story-0
story-1
story-2
story-3
story-4
story-5
story-6
story-7
story-8
مجتمع |

“سيدنا قدر”.. ليلة تتويج رمضان في البيوت والمساجد المغربية

ص ص

مع مغيب شمس السابع والعشرين من رمضان، يرتدي المغرب حُلّة استثنائية لا تشبه بقية الأيام. فإلى جانب كون هذه الليلة مناسبة دينية لختم القرآن والاعتكاف، تبدو كأنها “عرس روحي” تتحول فيه البيوت والأزقة إلى فضاءات يخيّم عليها جو من الخشوع والاستعداد لاستقبال ليلة ينتظرها المغاربة بشغف، ويسمونها شعبياً “سيدنا قدر”، توقيراً لمكانتها العظيمة.

تبدأ الرحلة من بيوت الله؛ فمنذ صلاة العصر، تتسابق الحشود نحو المساجد، وخاصة الكبرى مثل مسجد الحسن الثاني، وجامع القرويين، ومسجد الكتبية، حيث ترسم الصفوف المتراصة لوحة بشرية مهيبة، ويرتدي الرجال “الجلابة” المغربية بمختلف ألوانها.

في هذا الصدد، يرى الباحث في الفكر الإسلامي صالح النشاط، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، أن ليلة القدر في المغرب تحظى باعتبارين؛ أولهما ديني يتجلى في كونها ليلة نزول القرآن التي تفوق ألف شهر، وأن من أحياها غُفر له ما تقدم من ذنبه، كما أنها ليلة لتقدير أقوات الناس وأرزاقهم وآجالهم، وهي ليلة سلم وأمان تشهدها الملائكة حتى مطلع الفجر.

ويقضي المغاربة معظم الليل، إن لم يكن كله، في المساجد للصلاة وسماع القرآن، وحضور جلسات الموعظة والذكر حتى صلاة الفجر. ورغم أن النبي ﷺ حث على طلب ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، فقد استقرت العادة شعبياً ورسمياً على تخصيص ليلة السابع والعشرين من رمضان لإحيائها، بهدف ترغيب الأفراد في الاجتهاد الروحي خلال العشر الأواخر من الشهر الفضيل.

أما الاعتبار الاجتماعي والثقافي فيتجلى في ما تراكم من تمثلات لدى المغاربة حول هذه الليلة، من تقديس وخشوع إلى التواصي مع الفقراء والمحتاجين، وتوزيع وجبات الكسكس والمساعدات على الأسر المحتاجة، إلى جانب تهيئة البيوت والمساجد لاستقبال ليلة مباركة. كما يرتبط الاحتفال بتجويد المظهر الخارجي، إذ ترتدي النساء القفطان، بينما يختار الرجال الجلباب أو “الجبادور” بألوان جديدة، وهو ما يسهم أيضاً في حركة تجارية موسمية مهمة استعداداً لهذه الليلة.

ولا يمكن الحديث عن ليلة القدر في المغرب دون استحضار أبطالها الصغار الحقيقيين: الأطفال. ففي هذا التاريخ يحرص الآباء على تشجيع أبنائهم وبناتهم على خوض تجربة صيامهم الأولى.

ولا يمر هذا الحدث عادياً، بل يُحتفى بالطفل الصائم على مائدة الإفطار قبل التوجه إلى المسجد، لتتحول السهرة لاحقاً إلى حفلات نقش بالحناء للفتيات، وارتداء الفتيان بذلات تقليدية تجعلهم يبدون كعرسان صغار. وهي آلية تربوية، كما يصفها الباحث في علم الاجتماع علي الشعباني، لتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بالعادات الدينية في قالب من الفرح والمكافأة.

ويقول الشعباني، في حديث مع صحيفة “صوت المغرب”، إن المغاربة “دأبوا على عادة تشجيع بناتهم وأبنائهم الصغار على صيام أول يوم كامل لهم في رمضان في هذا اليوم، والاحتفال بهم على مائدة الإفطار قبل التوجه إلى المسجد للصلاة وإحياء ليلة القدر، والتي تتلوها حفلات النقش بالحناء وتزيين الفتيات الصغيرات، وارتداء الفتيان الصغار بذلات جديدة وكأنهم عرسان”.

من جانبه، يرى الباحث في علم الاجتماع هشام بوقشوش أن تدريب الأطفال على صيام رمضان في السياق المغربي يتجاوز حدود الامتثال الديني المباشر، ليغدو مساراً تنشيئياً يدمج الطفل تدريجياً داخل نظام رمزي يعيد إنتاج الهوية الدينية والجماعية.

وأضاف أن “ليلة القدر ليست مجرد مناسبة تعبدية، بل حدث اجتماعي يعيد ترتيب العلاقات داخل الأسرة ويمنح الطفل موقعاً مرئياً في الفضاء العائلي”. ففي هذه الليلة يُعاد تعريف الصيام بوصفه إنجازاً، ويُعاد تعريف الطفل بوصفه “صائماً معترفاً به”، حتى وإن كان صيامه جزئياً أو تدريجياً.

ويتجسد هذا الاعتراف من خلال لباس تقليدي، أو جلسة تصوير عائلية، أو مشاركة رمزية في صلاة التراويح، أو احتفال منزلي بسيط، حيث تتحول التجربة من اختبار جسدي إلى لحظة تتويج رمزي.

وتابع أنه إذا كان الصيام ممارسة يومية موزعة على أيام الشهر الفضيل، فإن ليلة القدر تمثل ذروة هذا البناء الرمزي، حيث تتكثف المعاني وتتضاعف الطقوس، ويتحول الطفل من متدرّب على الانضباط إلى فاعل رمزي داخل مشهد احتفالي تعبدي بالغ الدلالة.

وفي عمق هذه الاحتفالية، تبرز مكانة المرأة المغربية عبر عادة “حق الملح”، وهي التفاتة رمزية تُكرَّم فيها الزوجة أو الأم أو الأخت جزاء خدمتها وتفانيها طيلة الشهر الكريم. وتُعد هذه العادة بمثابة مكافأة معنوية وهدايا تُقدَّم للمرأة تعبيراً عن الامتنان لمجهوداتها في المطبخ ورعاية الأسرة والضيوف، ما يعكس تقديراً مجتمعياً متجذراً لدورها المحوري، ويجعل من ليلة السابع والعشرين مناسبة لجبر الخواطر وتجديد المودة الأسرية.

ويقول الباحث في علم الاجتماع علي الشعباني: “يعد حق الملح مكافأة معنوية للمرأة التي تقضي وقتها في خدمة عائلتها وضيوفها خلال هذا الشهر الذي تكون فيه الأشغال أكثر من الأيام العادية”، مضيفاً أن هذه العادة “تُعد جزءاً من تقدير المجتمع المغربي للمرأة، إذ تُقدَّم لها الهدايا في هذه الليلة كتعبير عن الامتنان”.

وعن تخصيص ليلة السابع والعشرين بهذه المظاهر الاجتماعية، من الاحتفال بالأطفال إلى تكريم المرأة، أوضح الشعباني أن ذلك لأن “ليلة 27 من رمضان تعد تتويجاً لهذا الشهر الفضيل، إذ يُختَم القرآن في هذه الليلة في العديد من المساجد تتويجاً لطاعات الشهر، وكذلك الأمر بالنسبة إلى خدمات المرأة والصيام الأول للطفل”.

وبموازاة ذلك، تبرز قيم التكافل من خلال إعداد وجبات الكسكس وإرسالها إلى المساجد، وتوزيع المساعدات على الأسر المعوزة، في تمثلات اجتماعية تتراوح بين التقديس والرغبة في نيل البركة، لتظل هذه الليلة في المغرب محطة سنوية تتصالح فيها القلوب، وتتزين فيها الأبدان، وترتقي فيها الأرواح في انتظار “سيدنا قدر” الذي يحلّ ضيفاً عزيزاً على بيوت المغاربة.