story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
رأي |

شخصية البطل!

ص ص

في لحظة كنا فيها أقرب إلى تتويج البلد “البطل”، انقلب كل شيء وخسر البطل في معركته الأخيرة ضد the final Boss! هل “طلعت الكتبة”؟ لا طبعا! فللمسلسل أجزاء متعددة وما صعد هو “جينيريك” الجزء الأول فقط!

انفلت اللقب من بين يدي البطل وخسرنا معه معركة إعلامية ونفسية وبدنية. وبماذا واجه البطل خصمه “بالنية” وبالفراغ الإعلامي الذي جعل المغاربة يسبحون ضد تيارات بحر مواقع التواصل الاجتماعي كالأيتام، لولا بلاغ الملك الذي انتشل أبناءه من غياهب الفوضى والاكتئاب!

“البطل” في القصة ليس منتخبا فقط ولا دولة فقط! بل هو شخصية تتعرض لاختبار قاس! كيف يتعامل الإنسان حين يرى أن النجاح لا يكفي “لاتقاء شر من أحسنت إليه”!

السؤال أعمق من الرياضة! ماهو العقل الذي يجب أن نفكر به وما هي الطريقة التي يجب أن نتعامل بها مع الاخرين! فالبطل الحقيقي لا يتشكل حين تسير الأمور كما يجب، بل حين ينقلب السياق ضده، ويكتشف أن جزءا من المشكلة قد يكون داخله هو أيضا!

سردية “البطل” التي صنعناها للمنتخب والدولة لم تبن الإنسان الذي يواكب طموحها، وظهر اندفاع جماعي بعد الصدمة وغياب القدرة على التمييز بين المهم والتافه والصحيح والخطأ والمعلومة و fake news، وقل التحليل وطغى الغضب! والمشكلة ليست في “الشرير” الذي انقلب على البطل، بل في قابلية البطل للانجرار.

لم نتعلم كمغاربة كيف نحلل خطابا معاديا، ولا كيف نرد بذكاء ولا كيف نختار معاركنا بحكمة! لم نصنع مغاربة يقفون بثبات حين يظلمون ويفكرون قبل أن يردوا، ويتحققون قبل أن يتكلموا!

البطل لا يسقط حيث يتلقى الضربة، بل حين يتوقف عن التعلم فالمستقبل لن ينقلب على شعب يعرف كيف يفكر!

البطل الذي يتعلم من أخطائه يعود في الجزء الثاني ليصبح أقوى! وأهم درس على المغرب تعلمه هو ترتيب أولوياته والاهتمام بأبنائه كما يهتم بملاعبه والاستثمار في بناء الإنسان توازيا مع بناء الجدران ويصنع عقلا صلبا كصلابة مدرجات الملاعب.

ما نحتاجه هو تعليم حقيقي! مدرسة تعلم التحليل لا الحفظ! حصص دراسية تحلل الأحداث الجارية تعلم النقاش وتؤطر الأجيال لصناعة مجتمع سليم في عقل تحليلي سليم!

نحتاج إعادة الاعتبار للفلسفة كباب لعوالم جديدة تحارب البروباغاندا والتدجين وتصنع مواطنا يفكر ويحلل ويناقش ويستنتج ويستخلص ويستدل ويستفسر…

نحتاج موادا تدرس المنطق لتفكيك المغالطات الأكثر انتشارا في الخطاب الشعبي، وتحارب التعميم ونظريات المؤامرة كنموذج للفكر الاختزالي المبرر للهزيمة.

ما نحتاجه هو إعلام حقيقي! يفسر المعلومة قبل أن يثيرها، ويتفاعل بالوعي والاحتراف ويواجه هجوم الخارج كحدث عابر لا كأزمة هوية! نحتاج منابر إعلامية قوية ومهنية تفضل مصلحة المعلومة الصحيحة على التفاعل واللايكات والدولارات، وتستحضر ضميرها وهي تفرز بين المحتوى الزائف والصحيح، وتتفاعل دون تحريض ولا سب ولا قذف.

نحتاج إعلاما تفسيريا يشرح السياق والمعلومة ويقتل الخزعبلات والاشاعات في مهدها للداخل والخارج.

نحتاج منابر إعلامية تفسر أكثر مما تصرخ وتشرح أكثر مما تضخم وتضع الأخبار في سياقها لمواجهة هذه الفوضى المعلوماتية! ونحتاج إدماج أقسام التحقق من المعلومة كجزء بديهي من كل مؤسسة إعلامية، لا عملا جانبيا تقوم به منصات محدودة “فوق الشبعة”.

ما نحتاجه هو تواصل مؤسساتي حقيقي! تواصل يدافع عن مصالح بلده وما يجيش ضدها وما يؤثر على صورتها الدولية! تواصل مؤسساتي يجيب على الإشاعات بالبلاغات والاحصائيات والأدلة والوثائق، وليس بالصمت والتأويلات والقراءات.

نحتاج تواصلا مؤسساتيا يريح المواطن من مهمة ليست له، حتى أصبح متعبا ومنهكا عوض أن يرتاح ويستمتع بتشجيع منتخبه الكروي.

ما نحتاجه هو فضاء رقمي أقل قابلية للاشتعال! فضاء لا ينساق إلى نظريات المؤامرة ولا المعلومات المظللة واللاعقلانية والردود العاطفية المتسرعة.

وكما استثمرت الدولة في مجال محاربة الأمية عليها الاستثمار في محاربة الأمية الرقمية، تستهدف الجامعات والأحياء الشعبية والجمعيات، وتدرس فيها: كيف تعمل الخوارزميات؟ لماذا يعطيك فيسبوك وانستغرام وتيكتوك محتوى يزيد غضبك؟ كيف توجه المنصات الرأي العام؟ لماذا تدفعنا نحو الغضب؟ وكيف نصنع مناعة ضد التضليل؟

نحتاج إنسانا يقابل التخلف بالتحضر، ويقابل التصفير على نشيده الوطني في 2006 بالتصفيق على النشيد الوطني للخصم في 2026! ففي تصفيقه فوز على التخلف وتكريس لشخصية “البطل” الذي يختار معاركه بنفسه ويضرب خصومه فوق الحزام لا تحته!

نحتاج إنسانا لديه بوصلة قيم واضحة، يعرف عبرها كيف يرد، وكيف يدافع عن بلده وفق الحق والصواب، وليس عبر ردود فعل تائهة.

نحتاج إلى إنسان يحسن تجاهل الأخبار الفارغة، ويتفادى نشرها والتفاعل معها ولو بحسن نية، يختار معاركه ولا تفرض عليه!

نحتاج إنسانا correct العقلية، ينتمي إلى بلد مؤسساتي، يسود فيه القانون على الجميع، أبناء البلد وضيوف البلد! يجيد الترحاب والكرم بلا عقدة نقص أو شعور بالذنب، قادر على أن يكون محترما وقويا ومهابا دون أن يكون عنيفا أو ظالما أو عابسا.

البطولة لا تأتي “بالنية” بل بهندسة معرفية تصنع عقلا يمتلك أدوات قراءة وتحليل وتفكيك الأحداث. نحن ببساطة لا نعلّم الإنسان كيف يفكر، بل نعطيه أفكارا جاهزة! ونغرقه في كم هائل من المحتوى دون أن نمنحه القدرة على التعامل معه! نحتاج إنسانا أقل انقيادا للضجيج وأكثر قدرة على حماية نفسه من الفوضى العاطفية والمعلوماتية.

البطل سيعود في الجزء الثاني إلى مكانه الطبيعي في داخلنا، ليس كبطل يرفع الكأس بالضرورة، بل يرفع من وعيه ومن حجمه قاريا وعالميا!

البطل هو سرديتنا، بطل يطور من نفسه تدريجيا يخطئ ويتعثر، فيتألم ثم يتعلم فيتغير…

بطل يبني ملاعبه وأبناءه ومستقبله ويصعد سلم التنمية والتحضر بثبات! بطل يصنع الأحداث ولا يتفرج عليها ويبادر بالفعل ولا يسجن برد الفعل فقط!

بطل تسيل دماؤه كما سالت دماء نايل العيناوي على أرضية الملعب، لكنه يمسحها ويعقمها وينهض من جديد أقوى! فالندبات علامة فخر على جسد البطل الذي نريد أن نكونه!

انتظرونا في الجزء الثاني

To be continued