story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
الصوت الواضح |

طرد “الضباب” عن الحكم الذاتي

ص ص

رغم كل ما يمكن أن يشغلنا من أحداث سياسية وأزمات اجتماعية وكوارث طبيعية، ومهما كان حجم هذه القضايا وأبعادها، إلا أن أكبر ملف يرهن حاضرنا ومستقبلنا هو النزاع الإقليمي المدبّر دوليا حول وحدتنا الترابية.

وهذا الملف يعرف حاليا منعطفا تاريخيا حقيقيا، في اتجاه إيجابي دون شك، لكن المعارك الدبلوماسية، مثل الحروب، لا تنتهي بانعطافة إيجابية، بل بعد تأمين النصر وتثبيته.

والتحيين الذي انخرط فيه المغرب لمقترح الحكم الذاتي المعروض للتفاوض، لا يحدث لأن الزمن يحبّ التجديد، ولا لأن الوثائق تتقادم مثل الصحف. بل يحدث لأن الصراع نفسه تغيّر، ولأن المغرب تعلّم، من كلفة الانتظار الطويلة، كيف يحوّل الزمن إلى ورقة تفاوض.

المعطيات التي تسرّبت بعد لقاء مدريد نهاية الأسبوع الماضي، رغم أنها ليست رسمية ولا نهائية، إلا أنها تبعث على الارتياح عندما نقارن ما يقترحه المغرب حاليا مع الوثيقة الأولى التي سلّمها للأمم المتحدة قبل أكثر من 18 عاما.

في 2007 كان المقترح المغربي يخرج إلى العالم من باب الدفاع، وتحت ضغط دولي كثيف تراكم من تبعات مخطط بيكر الثاني وفكرة “التقسيم”، وتحت مزاج إدارة أمريكية ديمقراطية كانت تمسك، في لحظات محددة، بورقة مراقبة حقوق الإنسان في الصحراء كرافعة لإعادة ترتيب شروط التفاوض.

كان المغرب يومها يقدّم مبادرة سياسية واسعة الروح، مكتوبة بلسان يطلب حلّا نهائيا ويعد بمستقبل أفضل ويؤكد أن المقترح سيُعرض على استشارة استفتائية للسكان المعنيين.

وكانت وثيقة 2007 أقرب إلى إعلان مبادئ مفصّل، يحدد اختصاصات الجهة، ويحتفظ للدولة بالسيادة في الدفاع والخارجية ورموز الدولة والنظام القضائي، ويفتح باب التفريع في الاختصاصات، ويتحدث عن مندوب الحكومة، وعن برلمان يمكن أن يتطور، وعن رئيس حكومة ينتخبه البرلمان وينصبه الملك، وعن محاكم الجهة ومحكمة عليا جهوية، وعن مجلس انتقالي ونزع سلاح وتسريح وعفو شامل.

كانت الوثيقة تقول ما يكفي لتُغلق الباب أمام خيار الاستقلال، لكنّها كانت، في بعض مفاصلها، تمنح خصوم المغرب هوامش لتأويل المعنى حول من يملك السلطة التنفيذية في الإقليم؟ ومن يمسك بالخيط بين المركز والجهة؟ وما الذي يمنع، مع مرور الوقت، من تشكل قطب سياسي بمرجعية محلية يُنازع الدولة وحدتها الرمزية والمؤسساتية؟

أما النسخة التي وُضعت اليوم على الطاولة، فلا تأتي لتضيف ورقا إلى الملف، بل لتسحب مناطق الغموض. الفرق الأول يبرز في هندسة النص نفسه. وثيقة 2007 كانت مبادرة سياسية قابلة لأن تُقرأ كعرض تفاوضي؛ أما الوثيقة المحينة فتتعمد أن تتحول إلى نظام مكتوب بمواد مفصلة، يتضمن تعريفات معيارية، وقواعد تفسير، ومقتضيات انتقالية، وآليات إدماج دستوري ومسطرة مراقبة.

هذا التحول من شكل “البيان” إلى هيكل “القانون” يساوي، تفاوضيا، تقليص مساحة العبارة لصالح قاعدة مُحكمة، وتقليص مساحة الالتباس لصالح التسقيف. وحين تنقل المقترح من لغة الوعد إلى لغة البناء المؤسساتي، فأنت لا تُغري فقط، بل تُلزم أيضا. تلزم نفسك أولا أمام الخارج بجدية هندسية، وتلزم خصومك بأن يواجهوا نصا مكتوبا، لا شعارا قابلا للتمايل.

ثم تأتي التطوّرات من حيث المضمون، والنقلة الأكثر حساسية ترتبط بموقع السلطة التنفيذية في الجهة. في وثيقة 2007، نجد أن رئيس الحكومة الجهوية ينتخبه البرلمان ثم ينصبه الملك. وفي الوثيقة الجديدة، يتحول المسار إلى تعيين ملكي أولا ثم تنصيب برلماني، على صورة ما استقر عليه النظام الدستوري المغربي في المركز.

هنا بالضبط يظهر معنى تحسين الموقع التفاوضي. فالمغرب لم يعد مضطرا لأن يترك نقطة السلطة التنفيذية مفتوحة أمام نزاع التأويل. هو يقول الآن، دون صراخ إن رئيس الحكومة الجهوية جزء من هندسة الدولة، لا بداية دولة داخل الدولة. ويضيف إلى ذلك ما هو أدق: رئيس الحكومة الجهوية لا يُقدَّم فقط كقائد للإدارة الذاتية، بل كممثل للدولة في الجهة أيضا، بما يربط الاستقلال الذاتي العضوي بوحدة الدولة، ويغلق فجوة كانت في 2007 تُترك لمندوب الحكومة كجهاز منفصل يثير بدوره سؤال ازدواجية السلطة داخل المجال الترابي نفسه.

وتتكرر اللغة الجديدة في شكل المؤسسة التشريعية. مبادرة 2007 تركت الباب مفتوحا أمام إمكانية برلمان بغرفتين، وحددت تشكيلته بمزيج من منتخبين بالاقتراع العام وممثلين عن القبائل الصحراوية، مع نسبة “ملائمة” للنساء.

أما الوثيقة المحينة فتحسم الشكل في اتجاه برلمان بغرفة واحدة، لكن بشرعية مزدوجة واضحة، يصنعها اقتراع عام مباشر وفق نمط نسبي جهوي، ومكوّن قبلي معيّن وفق معايير تُضبط بقانون تنظيمي يحدد الشروط والمساطر وضمانات الشفافية.

هذه ملامح هندسة دقيقة لتفادي انفجارين محتملين: انفجار الشرعية حين تتحول القبائل إلى عنوان غير مضبوط في النص، وانفجار الاستقرار حين تبقى القواعد الانتخابية قابلة للجدل بدل أن تُقيد بقانون تنظيمي ومعايير تحقق.

في توزيع الاختصاصات أيضا، ينتقل المقترح من تعداد قطاعات إلى منطق أكثر صرامة تتضمن قائمة حصرية للدولة تُعرّف تعريفا محدودا وتغلق الباب أمام الهامش “الرمادي”، وتشمل الدفاع والأمن الاستراتيجي والسياسة الخارجية والتمثيل الدبلوماسي والعملة والسياسة النقدية والجنسية ورموز السيادة والنظام القضائي الأعلى. ما تبقى يُمنح للجهة في قطاعات مدنية وتنموية وإدارية واسعة تمتد من إعداد التراب والتعمير إلى الصحة والتعليم والبيئة والبنيات التحتية المائية والطاقية، مع صلاحية إصدار قواعد مُلزمة التنفيذ.

وقد يكون التطوّر الأهم مرتبطا بمسزلة الاستفتاء. في 2007، كان الأمر يُطرح في ارتباط ب”السكان المعنيين” وكتجسيد لتقرير المصير. أما الوثيقة المحينة فتتحدّث عن استفتاء وطني يشمل مجموع الهيئة الناخبة المغربية. وهنا يظهر مجددا أن المغرب يتفاوض اليوم من موقع مختلف عن 2007، إذ لم يعد مضطرا لأن يترك الشرعية النهائية حصرا للمجال المحلي. ومن داخل هذا المنطق، يصبح الاستفتاء الوطني رسالة مزدوجة: لا تسوية خارج الدولة، ولا تسوية من دون الدولة.

اليوم، وبعد سنوات من الاستثمار السياسي والدبلوماسي والاقتصادي في الأقاليم الجنوبية، وبعد ترسيخ خطاب “الحل الواقعي والعملي” في مجلس الأمن كأفق تفاوضي، وبعد انتقال الولايات المتحدة إلى دور أكثر مباشرة في تيسير النقاشات، يبدو أن المغرب لم يعد محتاجا إلى عرض يتنازل سلفا بعبارات واسعة، بل يحتاج إلى عرض يُقنع الخارج بأنه قابل للتنفيذ، ويُقنع الداخل بأنه لا يفتح بابا على سيادة مهدّدة، ويضع الخصم أمام سؤال واحد: إذا كان هذا الحكم الذاتي مفصلا إلى هذا الحد، ومحصنا دستوريا، ومُحكما مؤسساتيا، فأين بالضبط يكمن اعتراضكم؟

وإذا كانت مبادرة 2007 قدّمت للعالم عنوانا كبيرا اسمه الحكم الذاتي، فإن النسخة المحينة تحاول أن تقدم وصفة عملية تؤسس لمؤسسات واسعة الصلاحيات، وواضحة الحدود، ومربوطة بإحكام بوحدة السيادة، ومحمية بقواعد تفسير وبنود احتراز وبآليات رقابة وتسوية تنازع اختصاص، ومثبتة داخل هرم المعايير.

بمقترحاته المحيّنة، لا يقلّص المغرب حجم التنازلات فقط، بل يقلّل احتمالات سوء القراءة. وهو حين يفعل ذلك، يوجه رسالته الأوضح: لم نعد نتفاوض على أرض رخوة من الشعارات، بل على أرض صلبة من النصوص. ومن أراد أن يختلف معنا، فليأت إلى النص، لا إلى الضباب. لأن الضباب، في هذا الملف، هو الوقود الذي عاش عليه النزاع طويلا، وحان الوقت أن يُسحب منه الهواء.