صدمات ما بعد الكارثة.. خلية نفسية تدخل على خط أزمة الفيضانات – حوار
على إثر الفيضانات الأخيرة التي تشهدتها منطقة الغرب والمناطق الشمالية للمملكة، وما خلّفته من خسائر مادية واضطرابات في الحياة اليومية للساكنة، برز البعد النفسي للأزمة كأحد التحديات التي ترافق مثل هذه الكوارث، خاصة في ظل الصدمة والخوف الناتجين عن الإجلاء المفاجئ وفقدان الإحساس بالأمان لدى المواطنين.
وفي هذا الصدد، أعلنت رابطة متخصصي الصحة النفسية والعقلية بالمغرب عن تفعيل خلية للإنصات والدعم النفسي عن بُعد، في إطار تدخل استعجالي يستهدف تقديم دعم نفسي فوري ومواكبة المتضررين نفسيا، وفق مقاربة مهنية تستند إلى علم نفس الطوارئ والأزمات.
وللوقوف على دوافع هذه المبادرة، وآليات اشتغالها، وأبرز الاضطرابات النفسية التي تم تسجيلها، أجرت صحيفة “صوت المغرب” حوارا مع المشرف العام على شعبة الطوارئ والأزمات ورئيس رابطة متخصصي الصحة النفسية والعقلية بالمغرب هشام العفو .
وفي حديثه، شدد هشام العفو على أن الفيضانات لا تخلف آثارا مادية فقط، و إنما تترك صدمات نفسية عميقة تتطلب تدخلا مهنيا منظما، مؤكدا أن الخلية تشكل خطوة أولى ضمن مسار تدخل نفسي متكامل قابل للتوسيع والمتابعة.
وهذا نص الحوار كاملا :
س : ما الدوافع وراء إطلاق خلية الإنصات والدعم النفسي عن بعد في هذه المرحلة بالذات؟
ج : الدافع الأساس والجوهري هو أن الرابطة تشتغل بمنطق استباقي ومهني عبر “شعبة الأزمات والطوارئ” وبروتوكول نفسي تدخلي جاهز للتفعيل عند وقوع الأزمات الكبرى حسب توصيات منظمة الصحة العالمية ، وليس كردّ فعل عاطفي ظرفي ، كما سبق الاشتغال في مرحلتي الجائحة و الزلزال وفي حالة الفيضانات تبيَّن أن الأثر لا يقتصر على الخسائر المادية، بل يخلف صدمات واثار نفسية حادة مرتبطة بالخروج القسري والمفاجئ من البيوت وما يصاحبه من خوف وفقدان للأمان واضطراب في الروتين والعلاقات.
ووفق ذلك تم تفعيل الاستراتيجية الأولى في التدخل وهي خلية الانصات والدعم النفسي عن بُعد في البداية لضمان تدخل سريع، منظم وآمن، ثم فهم عميق وتحليل المعطيات ريثما تُستكمل ترتيبات الانتقال للتدخلات الميدانية، مع الاعتماد على مرجعية علم نفس الطوارئ والأزمات وخبرات الرابطة المتراكمة السابقة وتكوين المتدخلين في التدخلات النفسية الاستعجالية.
س : كم عدد الحالات التي تم استقبالها، وما أكثر الاضطرابات النفسية أو المشاكل التي سجلتموها؟
ج : منذ تعميم الخلية والإخبار الرسمي بتاريخ 4 فبراير 2026 وإلى اليوم، تم استقبال 22 حالة مستعجلة ، حيث سُجل أن 18 حالة كانت في وضعية صدمة وخوف شديد وهلَع “أعراض قلق حاد، ارتباك، توتر، أرق كوابيس محتملة” ، كما تم رصد 4 حالات تتطلب استشارة طبية نفسية بالنظر إلى وجود سوابق مرضية تستدعي تقييما طبيا متخصصا .
وقد تم وضع وحدة الطب النفسي التدخلي في الرابطة مع الدكتورة “كوثر حالتي” و الدكتورة “زينب حيمر” وهما طبيبتين نفسانيتين ، ويتم التعامل مع جميع الحالات وفق البروتوكول النفسي المعتمد، بما في ذلك التقييم الأولي، تحديد درجة الاستعجال، وتوجيه الحالات التي تستلزم تدخلا طبيا نفسيا ،أو حتى على المستوى الطبي بخصوص الحالات التي تعاني من ارتفاع ضغط الدم أو أمراض أخرى تتطلب تشخيصا لدى الطبيب .
س : كيف ستعمل الخلية على تقديم الدعم النفسي للمتضررين، وما هي آليات التواصل والتكفل المتاحة؟
ج : تشتغل الخلية عبر توفير فضاء إنصات آمن، مستقر، دون أحكام و مع اعتماد مبادئ السرية التامة واحترام كرامة المستفيد ، حيث يبدأ التدخل بـ إنصات إكلينيكي يليه تقييم أولي مقنن ودقيق لرصد شدة الأعراض وعلامات الخطر مثل “أفكار انتحارية، ذهان،هلوسات، اضطراب شديد في الواقع، عنف، أو عجز كامل عن النوم والأكل”، ثم تقديم الإسعاف النفسي الأولي: تهدئة وتنظيم التنفس والانفعال، عدم الضغط لسرد تفاصيل مؤلمة، وتقديم معلومات واضحة وخطوات عملية لتقليل الإحساس بالفوضى.
كما تُخصّص تدخلات ملائمة للأطفال “طمأنة، إعادة روتين بسيط، دعم الوالدين” وللمسنين “تقليل العزلة، التحقق من الأدوية والحاجة للرعاية” ، وتقوم الخلية كذلك بالتنسيق مع الخدمات الصحية والاجتماعية لتأمين الإحالات والمتابعة، مع رسائل تحسيسية للسكان حول التعامل مع القلق والهلع ومتى يجب طلب مساعدة متخصصة.
أما آليات التواصل والتكفل فتتم عبر الدعم عن بُعد “قنوات التواصل التي تعتمدها الخلية” مع ضمان التوجيه نحو الاستعجالات أو الاستشارة الطبية النفسية عند الضرورة ، حيث تعتمد الرابطة على الشراكات التي سبق و أنجزتها مع مؤسسات أخرى ذات الاهتمام المشترك أو القريب والتي قد تعنى بحالات خاصة أو معينة وفق المتطلبات ، اذ لن يتوقف الامر في حدود اتصال عن بعد حيث يمكن أن يكون الاتصال عبر تقنية مرئية و تم اعداد هذه الامكانية من طرف مهندس اعلاميات متخصص يتواجد في الميدان.
س : هل هناك خطة لتوسيع المبادرة أو متابعة الحالات بعد التدخل الأولي لضمان استقرارها النفسي؟
ج : بالتأكيد سيتم توسيع المبادرة وفق المتطلبات وبعد دراسة الوضع الحالي، على أن تتطور من خلية عن بُعد إلى قوافل نفسية-طبية ميدانية للتدخل في الأماكن المتضررة، كما أن منطق الخلية يقوم على كونها حلقة وصل بين الدعم النفسي العاجل ومسارات الرعاية، بما يسمح بـ متابعة الحالات التي تحتاج ذلك، وضمان الاستمرارية عبر الإحالة والتنسيق مع الفاعلين المحليين والخدمات الصحية والاجتماعية ثم التنسيق مع السلطات المختصة التي تسهر على تدبير وتسيير العمليات ميدانيا وذلك إلى حين استقرار الوضع النفسي للمستفيدين.