story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

صمت السياسي… الغموض ليس موقفا

ص ص

يُقال أن السياسي يولد من رحم الكلمة، فالكلمة هي أداته الأولى، وهي الوسيلة التي يعبّر بها عن أفكاره، ويدافع بها عن مواقفه، ويشرح من خلالها اختياراته للناس.

والسياسة في جوهرها، فعل تواصل مستمر مع المجتمع، تواصل يقتضي الكلام الواضح، والشرح المسؤول، والحضور الدائم في النقاش العمومي، لذلك يبدو الصمت، حين يلازم السياسي، أمرا يثير التساؤل أكثر مما يبعث على الاطمئنان.

غير أن الكلام في السياسة، لا يعني الثرثرة، ولا يعني إطلاق المواقف المتسرعة، فالسياسي الجاد، يعرف جيدا أن جزءا أساسيا من عمله هو الإصغاء، حيث ينصت للمجتمع، ولمختلف الفاعلين، ولنبض الشارع، حتى يفهم الواقع كما هو، لا كما يتمنى أن يكون، والإصغاء هنا ليس سلوكا سلبيا، بل شرط للفهم العميق، ومدخل لصياغة اقتراحات ناجعة تستجيب لحاجات الناس وتحديات المرحلة.

لكن الإصغاء شيء، والصمت الدائم شيء آخر، فحين يتحول الصمت إلى سِمة ملازمة للسياسي، يصبح الغموض هو اللغة السائدة، ولا يعرف المواطن في ماذا يفكر السياسي، ولا ما هي مواقفه من القضايا المطروحة، ولا كيف يقرأ التحولات التي يعيشها المجتمع، ومع الوقت يتحول هذا الغموض إلى مسافة نفسية وسياسية بينه وبين الناس.

السياسي الصامت يربك المجال العام، لأنه يترك الأسئلة بلا أجوبة، ويجعل المواقف معلقة في الهواء، في لحظات تحتاج إلى الوضوح، ويختار الاختباء خلف الصمت، وفي قضايا تستدعي الجرأة في التعبير عن الرأي، يفضل التواري خلف جدار الغموض، وهنا يبرز السؤال: كيف يمكن الوثوق بسياسي لا يُفصِح عن مواقفه، مهما تولى مهام حكومية أو عمومية، أو مسؤوليات حزبية تنظيمية؟

إن الثقة في السياسة تُبنى بشكل كبير على الوضوح، فقد يختلف المواطن مع السياسي في الرأي أو التوجه، لكن الوضوح يظل أساس العلاقة بينهما، أما الغموض الدائم، فيفتح الباب أمام التأويلات، ويغذي الشكوك، ويجعل الصمت يبدو أحيانا أقرب إلى حسابات ضيقة منه إلى حكمة سياسية. والسياسة في نهاية المطاف، لم تعرف يوما على أنها فن الصمت  بل فن التعبير المسؤول، والسياسي مطالب بأن ينصت جيدا لكي يفهم، وأن يفكر مليا قبل أن يتحدث ويقترح، لكن عليه أيضا أن يتكلم عندما يقتضي الأمر الكلام، فالمجتمع لا ينتظر من السياسيين الصمت، بل ينتظر منهم الموقف، والرؤية، والقدرة على تحويل الفهم إلى اقتراح يخدم الصالح العام.