة من الحوار لا داخل حفرة من الاتهامات المتبادلة.

ما حدث أمس في واشنطن يستحق أن يُقرأ بهذه العين بالضبط. ناصر بوريطة، وزير الخارجية المغربي، شارك في الاجتماع الأول لما سُمّي “مجلس السلام” الذي أعلنته واشنطن في سياق ما بعد حرب غزة، وأعلن سلسلة التزامات مغربية: مساهمة مالية مبكرة، واستعدادا لنشر عناصر شرطة مغربية لتدريب قوات في القطاع، وإيفاد ضباط متخصصين للانضمام إلى قوة استقرار دولية، وإقامة مستشفى ميداني، والمشاركة في برنامج لمحاربة خطاب الكراهية والتطرف وتعزيز قيم التسامح والتعايش.

هذه ليست جملة عبارات بروتوكولية يمكن أن نمر عليها كما نمر على أخبار الطقس. إنها معطيات تمس جوهر سؤالنا المغربي المؤجل منذ سنوات: كيف نُدير علاقتنا بفلسطين في زمن اختلطت فيه السياسة بالأخلاق، والكرامة بالمصالح، والواجب بالواقعية؟ وهل نملك تجاه اختيار كهذا سوى التحفظ أو التجاهل؟ هل نسمح لأنفسنا مجددا أن نختبئ خلف موقفين جاهزين: الدولة تفعل ما تريد بلا شرح، والشارع يحتج بما يريد بلا إنصات؟ ثم نشتكي لاحقا من أن الفجوة تتسع وأن الخصومات الداخلية تسهّل على الخارج اللعب على تناقضاتنا؟

دعونا نبدأ من السؤال الأكثر بداهة: ما الذي يمكن أن نطالب به الدولة المغربية في ظل ما جرى ويجري في غزة من تدمير وتقتيل ومحاولات التفاف على المقاومة وسعي إلى اجتثاثها؟

شخصيا، ومنذ “اضطررنا” لتحمّل مشهد التوقيع على الاتفاق الثلاثي الذي دشّن وضعا جديدا، ومع كل ما رافقه من تأطير رسمي يضعه ضمن توازن دقيق بين “المصلحة الوطنية العليا” والقيام بدور “إيجابي” تجاه الحقوق الفلسطينية؛ لم يعد المجال واسعا للمطالب المثالية التي نعرف سلفا أن ميزان القوى لا يسمح بها، وعلى رأسها أمنية إسقاط التطبيع التي يحق لكل فرد أن يحتفظ بها في وعيه السياسي والأخلاقي.

بعد مرحلة التمنّي مباشرة، لا يبقى من مطلب عملي ومعقول سوى أن يكون لنا حضورٌ ودورٌ فعليٌّ يتناسب مع قدرات المغرب ومصالحه، وفي الوقت نفسه لا يتورط في تحويل فلسطين إلى مجرد ملف أمنيّ أو ورشة تقنية.

من هنا أرى أن الحضور في طاولة التخطيط لمستقبل غزة وفلسطين، في حد ذاته، يصبح واجبا أوليا على عاتق الدولة، لا لأننا نحب كل من يجلس على الطاولة، بل لأن الغياب لا يمنحك شرف الطهارة فقط، بل يمنح الآخرين حق كتابة القصة وحدهم.

ومع ذلك، فالحضور لا قيمة له إن صار حضورا وظيفيا، بمعنى أن نكون هناك لتزكية ما لا نقبله، أو لتسهيل ما قد يتحول إلى وصفة لإعادة إنتاج الاحتلال بأدوات جديدة، أو لإدارة القطاع بمنطق الاستقرار الذي يُقصي السياسة ويُجرّم المقاومة ويحوّل الشعب إلى جسم يجب ضبطه لا إلى شعب يجب تحريره. وهنا بالتحديد، يصبح الخلاف مشروعا، بل ضروريا.

لست ضد المواقف التي ترفض جذريا أية مساهمة تُقرأ بوصفها دعما لمخططات أميركية في غزة، خصوصا حين تتداخل “إعادة الإعمار” مع نزع سلاح المقاومة، وحين تُطرح هندسة أمنية جديدة تحت شعار مثل “محاربة التطرف والكراهية”، بينما السبب الحقيقي للكراهية هناك هو واقع احتلال ودمار وفقدان وعدالة مؤجلة منذ قرن.

لكنني أيضا لا أستطيع أن أبتلع هذا الهروب المتبادل من المواجهة الفكرية. الدولة تتحرك في الخارج دون أن تفتح نقاشا داخليا جديا، والنخب التي تقود النقاش العمومي تكتفي أحيانا بحراسة المبدأ من بعيد، وتكتفي بالشعار، وتتجنب الدخول إلى تفاصيل الواقع العنيد، وكأن فهم ما تقوم به الدولة أو محاولة تفسيره هو تنازلٌ أخلاقي.

والنتيجة واضحة: نحن أمام شارع هو الأكثر حيوية في العالم الإسلامي في نصرة فلسطين ودعم غزة ورفض التطبيع، وفي الوقت نفسه أمام قرار رسمي يتحدث عن حضور أمنيّ وعسكريّ وإنسانيّ في ورش دولي مرتبط بما بعد الحرب.

بين الضفتين لا يوجد سائل إسمنتي يربطهما ليصنع سردية مغربية متماسكة، تساعدنا في فهم هذا الدور، ومعرفة حدوده، وهدفه السياسي، وخطوطه الحمراء، وما الذي سيمنع تحوّله إلى مجرد وظيفة في مشروع أكبر؟

ثم هناك معطيات أخرى تزيد من ضرورة النقاش بدل التهرب منه. من جهة، تبدو المساهمة المالية المغربية، بحسب ما تسرّب من أرقام إجمالية، في مستوى رمزي مقارنة بما أعلنت واشنطن وما تعهدت به دول خليجية كبرى. وقد يعني هذا أن المغرب يراهن على وزن سياسي ومعنوي أكثر من رهانه على مجهوده المالي.

ومن جهة أخرى، الترتيبات الأمنية المعلنة توحي بأن دور المغرب قد يكون أكثر حضورا في جانب التأطير والقيادة وتقديم الخبرة، بينما تقدم دول أخرى العدد الأكبر من العناصر، وتتولى دول الجوار تدريب الشرطة لتفادي الحساسية التي قد يخلقها وجودها المباشر على الأرض.

هذه هندسةٌ دقيقة، قد تبدو “ذكية” من زاوية إدارة التوازنات، لكنها خطيرة من زاوية المعنى. هل نشارك لبناء مؤسسات فلسطينية تحمي المجتمع، أم نشارك لبناء جهاز يطمئن الآخرين قبل أن يطمئن أهل غزة؟

كل هذا يعيدنا إلى نقطة البداية. نحن في حاجة إلى شجاعة مزدوجة، من الدولة ومن المجتمع. الدولة مطالبة بأن تأخذ نبض الشارع السياسي بعين الاعتبار، لا خوفا منه بل احتراما له، وأن تواجه أصوات الاحتجاج بدل إدارة ظهرها لها، وأن تُلائم اختياراتها الخارجية مع ما يعتبره الناس وجدانا وطنيا ومبدأ لا مساومة عليه.

وفي المقابل، النخب التي تتصدر النقاش العمومي مطالبة بالتنازل جزئيا عن “منطقة الراحة” التي توفرها الشعارات الرنانة. المطلوب منها ليس أن تبرر للدولة كل خطوة، ولا أن تزين ما لا يُزيّن، بل المطلوب أن تُمارس عملا أصعب: أن تطرح أسئلة واقعية، وأن تقترح بدائل عملية، وأن تُحاكم القرارات بمعايير واضحة، وأن تُشرك المجتمع في فهم التعقيد بدل تسطيحه.

السياسة الخارجية ليست خطبة، لكنها أيضا ليست (كلّها) سرّا من أسرار الدولة، بل مجالٌ يجب أن يبقى تحت رقابة الرأي العام، وإلا تحوّل إلى مسار منفصل، يخلق فجوات داخلية لا تنفع فلسطين ولا المغرب.

في النهاية، قد يختلف الناس حول المشاركة المغربية في هذا المجلس. هل هي محاولةٌ لتثبيت حضور مغربي في لحظة إعادة رسم معالم المنطقة، أم أنها توريطٌ في وصفة أميركية قد تُعيد إنتاج المأساة بأدوات جديدة؟

لكن ما لا ينبغي أن نختلف حوله هو أن استمرار الإنكار المتبادل سيجعلنا نخسر مرتين. الأولى حين نفقد القدرة على التأثير في الخارج، والثانية عندما نُضعف التماسك الداخلي.

فلسطين، في وجدان المغاربة، ليست بندا في نشرة الأخبار، بل معيارا أخلاقيا. وواجبنا الوطني ليس أن نرفع الصوت فقط، ولا أن نُدير الملفات بصمت فقط، بل أن نُنتج سردية مغربية واضحة، عنوانها حضورٌ فعّال، ومشروط، وشجاع، يدافع عن الحقوق الفلسطينية بقدر ما يدافع عن مصلحة المغرب، ويجعل من واقع “التطبيع” معطى نشطا يمكن مساءلته وضبطه وتوجيهه، لا قدرا خاملا نعيشه ثم نلعنه ثم نواصل العيش فيه.